الاثنين، 15 يونيو 2015

الرد على الصوفية =)à==ابن سبعين

قال الحافظ ابن كثير رحمه الله:
((هو عبد الحق بن إبراهيم بن محمد بن نصر بن محمد بن نصر بن محمد بن قطب الدين أبو محمد المقدسي الرقوطي ، نسبة إلى رقوطة بلدة قريبة من مرسية ، ولد سنة أربع عشرة وستمائة ، اشتغل بعلم الأوائل والفلسفة ، فتولد له من ذلك نوع من الإلحاد ، وصنف فيه ، وكان يعرف السيميا ، وكان يلبس بذلك على الأغبياء من الأمراء والأغنياء.
جاور في بعض الأوقات بغار حراء يرتجي فيما ينقل عنه ، أن يأتيه فيه وحي ، كما أتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، بناء على ما يعتقده من العقيدة الفاسدة ، من أن النبوة مكتسبة ، وأنها فيض يفيض على العقل إذا صفا ، فما حصل له إلا الخزي في الدنيا والآخرة ، إن كان مات على ذلك.
وكان إذا رأى الطائفين حول البيت يقول عنهم: كأنهم الحمير حول المدار ، وأنهم لو طافوا به كان أفضل من طوافهم بالبيت.
فالله يحكم فيه وفي أمثاله ، وقد نقلت عنه عظائم من الأقوال والأفعال ، توفي في الثامن والعشرين من شوال بمكة)). وكانت وفاته سنة (669 هـ) (البداية والنهاية: 13/261)
وقال الإمام الذهبي عن ابن سبعين: ((كان صوفياً على قاعدة زهاد الفلاسفة وتصوفهم ، وله كلام في العرفان على طريق الاتحاد والحلول والزندقة ، نسأل الله السلامة في الدين)). (تاريخ الإسلام: 30ـ27).
وقال الإمام الذهبي أيضاً: ((اشتهر عنه أنه قال: لقد تحجر على نفسه ابن آمنة ـ يقصد النبي صلى الله عليه وسلم ـ واسعاً بقوله: لا نبي بعدي)).
ومن الذين ذموه ذماً شنيعاً يدل على تكفيره: محمد بن علي النقاش, قال في وحدة الوجود (صفحة: 147): ((وهو مذهب الملحدين كابن عربي ، وابن سبعين ، وابن الفارض , ممن يجعل الوجود المخلوق!!"
(/1)
وقال أبو حيان الأندلسي صاحب التفسير, في سورة المائدة عند قوله تعالى: ?لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح بن مريم? (صفحة: 142-143): ((ومن بعض اعتقاد النصارى استنبط من أقر بالإسلام ظاهراً, وانتمى إلى الصوفية حلول الله في الصور الجميلة, وذهب من ذهب من ملاحدتهم إلى القول بالاتحاد والوحدة ، كالحلاج , والشوذي , وابن أحلى , وابن عربي المقيم بدمشق , وابن الفارض , وأتباع هؤلاء كابن سبعين)). وعد جماعة ثم قال: ((وإنما سردت هؤلاء نصحاً لدين الله وشفقة على ضعفاء المسلمين)).
وجاء في كتاب (العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين) للإمام تقي الدين محمد بن أحمد الحسني الفاسي المكي (775-832 هـ)
قال الذهبي: وذكر شيخنا قاضي القضاة تقي الدين بن دقيق العيد ، قال:جلستُ مع ابن سَبْعين من ضَحْوَةٍ إلى قريب الظهر ، وهو يَسْرد كلاماً تُعقَلُ مفرداته و لا تُعقل مُرَكّباته .
وقال الذهبي: حدّثني فقيرٌ صالح ، أنه صَحِبَ فقيراً من السَّبعينية ، وكانوا يُهَوِّنُون له ترك الصلاة، وغير ذلك. ا.هـ
ولقد لَقِيَ ابنُ سبعين في الدنيا عذاباً ، وعذابه في الآخرة مضاعف ، فممّا لَقِيَ في الدنيا _ على ما ذكره بعض المغاربة _: أنه قصد زيارة النبي صلى الله عليه وسلّم ، فلما وصل إلى باب المسجد النبوي ، اهراق دماً كثيراً ، كدماء الحيض ، فذهب وغسله ، ثم عاد ليدخل ، فاهراق الدم كذلك ، وصار دأبه ذلك ، حتى امتنع من زيارته صلى الله عليه وسلم.
ومنها على ما قاله الذهبي: أنه سمع أن ابن سبعين فَصَدَ نفسه ، وترك الدم يخرج حتى تَصَفَّى ومات. والله أعلم. [5 ـ332].
(/2)
ابن قضيب البان
عبد القادر بن محمد أبي الفيض ، المعروف بابن قضيب البان ، ولد في مدينة حماة من بلاد الشام سنة: (971) للهجرة ، هاجر به أبوه إلى مدينة حلب وتوطن بها إلى سنة ألف هجرية ، ثم توطن بمكة إلى حدود سنة اثنتي عشرة بعد الألف ، ومنها إلى القاهرة ، وفيها تتلمذه عليه القاضي يحيى بن زكريا وأخذ عنه الطريقة النقشبندية والقادرية والخلوتية.
ثم عاد إلى حلب إلى أن مات فيها سنة: (1040) للهجرة.
من مؤلفاته "الفتوحات المدنية" والتي ألفها على وتيرة "الفتوحات المكية" لابن عربي ، وكتاب "نهج السعادة" وكتاب "ناقوس الطباع في أسرار السماع ، ورسالة في أسرار الحروف ، وكتاب "المواقف الإلهية" ، وله من الشعر تائية مشى فيها على وتيرة تائية ابن الفارض.
كان ابن قضيب البان على مذهب أهل وحدة الوجود ـ والعياذ بالله ـ ومن قوله:
شربت لحبه خمراً سقاني **** كصحبي فانتشى منها جناني
شطحتُ بشربها بين الندامى ** ورشدي ضاع مما قد دهاني
فأكرمني وتوجني بتاج **** يقوم بسره قطب الزمان
وأمرني على الأقطاب حتى ** سرى أمري بهم في كل شان
وأطلعني على سر خفي *** وقال: الستر من سر المعاني
رأيتك في كل شيء بدا *** وليس سواك لعيني حجب
فأنت هو الظاهر المرتجى *** وأنت هو الباطن المرتقب
وأنت الوجود لأهل الشهود ** وأنت الذي في كل شيء وهب
وعيني بعينك قد أبصرت *** لعينك في كل تلك النسب
(/1)
ومن طوامه ما جاء في كتابه "المواقف الإلهية" : ((ثم نوديت من مكان قريب، وذلك من جهاتي الست: يا حبيبي ومطلوبي، السلام عليك، فغمضت عيني، وكنت أسمع بقلبي ذلك الصوت حتى أظنه من جوارحي لقربه مني، ثم نوديت: انظر عليّ، ففتحت عينيّ فصرت كلي أعيناً، وكأن ما أراه في ظاهري، وصرت كأني برزخ بين كونين وقاب، كما يرى الرائي عند النظر في المرآة ما في خارجها. ثم سمعت بقارئ يقرأ: آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وكتبه ورسله، لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفران ربنا وإليك المصير.
وإذا بذلك الحجاب قد رفع وأذن لي بدخوله ، ولما دخلته رأيت الأنبياء صفوفاً صفوفاً ودونهم الملائكة، ورأيت أقربهم للحق أربعة أنبياء، ورأيت أولياء أمة محمد أقرب الناس إلى محمد وهو أقرب الخلق على الله تعالى وأقرب إليه أربعة أولياء، فعرفت منهم السيد محي الدين عبد القادر، وهو الذي تلقاني إلى باب الحجاب، وأخذ بعضدي حتى دنوت من سيدنا محمد صلى الله عليه وآله، فناولني يمينه فأخذته بكلتا يدي.
فلا زال يجذبني ويدنيني حتى ما بقي بيني وبين ربي أحد، فلما حققت النظر في ربي ورأيته على صورة النبي، إلا أنه كالثلج أشبه شيء أعرفه في الوجود من غير رداء ولا ثياب.
ولما وضعت شفتي على محل منه لأقبله أحسست ببرد كالثلج سبحانه وتعالى، فأردت أن أخر صعقاً، فمسكني سيدنا محمد صلى الله عليه وآله))
(المواقف الإلهية لابن البان صفحة: 164 ـ 169)
(/2)
قال الدباغ في كتابه الإبريز: ((قال محي الدين بن عربي: ومن شرط المريد أن يعتقد في شيخه أنه على شريعة من ربه وبيّنة منه ، ولا يزن أحواله بميزانه ، فقد تصدر من الشيخ صورة مذمومة في الظاهر وهي محمودة في الباطن والحقيقة ، فيجب التسليم ، وكم من رجل أخذ كأس خمر بيده ورفعه إلى فيه وقلبه الله في فيه عسلاً ، والناظر يراه شرب خمراً وهو ما شرب إلا عسلاً ومثل هذا كثير ، وقد رأينا من يجسد روحانيته على صورة ويقيمها في فعل من الأفعال ويراها الحاضرون على ذلك الفعل ، فيقولون: رأيناه فلاناً يفعل كذا ، وهو عن ذلك الفعل بمعزل ، وهذه كانت أحوال أبي عبد الله الموصلي المعروف بقضيب البان ، وقد عاينا هذا مراراً في أشخاص)) اهـ
(الإبريز صفحة:130).
اللهم إنا نعوذ بك من هذا الضلال ، ونبرأ إليك من هذا الكفر والخذلان ، ونسألك حسن الختام ، ولا حول ولا قوة إلا بك أنت الله الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد ، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم ، والحمد لله رب العالمين.
(/3)
ادعاء رؤية العوالم العلوية والسفلية:
ولا يتوقف هذا الهذيان الذي يطالعنا به الجيلي في كتابه لحظة واحدة فهو يزعم أنه قد كشفت له الحجب فرأى العالم عاليه وسافله وشاهد الملائكة جميعاً وخاطبهم والرسل والأنبياء؛ فها هو يقول ويدعي: "وفي هذا المشهد (يعني بالمشهد اتصال الصوفي بأرواح المخلوقات التي وجدت في الحياة والتي لم توجد أيضاً لأن الأرواح في زعمه مخلوقة أبداً لا تفنى)، اجتماع الأنبياء والأولياء بعضهم ببعض أقمت فيه بزبيد (زبيد: مدينة من مدن اليمن المشهورة) بشهر ربيع الأول في سنة ثمانمائة من الهجرة النبوية فرأيت جميع الرسل والأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين والأولياء والملائكة العالين، والمقربين، وملائكة التسخير، ورأيت روحانية الموجودات جميعها، وكشفت عن حقائق الأمور على ما هي عليه من الأزل إلى الأبد" (انظر) ويستطرد قائلاً "وتحققت بعلوم إلهية لا يسع الكون أن نذكرها فيه" (ص97 ج2).
ويستطرد الجيلي في هذيانه وكفرياته قائلاً عن مشاهداته المزعومة في خلق السماء الثانية: "رأيت نوحاً عليه السلام في هذه السماء جالساً على سرير خلق من نور الكبرياء بين أهل المجد والثناء فسلمت عليه وتمثلت بين يديه فرد علي السلام ورحب بي وقام".
إلى أن يقول: "وروحانية الملك الحاكم على جميع ملائكة هذه السماء عجائب من آيات الرحمن وغرائب من أسرار الأكوان لا يسعنا إذاعتها في أهل هذا الزمان" (ص100) أ.هـ.
ويستطرد الجيلي مبيناً مشاهداته المزعومة في السماء الثالثة وأنه رأى يوسف عليه السلام وأنه دار بينهما هذا الحديث الذي يزعم الجيلي في آخره أنه كان يعلم هذه العلوم التي أخبره يوسف بها قبل أن يتفوه بها يوسف. وما هذه العلوم.. إنها هذه الكفريات والهذيانات نفسها وهذا نص عبارته في ذلك:
(/1)
"اجتمعت في هذه السماء مع يوسف عليه السلام، فرأيته على سرير من الأسرار كاشفاً عن رمز الأنوار عالماً بحقيقة ما انعقدت عليه أكلة الأحبار متحققاً بأمر المعاني، مجاوزاً عن قيد الماء والأواني فسلمت إلى تحية وافد إليه فأجاب وحياً ثم رحب بي وبيا، فقلت له: سيدي أسألك عن قولك {رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث} أي المملكتين تعني وعن تأويل أي الأحاديث تكنى فقال: أردت المملكة الرحمانية المودعة في النكتة الإنسانية (يعني أن يوسف عليه السلام أجابه بأن الله أطلعه عل وجود الرحمن في كيان الإنسان) وتأويل الأحاديث: الأمانات الدائرة في الألسنة الحيوانية، فقلت له يا سيدي أليس هذا المودع في التلويح حللاً من البيان والتصريح. فقال: اعلم أن للحق تعالى أمانة في العباد يوصلها المتكلمون بها إلى أهل الرشاد، قلت: كيف يكون للحق أمانة وهو أصل الوجود في الظهور والإبانة، فقال: ذلك وصفه وهذا شأنه وذاك حكمه وهذه عبارته، والأمانة يجعلها الجاهل في اللسان ويحملها العالم في السر والجنان، والكل في حيرة عنه، ولم يفز غير العارف بشيء منه، فقلت: وكيف ذلك. فقال: اعلم أيدك الله وحماك أن الحق تعالى جعل أسراره كدرر إشارات مودعة في أسرار عبارات (يعني أن سر الخلق قد صحبه الله في أسرار العبارات التي يوحيها إلي)، فهي ملقاة في الطريق دائرة على ألسن الفريق، يجهل العام إشارتها، ويعرف الخاص ما سكن عبارتها، فيؤولها على حسب المقتضى ويؤول بها إلى حيث المرتضى، وهل تأويل الأحلام إلا رشحة من هذا البحر أو حصاة من جنادل هذا القفر فعلمت ما أشار إليه الصديق ولم أكن قبله جاهلاً بهذا التحقيق، ثم تركته وانصرفت في الرفيق الأعلى ونعم الرفيق" أ.هـ (ص101).
ثم يزعم الجيلي أن السماء الرابعة هي قلب الشمس وأن فيها إدريس وأن أكثر الأنبياء في دائرة هذا الفلك المكين مثل عيسى وسليمان وداود وإدريس وجرجيس.. وغيرهم.. الخ.
(/2)
أسمعتم يا مسلمون نبياً من أنبياء الله يسمى جرجيس،.. ها هو الجيلي اطلع عليه في السماء وجاءكم باسمه كما جاءكم باسم ملك يسمى توحائيل.. أنظرتم كيف يكون الكشف وعلم الغيب. هذه هي نماذجه. وأما السماء الخامسة عند الجيلي فهي سماء الكوكب المسمى بهرام.. وحاكم هذه السماء عزرائيل وهو روحانية المريخ صاحب الانتقام والتوبيخ.. (هكذا والله..) ويستطرد الجيلي فيصف السماء السادسة فهي عنده كوكب المشتري.. ويقول "رأيت فيها موسى عليه السلام متمكناً في هذا المقام واضعاً قدمه على هذه السماء قابضاً بيمينه (يلاحظ في هذا التخليط والتقول على الله أن هؤلاء الكاذبين يعمدون إلى الوحي القرآني والحديثي فيأخذون منه ما يشاءون ويخلطونه بهذه الأكاذيب ويزعمون أن ذلك هو الكشف الذي كشف لهم فذكر منصبة موسى على ساق سدرة المنتهى مأخوذ من قول الرسول صلى الله عليه وسلم أكون أول من يفيق فأجد موسى باطشاً بساق العرش) ساق سدرة المنتهى سكران من خمر تجلي الربوبية.." أي موسى انطبعت في مرآة علمه أشكال الأكوان وتجلت فيه ربوبية الملك الديان.. وأنه دار بينه وبين الجيلي هذا الحوار.. يقول الجيلي بالنص:
(/3)
"فوقفت متأدباً بين يديه، وسلمت بتحقيق مرتبته عليه، فرفع رأسه من سكرة الأزل ورحب بي ثم أهل، فقلت له: يا سيدي قد أخبر الناطق بالجواب الصادق في الخطاب، أنه قد برزت لك خلعة لن تراني من ذلك الجناب، وحالتك هذه غير حالة أهل الحجاب، فأخبرني بحقيقة هذا الأمر العجاب، فقال: اعلم أنني لما خرجت من مصر أرضي إلى حقيقة فرضي، ونوديت من طور قلبي بلسان ربي من جانب شجرة الأحدية في الوادي المقدس بأنوار الأزلية {إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني} فلما عبدته كما أمر في الأشياء، وأثنيت عليه بما يستحقه من الصفات والأسماء تجلت أنوار الربوبية لي فأخذني عني، فطلبت البقاء في مقام اللقاء، ومحال أن يثبت المحدث لظهور القديم، فنادى لسان سري مترجماً عن ذلك الأمر العظيم، فقلت: {رب أرني أنظر إليك} فأدخل بانيتي في حضرة القدس عليك فسمعت الجواب من ذلك الجناب {لن تراني ولكن انظر إلى الجبل} وهي ذاتك المخلوقة من نوري في الأزل، {فإن استقر مكانه} بعد أن أظهر القديم سلطانه {فسوف تراني فلما تجلّى ربه للجبل} وجذبتني حقيقة الأزل وظهر القديم على المحدث {جعله دكاً وخر موسى صعقاً} فلم يبق في القديم إلا القديم، ولم يتجل بالعظمة إلا العظيم، هذا على أن استيفاؤه غير ممكن وحصره غير جائز، فلا تدرك ماهيته ولا ترى ولا يعلم كنهه ولا يدري، فلما اطلع ترجمان الأزل على هذا الخطاب أخبركم به من أم الكتاب (أي أن الجيلي اطلع على هذه المكاشفة من أم الكتاب) فترجم بالحق والصواب، ثم تركته وانصرفت وقد اغترفت من بحره ما اغترفت (ص104) أ.هـ.
(/4)
ويستطرد الجيلي مبيناً مشاهداته في هذه السماء فيقول: "ثم إني رأيت ملائكة هذه السماء مخلوقة على سائر أنواع الحيوانات فمنهم من خلقه الله تعالى على هيئة الطائر وله أجنحة لا تنحصر للحاصر، وعبادة هذا النوع خدمة الأسرار ورفعها من حضيض الظلمة إلى عالم الأنوار، ومنهم من خلقه الله تعالى على هيئة الخيول المسومة، وعبادة هذه الطائفة المكرمة رفع القلوب من سجن الشهادة إلى فضاء الغيوب، ومنهم من خلقه الله تعالى على هيئة النجائب وفي صورة الركائب، وعبادة هذا النوع رفع النفوس إلى عالم المعاني من عالم المحسوس، ومنه من خلقه الله تعالى على هيئة البغال والحمير!! وعبادة هذا النوع رفع الحقير وجبر الكسير والعبور من القليل إلى الكثير ومنهم من خلقه الله تعالى على صرة الإنسان وعبادة هؤلاء حفظ قواعد الأديان، ومنهم من خلق على صفة بسائط الجواهر والأعراض وعبادة هؤلاء إيصال الصحة إلى الأجسام المراض، ومنهم من خلق على أنواع الحبوب والمياه وسائر المأكولات والمشروبات، وعبادة هؤلاء إيصال الأرزاق إلى مرزوقها من سائر المخلوقات، ثم إني رأيت في هذه السماء ملائكة مخلوقة بحكم الاختلاط مزجاً، فالنصف من نار والنصف من ماء عقد ثلجاً، فلا الماء يفعل في إطفاء النار ولا النار تغير الماء عن ذلك القرار" (ص105).
وأما السماء السابعة التي شاهدها الجيلي وجاء يقص علينا مشاهداته فهي السماء السابعة، وهي عنده زحل، ويحكى أنه شاهد فيها إبراهيم عليه السلام قائماً في هذه السماء وله منصة يجلس عليها على يمين العرش من فوق الكرسي وهو يتلو آية {الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق..}.
(/5)
ويستطرد الجيلي بعد ذلك تبجحاً أنه صعد إلى سدرة المنتهى وأنه رأى هناك الملائكة وأنها على هيئات مختلفة وأمامهم سبعة، ثم ثلاثة ثم ملك مقدم يسمى عبد الله.. وأنهم أخبروه أنهم لم يسجدوا لآدم -هكذا.. علماً بأن الله سبحانه وتعالى يقول في محكم كتابه {فسجد الملائكة كلهم أجمعون* إلا إبليس أبى أن يكون من الساجدين} (الحجر:30-31).
فأكد الله سبحانه سجود الملائكة بكل وجميع ولكن جاءنا الجيلي ليخبرنا بأن الملائكة هؤلاء الذين شاهدهم في السماء لم يؤمروا بالسجود لآدم فاكتشف ما لم يعلمه الله ورسوله. وهذا نص عبارته في ذلك:
"ثم رأيت سبعة جملة هذه المائة متقدمة عليهم يسمون قائمة الكروبيين، ورأيت ثلاثة مقدمين على هذه السبعة يسمون بأهل المراتب والتمكين، ورأيت واحداً مقدماً على جميعهم يسمى عبد الله، وكل هؤلاء عالون ممن لم يؤمروا بالسجود لآدم، ومن فوقهم كالملك المسمى بالنون والملك المسمى بالقلم وأمثالهم أيضاً عالون، وبقية ملائكة القرب دونهم، وتحتهم مثل جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل (ليس في ملائكة الله عز وجل ملك يسمى عزرائيل ولم يثبت ذلك في حديث صحيح أو ضعيف ولكنه اسم يجري على ألسنة العامة، ولكن هؤلاء الجهلة يلتقطون مثل هذه الأسماء ويجعلونها كشفاً وعلماً لدنياً وروحياً وإلهاماً لهم فانظر وتعجب..) وأمثالهم.
ورأيت في هذا الفلك من العجائب والغرائب ما لا يسعنا شرحه" (ص107).
ولا يكتفي الجيلي ببيان كفرياته وهذيانه في السماء فينتقل إلى الأرض وهي عنده ليست أرضاً واحدة بل هو يزعم أنه شاهد سبعة أرضين وسبعة بحار ومحيطات وهاك بعضاً من هذا الهذيان الذي يزعم فيه الجيلي أنه رأى فيه الخضر وموسى، وأفلاطون وأرسطو والاسكندر، إلى هذيان وكفر لا يسع المؤمن عند سماعه وقراءته إلا أن يقول (يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك) وأن يقول أيضاً (الحمد لله الذي عافانا وما علينا ووقانا) وهاك أخي القارئ شيئاً من هذا الهذيان:
(/6)
"إن الله تعالى لما بسط الأرض جعلها على قرني ثور يسمى البرهوت وجعل الثور على ظهر الحوت في هذا البحر يسمى البهموت، وهو الذي أشار إليه الحق تعالى بقوله {وما تحت الثرى} ومجمع البحرين هذا هو الذي اجتمع فيه موسى عليه السلام بالخضر على شطه، لأن الله تعالى كان قد وعده بأن يجتمع بعبد من عباده على مجمع البحرين، فلما ذهب موسى وفتاه حاملاً لغذائه ووصلا إلى مجمع البحرين لم يعرفه موسى عليه السلام إلا بالحوت الذي نسيه الفتى على الصخرة وكان البحر مداً، فلما جزر بلغ الماء إلى الصخرة فصارت حقيقة الحياة في الحوت، فاتخذ سبيله في البحر سرباً، فعجب موسى من حياة حوت ميت قد طبخ على النار، وهذا الفتى اسمه يوشع بن نون، وهو أكبر من موسى عليه السلام في السن سنة شمسية وقصتهما مشهورة، وقد فصلنا ذلك في رسالتنا الموسومة (بمسامرة الخليل ومسايرة الصحيب) فليتأمل فيه.
(/7)
سافر الإسكندرية ليشرب من هذا الماء اعتماداً على كل كلام أفلاطون أن من شرب من ماء الحياة فإنه لا يموت، لأن أفلاطون كان قد بلغ هذا المحل وشرب من هذا البحر فهو باق إلى يومنا هذا في جبل يسمى دواوند، وكان أرسطو تلميذ أفلاطون وهو أستاذ الاسكندر صحب الاسكندر في مسيره إلى مجمع البحرين، فلما وصل إلى أرض الظلمات ساروا وتبعهم نفر من العسكر وأقام الباقون في مدينة تسمى ثُبُتْ برفع الثاء المثلثة والباء الموحدة وإسكان التاء المثناة من فوق وهو حد ما تطلع الشمس عليه، وكان في جملة من صحب الاسكندر من عسكر الخضر عليه السلام، فساروا مدة لا يعلمون عددها ولا يدركون أمدها وهم على ساحل البحر، وكلما نزلوا منزلاً شربوا من الماء، فلما ملوا من طول السفر أخذوا في الرجوع إلى حيث أقام العسكر، وقد كانوا مروا بمجمع البحرين على طريقهم من غير أن يشعروا به، فما أقاموا عنده ولا نزلوا به لعدم العلامة، وكان الخضر عليه السلام قد ألهم بأن أخذ طيراً فذبحه وربطه على ساقه، فكان يمشي ورجله في الماء، فلما بلغ هذا المحل انتعش الطير واضطرب عليه، فأقام عنده وشرب من ذلك الماء واغتسل منه وسبح فيه، فكتمه عن الاسكندر وكتم أمره إلى أن خرج، فلما نظر أرسطو إلى الخضر عليه السلام علم أنه قد فاز من دونهم بذلك، فلزم خدمته إلى أن مات واستفاد من الخضر هو والاسكندر علوماً جمة" (ص117).
ويستطرد الجيلي شارحاً له عن طريق كشوفاته وهذيانه فيقول:
(/8)
".. واعلم أن الخضر عليه السلام قد مضى ذكره فيما تقدم، خلقه الله تعالى من حقيقته {ونفخت فيه من روحي} فهو روح الله، فلهذا عاش إلى يوم القيامة، اجتمعت به وسألته، ومنه أروي جميع ما في هذا البحر المحيط (جميع الصوفية يزعمون أن كل ما ينقلونه من علومهم يسمعونه من الخضر، وقد زاد الجيلي أن الخضر مخلوق من روح الله.. ولا يعلم هذا الجاهل أن آدم هو الذي أمر الله جبريل أن ينفخ فيه وجبريل هو روح الله وليس الخضر خلقاً خاصاً).
واعلم أن هذا البحر المحيط المذكور، وما كان منه منفصلاً عن جبل (ق) مما يلي الدنيا فهو مالح وهو البحر المذكور، وما كان منه متصلاً بالجبل فهو وراء المالح، فإنه البحر الأحمر الطيب الرائحة وما كان من وراء جبل (ق) متصلاً بالجبل الأسود فإنه البحر الأخضر، وهو من الطعم كالسم القاتل، ومن شرب منه قطرة هلك، وفني لوقته، وما كان منه وراء الجبل يحكم الانفصال والحيطة والشمول بجميع الموجودات فهو البحر الأسود الذي لا يعلم له طعم ولا ريح ولا يبلغه أحد، بل وقع به الأخبار، فعلم وانقطع عن الآثار فكتم.
(/9)
وأما البحر الأحمر الذي نشره كالمسك الأذفر فإنه يعرف بالبحر الأسمى ذي الموج الأنمى، رأيت على ساحل هذا البحر رجالاً مؤمنين، ليس لهم عبادة إلا تقريب الخلق إلى الحق، قد جبلوا على ذلك، فمن عاشرهم أو صاحبهم عرف الله بقدر معاشرتهم، وتقرب إلى الله بقدر مسايرتهم، وجوههم كالشمس الطالع والبرق اللامع، يستضيء بهم الحائر في تيهات القفار، ويهتدي بهم التائه في غيابات البحار، إذا أرادوا السفر في هذا البحر نصبوا شركاً لحيتانه، فإذا اصطادوا ركبوا عليها لأن مراكب هذا البحر حيتانه، ومكتسبه لؤلؤه ومرجانه، ولكنهم عند أن يستووا على ظهر هذا الحوت ينتعشون بطيب رائحة البحر فيغمى عليهم، فلا يفيقون إلى أنفسهم، ولا يرجعون إلى محسوسهم ما داموا راكبين في هذا البحر، فتسير بهم الحيتان إلى أن يأخذوا حدها من الساحل، فتقذف بهم في منزل من تلك المنازل، فإذا وصلوا إلى البر وخرجوا من ذلك البحر، رجعت إليهم عقولهم، وبان لهم محصولهم فيظفرون بعجائب وغرائب لا تحصر، أقل ما يعبر عنها، بأنها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر" (ص118) .
وفي ختام هذا الهذيان يقول الجيلي:
"وأما البحر السابع فهو الأسود القاطع، لا يعرف سكانه، ولا يعلم حيتانه، فهو مستحيل الوصول غير ممكن الحصول، لأنه وراء الأطوار وآخر الأكوار والأدوار، لا نهاية لعجائبه، ولا آخر لغرائبه، قصر عنه المدى فطال، وزاد على العجائب حتى كأنه المحال، فهو بحر الذات الذي حارت دونه الصفات، وهو المعدوم الموجود والموسوم والمفقود والمعلوم والمجهول والمنقول والمحتوم والمعقول، وجوده فقدانه، أوله محيط بآخره وباطنه مستو على ظاهره، لا يدرك ما فيه، ولا يعلمه أحد فيستوفيه، فلنقبض العنان عن الخوض فيه والبيان (والله يقول الحق وهو يهدي السبيل) وعليه التكلان" (ص118) أ.هـ.
(/10)
وهكذا يكون الهذيان مختوماً بقوله تعالى {والله يقول الحق وهو يهدي السبيل..} ..أعرفتم الحق الذي يدعونا إليه الجيلي ومن على شاكلته من هؤلاء الملاحدة والزنادقة؟ إنه هذا الهذيان الذي لا أول له ولا آخر.
ما الذي يريده هؤلاء الملاحدة؟!
وقد يسأل سائل: وما الذي يريده هؤلاء من تأليف هذه الكتب، ونشر هذا الجنون والهذيان؟! ولست أنا الذي سأجيب عن هذا السؤال، وإنما سأثبت الجواب من كلام الجيلي نفسه. إنه يقول بالنص:
"اعلم أن الله تعالى إنما خلق جميع الموجودات لعبادته، فهم مجبولون على ذلك مفطورون عليه من حيث الأصالة، فما في الوجود شيء إلا هو يعبد الله بحاله ومقاله وفعاله، بل بذاته وصفاته، فكل شيء في الوجود مطيع لله تعالى، لقوله تعالى للسماوات والأرض {ائتيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين} وليس المراد بالسماوات إلا أهلها، ولا بالأرض إلا سكانه. وقال تعالى {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} ثم شهد لهم النبي صلى الله عليه وسلم أنهم يعبدونه بقوله ((كل ميسر لما خلق له)) لأن الجن والإنس مخلوقون لعبادته وهم ميسرون لما خلقوا له، فهم عباد الله بالضرورة، ولكن تختلف العبادات لاختلاف مقتضيات الأسماء والصفات، لأن الله تعالى متجل باسمه المضل، كما هو متجل باسمه الهادي، فكما يجب ظهور أثر اسمه المنعم، كذلك يجب ظهور أثر اسمه المنتقم. واختلاف الناس في أحوالهم لاختلاف أرباب الأسماء والصفات، قال تعالى {كان الناس أمة واحدة} يعني عباد الله مجبولون على طاعته من حيث الفطرة الأصلية، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين ليعبده من اتبع الرسل من حيث اسمه المضل، فاختلف الناس وافترقت الملل وظهرت النحل، وذهبت كل طائفة إلى ما علمته أنه صواب.
(/11)
ولو كان ذلك العلم عند غيرها خطأ ولكن حسنه الله عندها ليعبدوه من الجهة التي تقتضيها تلك الصفة المؤثرة في ذلك الأمر، وهذا معنى قوله {ما من دابة في الأرض إلا هو آخذ بناصيتها} فهو الفاعل بهم على حسب ما يريد مريده، وهو عين ما اقتضته صفاته، فهو سبحانه وتعالى يجزيهم على حسب مقتضى أسمائه وصفاته، فلا ينفعه إقرار أحد بربوبيته ولا يضره جحود أحد بذلك، بل هو سبحانه وتعالى يتصرف فيهم على ما هو مستحق لذلك من تنوع عباداته التي تنبغي لكماله، فكل من في الوجود عابد لله تعالى، مطيع لقوله تعالى {وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم}، لأن من تسبيحهم ما يسمى مخالفة ومعصية وجحوداً وغير ذلك، فلا يفقهه كل أحد، ثم إن النفي إنما وقع على الجملة، فصح أن يفقهه البعض؛ فقوله {ولكن لا تفقهون تسبيحهم} يعني من حيث الجملة، فيجوز أن يفقهه بعضهم" (ص120).
وبعد أن يذكر الجيلي طوائف الناس ومللهم يقول : "فكل هذه الطوائف عابدون لله تعالى كما ينبغي أن يعبد لأنه خلقهم لنفسه لا لهم فهم له كما يستحق ثم إنه سبحانه وتعالى أظهر في هذه الملل حقائق أسمائه وصفاته فتجلى في جميعها بذاته فعبدته جميع الطوائف" (ص122).
ويشرح هذا المعنى تفصيلياً فيقول:
"فأما الكفار فإنهم عبدوه بالذات، لأنه لما كان الحق سبحانه وتعالى حقيقة الوجود بأسره والكفار من جملة الوجود وهو حقيقتهم فكفروا أن يكون لهم رب لأنه تعالى حقيقتهم ولا رب له بل هو الرب المطلق، فعبدوه من حيث ما تقتضيه ذواتهم التي هو عينها (وما دام أنهم في زعمه وكفره هم عين الله فهم ينفذون لثبته وأمره بل هم الله فلا حاجة بهم إلى أن يعلموا ذلك أو لا يعلموه. وبالتالي فكفرهم بإله غيرهم وخارج عن طبيعتهم هو عين الإيمان وعين الحق في نظر الجيلي الزنديق ومن على شاكلته من هؤلاء الملاحدة الذين لم تعرف الأرض أفجر ولا أكفر منهم).
(/12)
ثم من عبد منهم الوثن فلسر وجوده سبحانه بكماله بلا حلول ولا مزج في كل فرد من أفراد ذوات الوجود، فكان تعالى حقيقة تلك الأوثان التي يعبدونها فما عبدوا إلا الله" (ص122).
وأظن أنه ليس هناك عبارة أصرح وأوضح من هذه العبارات تبين المقصود والمآل الذي يرمي المتصوفة والوصول إليه.
ويستطرد الجيلي مبيناً عقائد الناس وأنهم جميعاً على حق. فيقول عن اليهود : "وأما اليهود فإنهم يتعبدون بتوحيد الله تعالى ثم بالصلاة في كل يوم مرتين.. ويتعبدون بالاعتكاف يوم السبت، وشرط الاعتكاف عندهم أن لا يدخل في بيته شيئاً مما يتمول به، ولا مما يؤكل، ولا يخرج منه شيئاً، ولا يحدث فيه نكاحاً ولا بيعاً ولا عقداً، وأن يتفرغ لعبادة الله تعالى لقوله تعالى في التوراة:
(أنت وعبدك وأمتك لله تعالى في يوم السبت)، فلأجل هذا حرم عليهم أن يحدثوا في يوم السبت شيئاً مما يتعلق بأمر دنياهم، ويكون مأكوله مما جمعه يوم الجمعة، وأول عندهم إذا غربت الشمس من يوم الجمعة، وآخره الاصفرار من يوم السبت.
وهذه حكمة جليلة؛ فإن الحق تعالى خلق السماوات والأرضين في ستة أيام، وابتدأها في يوم الأحد ثم استوى على العرش في اليوم السابع وهو يوم السبت، فهو يوم الفراغ، فلأجل هذا عبد الله اليهود بهذه العبادة في هذا اليوم إشارة إلى الاستواء الرحماني وحصوله في هذا اليوم فافهم" (ص127).
ثم يقول مادحاً النصارى كذلك فيقول:
"وأما النصارى فإنهم أقرب من جميع الأمم الماضية إلى الحق تعالى، فهم دون المحمديين، سببه أنهم طلبوا الله تعالى فعبدوه في عيسى ومريم وروح القدس، ثم قالوا بعدم التجزئة، ثم قالوا بمقدمه على وجوده في محدث عيسى وكل هذا تنزيه في تشبيه لائق بالجناب الإلهي".
(/13)
أي أن فعل النصارى هذا من تشبيه الله بخلقه ومن عبادة الثلاث ومن اتخاذ أرباب مع الله كل ذلك لائق في عقيدة عبد الكريم الجيلي ولكنه يراهم أيضاً مقصرون لأنهم حصروا الله في ثلاث نقط، والله عنده لا ينحصر في ثلاثة لأن كل موجود هو الله.
هذه هي الغاية التي يسعى هؤلاء الزنادقة سعياً حثيثاً إليها. إنها التسوية بين الحق والباطل، والهدى والضلال، والكفر والإيمان، وإبليس وجبريل، ومحمد صلى الله عليه وسلم وأبو جهل، والخمر والماء، والأخت والأجنبية، والزواج والزنا واللواط، والقتل ظلماً والرحمة، والتوحيد والشرك، فلا ضلال في الأرض إلا في نظر القاصرين فقط، وأما العارفون فكل هذه الموجودات شيء واحد بل ذات واحدة تعددت وجوداتها، وتعددت أشكالها وألوانها وهي حقيقة واحدة -وبهذا الدين الذي لم تعرف البشرية أظلم ولا أفجر ولا أكفر منه- اعتقد هؤلاء الزنادقة وألبسوا هذا الدين الفاجر آيات القرآن وأحاديث النبي الكريم، ووصفوا أنفسهم بأنهم خير الناس وأعلمهم وأتقاهم، وهذه هي حالهم في الظلم والكفر والفجور، وهدم دين الإسلام وإحلال شرائع الشيطان مكان شريعة الرحمن، وطمس صفات الله ونوره سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علواً كبيراً. وأستغفر الله من نقل هذا الكفر وتسطيره. فإنه كفر لم تقله اليهود ولا النصارى ولا المجوس ولا الصابئة.. ورحم الله الإمام عبد الله بن المبارك الذي كان يقول: إنا لنحكي كفر اليهود والنصارى ونستعظم أن نحكي كفر الجهمية.. فكيف لو رأى كفر هؤلاء الصوفية الملاحدة ماذا كان يقول في ذلك؟!
(/14)
حقاً إن هذا لشيء عظيم ولكننا مضطرون أن نذكر كفرهم لندحضه ولنبينه للناس ليحذرون بعد أن عم شرهم البلاد والعباد، وبعد أن اغتر بهم جمع غفير من المسلمين، فظنوا أن الحق مع هؤلاء فاتبعوهم حتى صرفوهم عن دين الرسول صلى الله عليه وسلم وأوصلوهم إلى هذه النهاية المزرية التي يستحيل على الإنسان إذا وصلها أن يميز بين خير وشر، وهدى وضلالة، لأن كل هذه الأضداد ستكون عنده شيئاً واحداً.
ومع ذلك فإن الجيلي يستطرد في هذا الباب شارحاً مراده تماماً فيقول:
"ولم يفتقر في ذلك إلى علمهم، ولا يحتاج إلى نياتهم، لأن الحقائق ولو طال إخفاؤها لا أن تظهر" أ.هـ. يعني أن الله لا يحتاج أن يعلم الكافر به ما دام أن وجود هذا الكافر هو وجود الله، وأن هذه الحقيقة لا بد وأن تظهر للعيان يوماً ما..
ويمضي الجيلي شارحاً معتقده فيقول..
"وأما الطباعية فإنهم عبدوه من حيث صفاته الأربع..، لأن أربعة الأوصاف الإلهية.. التي هي الحياة والعلم والقدرة والإرادة أصل بناء الوجود فالحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة مظاهرها في عالم الأكوان، فالرطوبة مظهر الحياة، والبرودة مظهر العلم، والحرارة مظهر الإرادة، واليبوسة مظهر القدرة. وحقيقة هذه المظاهر ذات الموصوف بها سبحانه وتعالى.. فعبدت هذه الطبائع لهذا السر فمنهم من علم ومنهم من جهل العالم سابق، والجاهل لاحق فهم عابدون للحق من حيث الصفات، ويؤول أمرهم إلى السعادة كما آل أمر من قبلهم إليها بظهور الحقائق التي بني أمرهم عليها" (ص123-124).
(/15)
وهكذا يقرر الجيلي أن الفلاسفة الطبائعيين الذين قالوا برجوع الطبيعة إلى العناصر الأربعة هم عابدون لله شاؤوا أم أبوا، علموا أم جهلوا، وأن أمرهم إلى السعادة الأبدية. ويستدل لهذا الكفر الشنيع أيضاً بالقرآن فيقول: "والدليل من القرآن أن الله قال في الأحزاب المختلفين {كل حزب بما لديهم فرحون} فيقول: "إن فرحهم هذا في الدنيا والآخرة، فكل حزب يفرح بما عنده في الدنيا، ويفرح به أيضاً في الآخرة عندما يطلع الجميع أنه لا ثمة إلا الله وأنهم جميعاً مظاهر للذات الإلهية، وليسوا شيئاً خارجاً عنها".
وهكذا يستخدم القرآن أيضاً في هذا الكفر والباطل الذي لم تعرف البشرية له مثيلاً في كل تاريخها فقد ارتكز في الفطرة أن هناك حقاً وباطلاً، هدى وضلالاً، نوراً وظلاماً، كذباً وصدقاً، وإيماناً..، ولكن عند هؤلاء الصوفية كل هذا شيء واحد وحق واحد اختلفت مظاهره ولم تختلف حقيقته فالجنة والنار كلاهما نعيم، وإبليس وجبريل كلاهما عابد، بل معبود، بل شيء تعددت صفاته بتعدد موجوداته..
ويستطرد الجيلي في شرح كفره وفجوره فيقول:
"وأما الثنوية فإنهم عبدوه من حيث نفسه تعالى، لأنه تعالى جمع الأضداد بنفسه، فشمل المراتب الحقية والمراتب الخلقية، وظهر في الوصفين بالحكمين، وظهر في الدارين بالنعتين، فما كان منسوباً إلى الحقيقة الحقية فهو الظاهر في الأنوار وما كان منسوباً إلى الحقيقة الخلقية فهو عبارة عن الظلمة، فعبدوا النور والظلمة لهذا السر الإلهي الجامع للوصفين والضدين والاعتبارين والحكمين كيف شئت من أي حكم شئت، فإنه سبحانه يجمعه وضده بنفسه.
فالثنوية عبدوه من حيث هذه اللطيفة الإلهية مما يقتضيه في نفسه سبحانه وتعالى، فهو المسمى بالحق، وهو المسمى بالخلق، فهو النور والظلمة" (ص125) أ.هـ.
بهذا الوضوح شرح الجيلي مذهب الفلاسفة الصوفية الزنادقة الملاحدة، وبهذا التفصيل والبيان يستطرد أيضاً قائلاً:
(/16)
"وأما المجوس فإنهم عبدوه من حيث الأحدية، فكما أن الأحدية مفنية لجميع المراتب والأسماء والأوصاف، كذلك النار فإنها أقوى الاستقصاءات وأرفعها، فإنها مفنية لجميع الطبائع بمحاذاتها، لا تقاربها طبيعة إلا تستحيل إلى النارية لغلبة قوتها، فكذلك الأحدية لا يقابلها اسم ولا وصف إلا يندرج فيها ويضمحل، فلهذه اللطيفة عبدوا النار وحقيقتها ذاتها وتعالى".
فيجعل المجوس قسماً غير الثنوية والمعلوم أنهم قسم واحد فالثنوية القائلون بالنور والظلمة وإله للخير وإله للشر هم أيضاً المجوس عبدة النار التي يجعلونها ستاراً وعلامة لإلهم إله الخير في زعمهم ولكن الجيلي الملحد يجعل هؤلاء أيضاً عبدة النيران من أهل الحق والتوحيد وأن عبادتهم للنار حق أقوى العناصر وأرفعها ويقول والنار حقيقتها ذات الله تعالى. فأي كفر يا قوم في الأرض أعظم من هذا وأكبر.. ويمدح الجيلي المجوس فيقول:
"فلما انتشقت مشام أرواح المجوس لعطر هذا المسك زكمت عن شمه سواه فعبدوا النار وما عبدوا إلا الواحد القهار" ا.هـ (ص126).
فأي تصريح عن عقائد القوم أبلغ من هذا..
ثم يقول: "وأما الدهرية (أي الاسم) فإنهم عبدوه من حيث الهوية (الدهرية: هم القائلون بأنه لا إله والحياة مادة فما هي أرحام تدفع وأرض يبلع واسمهم هذا مأخوذ من قوله تعالى {وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر وما لهم بذلك من علم إن إلا يظنون} (الجاثية:24)) فقال عليه الصلاة والسلام: ((لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر))"
(/17)
قلت: هذا إبليس والزنادقة لم يصل إلى هذا الحد في الكفر فالمقصود بقول رسول الله ((إن الله هو الدهر)) هو أنه سبحانه وتعالى مقدر المقادير؛ فسب الأيام سب لله لأنه هو مقدر المقادير سبحانه وتعالى والزمان لا دخل له في ذلك. فنهانا الرسول صلى الله عليه وسلم عن سب الزمان لأن هذا من ثم يتوجه إلى الله سبحانه وتعالى. وليس مقصود الرسول حتماً أن الله هو الزمان لأن الله جل وعلا هو خالق الزمان والمكان والخالق غير المخلوق. وأما الدهرية فإنهم لا يؤمنون بإله أصلاً والجيلي يجعل هؤلاء الملاحدة عباداً لله ...
(/18)
الحسين بن منصور الحلاج
هو الحسين بن منصور بن محمي الحلاج ، صحب جماعة من المشايخ الصوفية كالجنيد بن محمد وعمرو بن عثمان المكي وأبي الحسين النوري ، وكان بعض مشايخ الصوفية أمثال أبو العباس بن عطاء البغدادي ، ومحمد بن خفيف الشيرازي ، وإبراهيم بن محمد النصر أباذي ، يصححوا له حاله ، ودونوا كلامه ، حتى قال ابن خفيف: الحسين بن منصور عالم رباني.
قال أبو عبد الرحمن السلمي: سمعت إبراهيم ابن محمد النصر أباذي وعوتب في شيء حكى عن الحلاج في الروح فقال للذي عاتبه: إن كان بعد النبيين والصديقين موحد فهو الحلاج.
قال أبو عبد الرحمن: وسمعت منصور بن عبد الله يقول: سمعت الشبلي يقول: كنت أنا والحسين بن منصور شيئاً واحداً ، إلا أنه أظهر وكتمتُ. وقد روي عن الشبلي من وجه آخر أنه قال وقد رأى الحلاج مصلوباً: ألم أنهك عن العالمين.
ومما يدل على أنه كان ذا حلول في بدء أمره أشياء كثيرة ، منها شعره في ذلك ، فمن ذلك
قوله:
جبلت روحك في روحي كما يجبل العنبر بالمسك الفنق
فإذا مسك شيء مسني وإذا أنت أنا لا نفترق
وقوله:
مزجت روحك في روحي كما تمزج الخمرة بالماء الزلال
فإذا مسك شيء مسني فإذا أنت أنا في كل حال
وقوله أيضا:
قد تحققتك في سر ي فخاطبك لساني
فاجتمعنا لمعان وافترقنا لمعان
إن يكن غيبتك التعظي م عن لحظ العيان
فلقد صيرك الوج د من الأحشاء دان
وقال أبو عبد الرحمن السلمي عن عمرو بن عثمان المكي أنه قال: كنت أماشي الحلاج في بعض أزقة مكة وكنت أقرأ القرآن فسمع قراءتي فقال: يمكنني أن أقول مثل هذا. ففارقته.
(/1)
قال الخطيب وحدثني مسعود بن ناصر أنبأنا ابن باكوا الشيرازي سمعت أبا زرعة الطبري يقول الناس فيه يعني حسين بن منصور الحلاج بين قبول ورد ولكن سمعن محمد بن يحيى الرازي يقول سمعت عمرو بن عثمان يلعنه ويقول لو قدرت عليه لقتلته بيدي فقلت له إيش الذي وجد الشيخ عليه قال قرأت آية من كتاب الله فقال يمكنني أن أؤلف مثله وأتكلم به قال أبو زرعة الطبري وسمعت أبا يعقوب الأقطع يقول زوجت ابنتي من الحسين الحلاج لما رأيت من حسن طريقته واجتهاده فبان لي منه بعد مدة يسيرة أنه ساحر محتال خبيث كافر.
وذكر أبو القاسم القشيري في رسالته في باب حفظ قلوب المشايخ أن عمرو بن عثمان دخل على الحلاج وهو بمكة وهو يكتب شيئاً في أوراق. فقال له: ما هذا.؟ فقال: هو ذا أعارض القرآن. قال فدعا عليه فلم يفلح بعدها ، وأنكر على أبي يعقوب الأقطع تزويجه إياه ابنته.
وكتب عمرو بن عثمان إلى الآفاق كتبا كثيرة يلعنه فيها ويحذر الناس منه فشرد الحلاج في البلاد فعاث يمينا وشمالا وجعل يظهر أنه يدعو إلى الله ويستعين بأنواع من الحيل ولم يزل ذلك دأبه وشأنه حتى أحل الله به بأسه الذي لا يرد عن القوم المجرمين فقتله بسيف الشرع الذي لا يقع إلا بين كتفي زنديق والله أعدل من أن يسلطه على صديق كيف ، وقد تهجم على القرآن العظيم وقد أراد معارضته في البلد الحرام حيث نزل به جبريل وقد قال تعالى ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم ولا إلحاد أعظم من هذا وقد أشبه الحلاج كفار قريش في معاندتهم كما قال تعالى عنهم وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا إن هذا إلا أساطير الأولين.
(البداية والنهاية:11ـ132)
ولهذا فقد كان القدماء من الصوفية يذكرون أقواله في كتبهم دون ذكر اسمه، بأن يقولوا مثلاً: قال أحد الكبراء , (وهذا صنيع أبي بكر محمد الكلاباذي الذي ألف الموسوعة الصوفية الثانية بعد اللمع، وهو كتابه (التعرف على مذهب أهل التصوف)
(/2)
وكذلك صنيع السراج الطوسي صاحب الموسوعة الصوفية الأولى (اللمع) وقد استشهد بكلام الحلاج في أكثر من خمسين موضعاً من كتابه مصدراً القول بقوله: قال بعضهم، أو قال القائل)
وفي القرن الخامس وما يليه ابتدأ بعض المتصوفة يصرحون باسمه، ويذكرون مقالاته، ويشهدون بفضله وسعته، فقد أشاد به أبو حامد الغزالي، وابن عربي، وعبد الغني النابلسي ، وكل المتصوفة منذ القرن الخامس. وأما في العصر الحديث فقد كتب فيه طه عبد الباقي سرور كتاباً بعنوان: (الحلاج شهيد التصوف الإسلامي).
كل ذلك رغم أنه قد أُقيمت عليه البينة الشرعية ، وقتل مرتداً سنة (309هـ)
قال الإمام الذهبي: ((كانت له بداية جيدة وتأله وتصوف ، ثم انسلخ من الدين)).
(سير أعلام النبلاء: 14/327).
وقال أبو حيان الأندلسي صاحب التفسير, في سورة المائدة عند قوله تعالى: ?لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح بن مريم? (صفحة: 142-143): ((ومن بعض اعتقاد النصارى استنبط من أقر بالإسلام ظاهراً, وانتمى إلى الصوفية ، حلول الله في الصور الجميلة , وذهب من ذهب من ملاحدتهم إلى القول بالاتحاد والوحدة ، كالحلاج , والشعوذي , وابن أحلى , وابن عربي المقيم بدمشق , وابن الفارض , وأتباع هؤلاء كابن سبعين)). وعد جماعة ثم قال: ((وإنما سردت هؤلاء نصحاً لدين الله وشفقة على ضعفاء المسلمين)).
هاقد علمت -أخي الكريم-ظلال هذا الرجل ومروقه فلم نرى إلى يومنا هذا من يدافع عنه ويقيم المؤتمرات لتمجيد ذكراه ؟
(/3)
الحكيم الترمذي
أبو عبد الله محمد بن علي بن الحسين الترمذي المتوفى سنة (320 هـ)
قال أبو عبد الرحمن السلمي: ((أخرجوا الحكيم من ترمذ وشهدوا عليه بالكفر وذلك بسبب تصنيفه كتاب ختم الولاية ، وكتاب علل الشريعة ، وقالوا: إنه يقول: إن للأولياء خاتماً كالأنبياء لهم خاتم ، وإنه يفضل الولاية على النبوة ، واحتج بحديث: يغبطهم النبيون والشهداء. فقدم بلخ فقبلوه لموافقته لهم في المذهب)). (سير أعلام النبلاء 13ـ441).
والحكيم الترمذي يعد أول من أورد قصص الصوفية في الخضر فقال في كتابه ختم الولاية في جوابه عن علامات الأولياء: ((وللخضر عليه السلام، قصة عجيبة في شأنهم ـ أي الأولياء ـ وقد عاين شأنهم في البدء ومن وقت المقادير فأحب أن يدركهم، فأعطى الحياة حتى بلغ من شأنه أنه يحشر مع هذه الأمة وفي زمرتهم ، حتى يكون تبعاً لمحمد صلى الله عليه وسلم، وهو رجل من قرن إبراهيم الخليل، وذي القرنين، وكان على مقدمة جنده، حيث طلب ذو القرنين عين الحياة ففاتته وأصابها الخضر ...)) (ختم الولاية صفحة 362)
وقال أبو عبد الله محمد بن مفلح المقدسي: ((رأيت أكثر العباد على غير الجادة فمنهم من صح قصده ، ولا ينظرون في سيرة الرسول وأصحابه ولا في أخلاق الأئمة المقتدى بهم ، بل قد وضع جماعة من الناس لهم كتباً فيه رقائق قبيحة ، وأحاديث غير صحيحة ، وواقعات تخالف الشريعة ، مثل كتب الحارث المحاسبي وأبي عبد الله الحكيم الترمذي وأبي طالب المكي)).
(الفروع: 6ـ381).
(/1)
الشيخ إبراهيم بن سعيد الشاغوري
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله:
((يذكر له أحوال ومكاشفات على ألسنة العوام ومن لا يعقل ولم يكن ممن يحافظ على الصلوات ولا يصوم مع الناس ومع هذا كان كثير من العوام وغيرهم يعتقدونه توفي يوم الأحد سابع جمادى الأولى ، ودفن بتربة المولهين بسفح قاسيون عند الشيخ يوسف القيميني ، وقد توفي الشيخ يوسف قبله بمدة وكان الشيخ يوسف يسكن إقمين حمام نور الدين الشهيد بالبزوريين وكان يجلس على النجاسات والقذر وكان يلبس ثيابا بداوية تجحف على النجاسات في الأزقة وكان له قبول من الناس ومحبة وطاعة وكان العوام يغالون في محبته واعتقاده وكان لا يصلى ولا يتقى نجاسة ومن جاءه زائرا جلس عند باب الاقمين على النجاسة وكان العوام يذكرون له مكاشفات وكرامات وكل ذلك خرافات من خرافات العوام وأهل الهذيان كما يعتقدون ذلك في غيره من المجانين والمولهين ولما مات الشيخ يوسف القميني خرج خلق في جنازته من العوام وغيرهم وكانت جنازته حافلة بهم وحمل على أعناق الرجال إلى سفح قاسيون وبين يديه غوغاء وغوش كثير وتهليل وأمور لا تجوز من فعل العوام حتى جاؤا به إلى تربة المولهين بقاسيون فدفنوه بها وقد اعتنى بعض العوام بقبره فعمل عليه حجارة منقوشة وعمل على قبره سقفا مقرنصا بالدهان وأنواعه وعمل عليه مقصورة وأبوابا وغالى فيه مغالاة زائدة ومكث هو وجماعة مجاورون عنده مدة في قراءة وتهليل ويطبخ لهم الطبيخ فيأكلون ويشربون هناك)). اهـ
(البداية والنهاية 13ـ298).
(/1)
الشيخ علي الكردي
يعتبر هذا الرجل مثالاً لما يختلف فيه بين أهل العلم وبين العامة البسطاء السذج الذين يدلس عليهم من قبل المشعوذين والمجاذيب.
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله:
((الشيخ علي الكردي ، الموله ، المقيم بظاهر باب الجابية ، قال أبو شامة: وقد اختلفوا فيه فبعض الدماشقة يزعم أنه كان صاحب كرامات ، وأنكر ذلك آخرون ، وقالوا: ما رآه أحد يصلي ولا يصوم ، ولا لبس مداساً بل كان يدوس النجاسات ويدخل المسجد على حاله)). اهـ
(البداية والنهاية 13ـ108).
والمشكلة أن بعض أن دمشق إلى اليوم وهو يعتقد بهذا الرجل ، ويأتيه ويسأله ، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
(/1)
الشيخ يوسف الاقميني
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى:
((كان يعرف بالأقميني لأنه كان يسكن قمين حمام نور الدين الشهيد ، وكان يلبس ثياباً طوالاً تحف على الأرض ، ويبول في ثيابه ، ورأسه مكشوفة ، ويزعمون أن له أحوالاً وكشوفاً كثيرة ، وكان كثير من العوام وغيرهم يعتقدون صلاحه وولايته ، وذك لأنهم لا يعملون شرائط الولاية ولا الصلاح ، ولا يعملون أن الكشوف قد تصدر من البر والفاجر والمؤمن والكافر ، كالرهبان وغيرهم ، وكالدجال وابن صياد وغيرهم ، فإن الجن تسترق السمع وتلقيه على أذن الإنسي.
ولما مات هذا الرجل دفن بتربة بسفح قاسيون ، وهي مشهورة به ، شرقي الرواحية ، وهي مزخرفة قد اعتنى بها بعض العوام ممن كان يعتقده فزخرفها ، وعمل على قبره حجارة منقوشة بالكتابة ، وهذا كله من البدع ، وكانت وفاته في سادس شعبان من هذه السنة: (657هـ)
وكان الشيخ إبراهيم بن سعيد جيعانة ، لا يتجاسر ، فيما يزعم ، أن يدخل البلد والقميني حي فيوم مات الاقميني دخلها ، وكانت العوام معه ، فدخلوا دمشق وهم يصيحون ويصرخون: أذن لنا في دخول البلد ، وهم أتباع كل ناعق لم يستضيئوا بنور العلم. فقيل لجيعانة: ما منعك من دخولها قبل اليوم.؟ فقال: كنت كلما جئت إلى باب من أبواب البلد أجد هذا السبع رابضاً فيه فلا أستطيع الدخول. وقد كان سكن الشاغور وهذا كذب واحتيال ومكر وشعبذة.
(البداية والنهاية: 13ـ217).
(/1)
العفيف التلسماني
هو أحد كبار رجال الصوفية ، تروي الصوفية عنه الخوارق والكرامات ، ويرون من شعره وقوله ما يخجل الإنسان منه ، وهم اليوم يتبركون بقبره بعد موته.
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: ((أبو الربيع سليمان بن علي بن عبد الله العابدي الكرمي ثم التلمساني (610 ـ 690هـ) الشاعر المتقن المتفنن في علوم ، منها: النحو ، والأدب ، والفقه، والأصول ، وله في ذلك مصنفات ، وله شرح مواقف النُفَّري ، وشرح أسماء الله الحسنى ، وله ديوان مشهور ، وقد نسب هذا الرجل إلى عظائم في الأقوال والاعتقاد في الحلول والاتحاد والزندقة والكفر المحض)). (البداية والنهاية: 13ـ326).
وقال محمد بن طاهر القيسراني في ترجمة الإمام المزي: ((وقد لزم في وقت البغوي والعفيف التلمساني ، فلما تبين له انحلاله واتحاده تبرأ منه وحط عليه)).(تذكرة الحفاظ: 4ـ1499)
ومن أقوال التلمساني الشنيعة ما حكاه شيخ الإسلام ابن تيمية ((أن الشيرازي قال لشيخه التلمساني ، وقد مر بكلب أجرب ميت: هذا أيضاً من ذات الله؟! فقال: وهل ثم خارج عنه!؟ ومر التلمساني ومعه شخص بكلب فركضه الآخر برجله ، فقال: لا تركضه فإنه منه. قال ابن تيمية: وهذا من أعظم الكفر)). (مجموع الفتاوى: 2ـ309)
(/1)
حمزة فنصوري
*فرحان ضيفور جهري
تكاد تتفق كلمة الباحثين على شهرته، وعلى أنه أول مؤلف في الطائفة الصوفية في إندونيسيا، كما أنه أكبر شاعر فيما بينهم([1]). لكن المؤسف، أنه مع شهرته لم يعرف بالضبط متى وأين ولد.؟
ومثل هذا الاضطراب سيواجهه كل باحث عن الإسلام في إندونيسيا، وإن دل هذا على شيء فإنه يدل على عدم وجود الاهتمام في كتابة تاريخ الإسلام في إندونيسيا لدى المؤرخين القدامى.
اسمه حمزة فنصوري، هكذا وجدته في الكتب التي تحدثت عنه، ولا يعرف نسبه، ولكن لفظ فنصوري يدل على المكان الذي نسب إليه، وهو فنصور كما أوضح حمزة نفسه في بعض أبياته فقال:
حمزة من أصل فنصوري
نال الوجود في شهرنا ويمما
أخذ خلافة العلم العالي
من عبد القادر الجيلاني([2])
فهذه الأبيات الأربع تمدنا بفوائد وهي:
1- أنه من فنصور([3]).
2- أنه حصل على مرتبة من مراتب التصوف، وهي مرتبة وحدة الوجود([4]) في شهرناوي([5]).
3- أنه انتسب إلى الطريقة القادرية([6]).
وإذا كان هذا العلم الصوفي لم يعرف تاريخ ولادته إلا أن المؤكد أنه كان يعيش في عهد السلطان علاء الدين رعاية شاه الرابع السيد المكمل الذي تولى السلطة في أتشيه([7]) عام (997) إلى (1101هـ) إلى بداية عهد السلطان إسكندر مودا الذي تولى السلطة عام (1016هـ) إلى عام (1045هـ)([8]).
فلذلك يظن أنه توفي في العقد الأول من القرن السابع عشر الميلادي([9]).
* رحلاته:
"كما أنه كان يدرس في بلده "أتشيه" وجاوا، فإنه سافر لطلب العلم إلى بلاد أخرى خارج بلده، منها الهند وفارس "([10]).
وقد حكى أيضاً أنه قام بالرحلات إلى الشرق الأوسط لزيارة المراكز الإسلامية من ضمنها مكة المكرمة والمدينة النبوية والقدس، وكذلك بغداد المكان الذي انتسب فيه إلى الطريقة القادرية([11]).
(/1)
وعلى ذلك قيل: إنه أول إندونيسي يعرف بالتأكيد أنه انتسب إلى الطريقة القادرية، كما أن الطريقة القادرية هي أول الطرق التي ورد ذكرها في المصادر الإسلامية([12]).
"وكاد يتفق جميع علماء التاريخ على أن حمزة فنصوري - وتلميذه شمس الدين سومطراني - من الصوفية الذين اتجهوا منحى الحلاج، فإن أفكاره عن الحلول والاتحاد والمحبة ونحو ذلك هي نفس أفكار الحلاج"([13]).
وقال البروفسور أحمد هافي عنه: "في التصوف الفلسفي هو تابع لفكرة وحدة الوجود، كما أنه انتسب إلى الطريقة القادرية، وهو متأثر تأثراً بالغاً بفلسفة ابن عربي والحلاج والبسطامي"([14]).
ونستشهد ببعض ما قاله في بعض مؤلفاته([15]) فيما يلي:
قال في كتابه شراب العاشقين شارحاً معنى "الحقيقة" بعد أن تكلم عن "الشريعة" و"الطريقة"، كديدن المتصوفة، قال: "لما رأى المحقق شيئاً خارج نفسه إنما رآه نفسه، إذ عنده أن العالم ونفسه متحدان... إلى أن قال: فلذلك قال أهل الحقيقة: إن جميع المخلوقات هي أنفسنا، وجميع الناس إخوتنا: المسلم والكافر، والحبيب والعدو، والجنة والنار، والسخط والمعرفة، والحسن والقبيح، والغنى والفقر، والمدح والذم، والشبع والجوع، والصغير والكبير، والحياة والموت، والمرض والصحة، والصواب والخطأ، كلها متساوية"([16])، واسترسل قائلاً: "وعندنا أن ذات الله ووجوده واحد، وأن وجود الله ووجود العالم واحد، والعالم وإن كان ظاهره موجوداً لكن وجوده وجود وهمي، وليس بوجود حقيقي"([17]).
فهذه نفس أقوال الحلاج، فيها من الاعتقاد بوحدة الوجود ما لا يخفى، فقد قال الحلاج على سبيل المثال:
وأي الأرض تخلو منك حتى تعالوا يطلبونك في السماء
تراهم ينظرون إليك جهراً وهم لا يبصرون من العماء([18])
وقال أيضاً:
يا عين عين وجودي يا مدى هممي يا منطقي وعباراتي وإيمائي
يا كل كلي ويا سمعي ويا بصري يا جملتي وتباعيضي وأجزائي([19])
(/2)
فمن مثل ذلك الكلام المذكور الذي قاله حمزة فنصوري يعتقد أن حمزة فنصوري من الأوائل الذين جاءوا بعقيدة وحدة الوجود إلى أتشيه وجنوب شرق آسيا([20]).
وبهذا نصل إلى شيء، وهو معرفة وجود الصلة القوية بين اتجاه تصوف حمزة فنصوري واتجاه كبار الصوفية كالحلاج وابن عربي وغيرهما، كما أن انتسابه إلى الطريقة القادرية، وفي وقت مبكر أيضاً، دليل على وجود الصلة بين إندونيسيا وبغداد، مكان نشأة هذه الطريقة، بل وأن حمزة فنصوري رحل مباشرة إلى بغداد كما سبق.
انظر
الصوفية في إندونيسيا
نشأتها وتطورها وآثارها
(عرض وتقويم)
--------------------------------------
([1]) ينظر الكتاب الأصفر (ص:190).
([2]) نقلاً عن: 
hamzah fansuri, risalah tasawuf dan puisi puisinya حمزة فنصوري، رسالته الصوفية وأشعاره، لعبد الهادي. و. م، (ص:142) (باللغة الاندونيسية).
([3]) فنصور: اسم آخر لباروس، وهي الآن مدينة صغيرة في الساحل الغربي من سومطرا بين مدينة سيبولغا وسنكل، كانت فنصور إلى القرن السادس عشر الميلادي ميناء التجارة الحيوي، نزل بها تجار العالم. نقلاً عن حمزة فنصوري، رسالته الصوفية وأشعاره، (ص:9).
([4]) هكذا قد فهم غير واحد أن لفظ (الوجود) هنا يعني وحدة الوجود، لعل ذلك بالنظر إلى تصريحاته الظاهرة في مكان آخر، كما سيأتي ذكر بعضها بعد قليل.
([5]) شهرناوي: اسم فارسي لمدينة أيوطيا الواقعة الآن في تايلند، وشهرناوي معناه مدينة جديدة، وكانت هذه المدينة قديماً المركز الحيوي للتجارة العالمية، وأقام فيها كثير من المسلمين من الهند وإيران. ينظر: الكتاب الأصفر، (ص:190، و 207).
([6]) طريقة تنسب إلى الشيخ عبد القادر الجيلاني، كما سيأتي الحديث عنها فيما بعد.
([7]) منطقة تقع في الجزء الشمالي من جزيرة سومطرا.
(/3)
([8]) ينظر: syiah dan ahlu sunah saling revut penvaruh dan deduasaan sejak awal sejarah islam di depulauan nusantara النفوذ والسلطة منذ أوائل تاريخ الإسلام في نوسانتارا)، للبروفيسور أحمد هاشمي، (ص:71)، (باللغة الإندونيسية).
([9]) ينظر: 
ensiklopedi islam indonesia الموسوعة الإسلامية الإندونيسية)، مجموعة من كتاب، الجامعة الإسلامية الحكومية شريف هداية الله، الرئيس: هارون ناسوتيون، (ص:296) (باللغة الإندونيسية).
([10]) ينظر: الشيعة وأهل السنة تخاطفوا النفوذ والسلطة، لأحمد هاشمي، (ص:73).
([11]) ينظر: شبكة علماء الشرق الأوسط وجزر نوسانتارا، لأزيوماردي أزرا، (ص:167).
([12]) ينظر: الكتاب الأصفر، لمارتير فان بروينسن، (ص:208).
([13]) تطور علم التصوف وأعلامه في (نوسانتارا)، (ص:35).
([14]) البروفسور أحمد هاشمي: الشيعة وأهل السنة تخاطفوا النفوذ والسلطة، (ص:73-74).
([15]) من مؤلفاته التي عثر عليها: ضراب العاشقين وأشعار التوحيد والمعرفة. ينظر: حمزة فنصوري: رسالته الصوفية وأشعاره، (ص:17).
([16]) نقلاً عن الكتاب: الشيعة وأهل السنة تخاطفوا النفوذ والسلطة، (ص:76-77).
([17]) نفس المرحع، (ص:80- 81).
([18]) نقلاً عن الكتاب: الكشف عن حقيقة الصوفية لأول مرة في التاريخ، لمحمود عبد الرؤوف القاسم، (ص:110).
([19]) نقلاً عن (الكشف عن حقيقة الصوفية لأول مرة في التاريخ)، (ص:110).
([20]) ينظر: الموسوعة الإسلامية الإندونيسية، (ص:297).
(/4)
ذو النون المصري
أبو الفيض ثوبان بن إبراهيم ، قبطي الأصل من أهل النوبة ، من قرية أخميم بصعيد مصر ، أخذ التصوف عن شقران العابد أو إسرائيل المغربي على حسب رواية ابن خلكان وعبد الرحمن الجامي . ويؤكد الشيعة في كتبهم ويوافقهم ابن النديم في الفهرست أنه أخذ علم الكيمياء عن جابر بن حيان ، ويذكر ابن خلكان أنه كان من الملامتية الذين يخفون تقواهم عن الناس ويظهرون استهزاءهم بالشريعة ، وذلك مع اشتهاره بالحكمة والفصاحة.
توفي في جيزة مصر توفي سنة (245 هـ) عن تسعين عاماً.
يعده كتَّاب الصوفية المؤسس الحقيقي لطريقتهم في المحبة والمعرفة ، وأول من تكلم عن المقامات والأحوال في مصر ، وقال بالكشف وأن للشريعة ظاهراً وباطناً .
ويذكر القشيري في رسالته أنه أول من عرف التوحيد بالمعنى الصوفي ، وأول من وضع تعريفات للوجد والسماع ، وأنه أول من استعمل الرمز في التعبير عن حاله.
وقد تأثر بعقائد الإسماعيلية والباطنية وإخوان الصفا بسبب صِلاته القوية بهم ، حيث تزامن مع فترة نشاطهم في الدعوة إلى مذاهبهم الباطلة ، فظهرت له أقوال في علم الباطن ، والعلم اللدني ، والاتحاد ، وإرجاع أصل الخلق إلى النور المحمدي ، وكان لعلمه باللغة القبطية أثره على حل النقوش والرموز المرسومة على الآثار القبطية في قريته مما مكنه من تعلم فنون التنجيم والسحر والطلاسم الذي اشتغل بهم .
ومن كلامه: ((طاعة المريد لشيخه فوق طاعته ربه))
(تذكرة الأولياء: 1/171).
ويعد ذو النون أول من وقف من المتصوفة على الثقافة اليونانية ، ومذهب الأفلاطونية الجديدة ، وبخاصة ثيولوجيا أرسطو في الإلهيات ، ولذلك كان له مذهبه الخاص في المعرفة والفناء متأثراً بالغنوصية.
(/1)
هو أول من عبر عن علوم المنازلات فأنكر عليه أهل مصر وقالوا: أحدثت علماً لم تتكلم فيه الصحابة وسعوا به إلى الخليفة المتوكل ورموه عنده بالزندقة وأحضروه من مصر على البريد فلما دخل سر من رأى وعظه فبكى المتوكل ورده مكرماً.
قال أبو عبد الرحمن السلمي: كان أهل مصر يسمونه بالزنديق فلما مات أظلت الطير الخضر جنازته ترفرف عليه إلى أن وصل إلى قبره.
(شذرات الذهب ج2/ص 108).
وقال أيضاً: ((إن ذا النون أول من تكلم بمصر في ترتيب الأحوال ومقامات أهل الولاية فأنكر عليه عبد الله بن عبد الحكم ـ وكان رئيس مصر ـ وأنه أحدث علماً لم يتكلم فيه السلف ورماه بالزندقة فدعاه أمير مصر وسأله عن اعتقاده فتكلم فرفض أمره وكتب به إلى المتوكل)). (تاريخ الخلفاء: 1ـ350)
راجع 11ـ532 سير أعلام النبلاء
(/2)
شمس الدين سومطراني
الكاتب : فرحان بن ضيفور الجهري
هو شمس الدين بن عبد الله سومطراني، ولد في عائلة علم، في العقد الأخير من القرن السادس عشر الميلادي. وهو وشيخه حمزة فنصوري رائدا التصوف اللذان اتبعا مذهب وحدة الوجود(1)
ونسبته سومطراني تدل على أنه من سومطرا، جزيرة من الجزر الكبيرة في إندونيسيا.
أما رحلاته العلمية فلم تعرف، اللهم إلا أنه بجانب أن أخذ عن شيخه حمزة فنصوري فإنه سافر إلى جزيرة جاوا، وأخذ عن سونان بونانج(2) لكن الروايات الموجودة تؤكد أنه عالم من العلماء الكبار، "ولذلك فقد عين مفتياً للسلطنة في عهد علاء الدين رعاية شاه الرابع الذي تولى السلطة في أتشيه عام (997هـ) إلى عام (1011هـ) رغم أن عقيدته الوجودية غير متبعة لدى السلطنة.(3)
واستمر على منصبه كمفتي السلطنة إلى أن توفي في عهد السلطان إسكندر مودا الذي حكم عام (1016) إلى عام (1045هـ)(4)، فإنه توفي عام (1039هـ).(5)
أما عقيدته في التصوف فكما سبق أنه مثل شيخه يعتبر من المتصوفة الذين نحوا نحو عقيدة وحدة الوجود، إلا أنه يختلف عن شيخه في كونه ليس شاعراً رغم أنه كاتب منتج، كما أنه فاق شيخه في مجال السياسة؛ فإنه سياسي بارع في زمانه.(6)
كما يختلف أيضاً عن شيخه الذي عرف نفسه في بعض أبياته - كما سبق- أنه قادري الطريقة، "فإن شمس الدين سومطراني لم يعرف أنه انتسب إلى طريقة معينة من الطرق الصوفية.(7)
(/1)
ولعلي أذكر بعضاً من تعاليمه فيما يلي، ليرى مدى تأثره بابن عربي، قال في كتابه (تنبيه الطلاب)(8)... وذلك الذكر ينقسم إلى قسمين: حقيقي وغير حقيقي. أما الذكر الحقيقي فهو شهود الحق سبحانه وتعالى بعين القلب في هذه الدار، وأما غير الحقيقي فينقسم إلى قسمين: ذكر جلي وذكر خفي، أما الذكر الجلي فهو الذي يتلفظ بـ"لا إله إلا الله في اللسان، وأما الذكر الخفي فهو الذي يحفظ معناه في القلب الذي هو محل مشاهدته تعالى؛ لأن القلب يطلق على معنيين أحدهما اللحم الصنوبري الشكل المودع في الجنب الأيسر من الصدر، وثانيهما أنه لطيف رباني روحاني متعلق بذلك القلب، فهو المسمى بحقيقة الانسان، وهو الروح الإنساني، وهو محل لمشاهدته تعالى، فالقلب لما كمل استعداده وقوي نوره بدوام الذكر المستعلي للمراقبة المستعدة للمشاهدة؛ صار مرآة للتجلي الإلهي، وهو الجمع بين البحرين وملتقى للعالمين، وإذا عرفت هذا ظهر لك سر قول الشيخ محي الدين بن عربي(9)
وما هي أقوال ابن عربي؟ إنها عن التجلي ووحدة الوجود، وهي محفوظة في مؤلفاته، ومثال ذلك قوله:
تبارك الله الذي لم يزل ** يظهر فيما قد بدا من صور
فإنه منشئها دائماً ** في كل ما يظهر أو قد ظهر(10)
وقوله: "إن لله تجليين: تجلي غيبي وتجلي شهادة، فمن تجلى الغيب يعطي الاستعداد الذي يكون عليه القلب، وهو التجلي الذاتي الذي الغيب حقيقته وهو الهوية التي يستحقها بقوله عن نفسه هو، فلا يزال "هو" له دائماً أبدا(11)، إلى أن قال: "ثم رفع الحجاب بينه وبين عبده، فرآه في صورة معتقده فهو عن اعتقاده، فلا يشهد القلب ولا العين أبداً إلا صورة معتقده في الحق، فالحق الذي في المعتقد هو الذي وسع القلب صورته، وهو الذي يتجلى له فيعرفه..(12)
والشاهد أن شمس الدين سومطراني قد تأثر بابن عربي تأثراً كبيراً في عقيدته الصوفية، وهي كما رأينا العقيدة الفلسفية الموغلة في الانحراف.
(/2)
وقبل أن أنتقل إلى علم آخر أورد فيما يلي مثالاً آخر من أقواله التي تؤكد انغماسه في تلك العقيدة المنحرفة:
قال: "... لأن الحق سبحانه وتعالى يقوم الأشياء، وكل شيء؛ فإنه في ذاته موجود بالحق، والحق تعالى موجود بذاته وبه قوامها، فهو مقوّمها بل هو عينها لظهره(13)في ملابس أسمائه وصفاته في العلم والعين؛ لأنه باعتبار إطلاقه سار في ذوات الموجودات، كذلك الصفات الكاملة له عين صفات جميع الموجودات؛ لأنها باعتبار إطلاقها أيضاً سارية في جميع صفات الموجودات(14)
هذا ما تيسر لي عرضه عن هذين العلمين اللذين اشتهر ذكرهما عند الشعب الإندونيسي، وعند المهتمين بالتصوف على وجه الخصوص، واللذين رآهما معظم العلماء - إن لم أقل كلهم- أنهما من الأوائل الذين جاءوا بعقيدة وحدة الوجود إلى إندونيسيا.
لكن المؤسف أن ترجمة حياتهما لم يعثر عليها بقدر كاف، وبالتالي لم يعرف ممن أخذا - وخصوصا حمزة فنصوري- تلك العقيدة، لكن من المحتمل أنه أخذها أثناء رحلاته إلى خارج البلد كما سبق.
على أي حال، لقد انتشرت عقيدة وحدة الوجود حينذاك بين الناس نتيجة جهود هذين العلمين، واستمر ذلك إلى أن جاء العالم الهندي إلى إندونيسيا، وهو الشيخ نور الدين الرنيري، فقد استطاع هذا الشيخ بعد أن عين مفتياً في عهد السلطان اسكندرالثاني في مملكة أتشيه، استطاع بالتعاون مع الحاكم القضاء على تلك العقيدة بعض الشيء، وذلك بإصدار الأمر بإحراق المؤلفات التي ألفها حمزة فنصوري، وشمس الدين سومطراني(15)
ومن هذا العرض تبين لنا أن عقيدة ابن عربي وأمثاله، وهي العقيدة الوجودية، قد وصلت إلى إندونيسيا في وقت مبكر، وهي نفس العقيدة المنتشرة في بقية دول العالم الإسلامي.
--------------------------------------------------------------------------------
(1) ينظر: الموسوعة الإسلامية الاندونيسية، (ص:890).
(2) ينظر: تطور علم التصوف وأعلامه في نوسانتارا، (ص:40).
(/3)
(3) ينظر: الشيعة وأهل السنة تخاطفوا النفوذ والسلطة، (ص:53).
(4) نفس المرجع، (ص:53).
(5) ينظر: الموسوعة الإسلامية الإندونيسية، (ص:890).
(6) ينظر: الشيعة وأهل السنة تخاطفوا النفوذ والسلطة، (ص:86).
(7) الكتاب الأصفر، مارتين فان بروينسن، (ص:191).
(8) لقد حاولت الاطلاع على هذا الكتاب مباشرة، فبحثت عنه في قاعة المخطوطات بالمكتبة الوطنية جاكرتا، فلم أجده.
(9) نقلاً عن (تطور علم التصوف وأعلامه في نوسانتارا)، (ص:48).
(10) الفتوحات المكية، لابن عربي (3/375).
(11) فصوص الحكم لابن عربي والتعليقات عليه، لأبي العلا عفيفي، (ص:120).
(12) نفس المرجع، (ص:121).
(13) لعل هذا خطأ من الناسخ، والصحيح طبعاً: (لظهوره).
(14) جوهر الحقائق، لشمس الدين سومطراني، مخطوط باللغة العربية مع ترجمتها إلى اللغة الجاوية، موجود في المكتبة الوطنية جاكرتا، تحت الرمز: (31 
a).
(15) ينظر: الموسوعة الإسلامية الإندونيسية، (ص:891).
(/4)
شيخ الملك الظاهر بيبرس الشيخ خضر بن أبي بكر المهراني العدوي
هو أحد الذين يدّعون الزهد فيكذبون ويدلسون على الناس ، وما أكثرهم.
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: ((شيخ الملك الظاهر بيبرس كان حظياً عنده مكرماً لديه، له عنده المكانة الرفيعة، كان السلطان ينزل بنفسه إلى زاويته التي بناها له في الحسينية في كل أسبوع مرة أو مرتين ، وبنى له عندها جامعاً يخطب فيه للجمعة ، وكان يعطيه مالاً كثيراً ويطلق له ما أراد ، ووقف على زاويته شيئاً كثيراً جداً ، وكان معظماً عند الخاص والعام بسبب حب السلطان وتعظيمه له ، وكان يمازحه إذا جلس عنده ، وكان فيه خير ودين وصلاح ، وقد كاشف السلطان بأشياء كثيرة ....... ثم اتفق في هذه السنة أنه وقعت منه أشياء (1) أنكرت عليه وحوقق عليها عند السلطان الملك الظاهر فظهر له منه ما أوجب سجنه ثم أمر بإعدامه وهلاكه)). اهـ
(البداية والنهاية 13ـ265)
(1) ـ منها اللواط والزنى ، كما في تاريخ الملك الظاهر (2ـ35)
(/1)
عبد الغني النابلسي
هو عبد الغني بن إسماعيل الدمشقي النابلسي الحنفي النقشبندي القادري, كان ميلاده في سنة (1050 هـ)، وتوفي بدمشق سنة (1143هـ) وله مؤلفات عديدة في الفقه والأدب والفلسفة والتجويد والتاريخ وفي الرحلات ، كانت عنده نزعة صوفية مغرقة , حيث صرح في كثير من كتبه في مدح ابن عربي صاحب الفتوحات والفصوص ، ووصفه بالشيخ الأكبر وترضى عنه ..... ، وكتب أقوالاً تخالف شريعة الإسلام.
من أقواله التي تبين عقيدته:
- [الظاهر والباطن] يقول النابلسي في كتابه: (الفتح الرباني والفيض الرحماني صفحة 133): ((فكل من اشتغل بالعلوم الظاهرة، ولم يعتقد أن وراء ما هو ساع في تعلمه من الفقه والحديث والتفسير حقائق وعلوماً باطنة، رمزها الشارع تحت ما أظهر من هذه الرسوم هي مقصودة له، لأنها المنجية عند الله تعالى، فهو غافل عن الله تعالى، جاهل بدين محمد صلى الله عليه وسلم، داخل تحت قوله تعالى: {يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا وهم عن الآخر هم غافلون}.)).
- [الذنب عند النابلسي] زعم النابلسي أن كتابه الفتح الرباني قد كتبه مترجماً عن الإلقاء الرحماني له مباشرة، وبغير وساطة.
أما الذنب عند النابلسي فقد عرفه حسب العلم الباطني: ((اعلم أن الذنب له حقيقة متى علمت علم سره، ومتى علم سره علم جهره، وله حال ومقام، وله أقسام، وأنا أتكلم لك الآن في ذلك بحسب الوارد ترجمة عن الإلقاء الرحماني)).
فالنابلسي عندما قرر في (ص133 من كتابه الفتح الرباني) أن علوم الشريعة لا تنجي وحدها من عذاب الآخرة، بل لا بد أن يدخل المتعلم إلى الحقائق والعلوم الباطنية التي ذكرت في الشريعة بالرمز فقط، ولم ينص عليها نصاً؛ وذلك لينجو من عذاب الله يوم القيامة، عندما قرر النابلسي كل ذلك فإنما قرره ترجمة عن الإلقاء الرحماني في زعمه، ولم يقرر ذلك اجتهادا ورأياً!!
(/1)
فالذنب عند النابلسي بمقتضى كلامه السابق هو أن يظن العبد أن له وجوداً مستقلاً عن وجود الله!! ومن ظن ذلك فقد أفحش وبغى، وقال ما لم يعلم، واستدل على ذلك ببيت الشعر الذي سمعه الجنيد.
ويبالغ النابلسي أكثر من ذلك، فيزعم أن حال الذنب هو القرب من الله، وليس البعد منه. ولذلك يقول بالنص: ((فالمذنب في حال ذنبه أقرب إلى الله منه في حال طاعته))!!
- [الفرق بين الصديق والزنديق]: عقد فصلاً مطولاً قارن فيه بين الزنديق والصديق، وكانت خلاصة هذا الفصل أن الزنديق من يرى أن كفره وفسقه صادر منه فقط، وأنه مستقل بهذا الكفر. وأما الصديق فهو من يرى أن كل أفعال العباد صادرة من الله سبحانه -تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً- وأن المؤمن والكافر والفاسق والبار ما هم جميعاً إلا مظاهر مختلفة لحقيقة الرب الموجود وحده، واستدل على ذلك بقوله تعالى: {ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت} (الملك:3)، فالمؤمن عنده والكافر من خلق الله، ولا فرق بين هذا وذاك، ومن عرف هذه الحقيقة فهو الصديق، ومن جهلها وظن أن الكافر يصنع كفره، ويخلق فعله، ويستقل بأمر نفسه فهو الزنديق!!.
(/2)
_ وأصرح من هذا كله ما وصل إليه الشيخ النابلسي، وهو أن مقام الزهد المشهور في التصوف ما هو إلا مرحلة في الطريق الصوفي، وأما المرحلة النهائية في فهو ترك الزهد، والاستمتاع بالمقسوم على أتم وجه، وفي ذلك يقول النص: "وأما بالنظر إلى غير الله تعالى فهو اشتغال الروحانية بما يرد عليها من أسئلة الأكوان السائرة للكون الحق، والستر هو الكفر، وأصحاب هذا الاشتغال المذكور هم الزهاد الذين يزهدون في الأشياء، فإنهم لولا ملاحظتهم للأشياء وادعاؤهم بثبوتها ما زهدوا فيها، فقد استتر الحق عنهم بزهدهم في الأشياء، فكفروا كفراً خفياً، ولو عقلوا لما زهدوا في شيء، لأن الذي ليس لهم عدم، فكيف يزهدون في العدم وهو غير مقدور، والذي لهم لا بد أن يصيبهم، فلو زهدوا فيه، لما أمكنهم وعاندوا الأقدار فهم مشغولون بزهدهم عن الله تعالى، فمتى يتفرغون له تعالى؟ ولله در القائل:
تجرد عن مقام الزهد فلبي فأنت الحق وحدك في شهودي
أأزهد في سواك، وليس شيء أراه سواك يا سر الوجود"
(الفتح الرباني ص134).
فانظر كيف نسب الكفر الخفي إلى الزهاد، لأنهم اشتغلوا بزهدهم في الأشياء، لأن الذي ليس لهم عدم، أي أن ما قدر لهم لا بد أن يكون. ولذلك يقول: "والذي لهم لا بد أن يصيبهم، فلو زهدوا فيه لما أمكنهم".
ولذلك رآهم النابلسي معارضين للأقدار، مشغولين بزهدهم عن الله تبارك وتعالى..
أحب أن أكرر هنا أن النابلسي ليس رجلاً مغموراً جاهلاً، بل هو مقدم عند القوم، مستشهد بأقواله عند الجميع وبعضهم يعتذر عن مثل مقالاته هذه بأنه من الشطح، والشطح مغفور لهؤلاء، لأن ذلك من غلبة وجدهم وحبهم لمولاهم.
(/3)
وأقول: إذا كان ثم شطح مغفور عند الله، معذور صاحبه، فهو أن تصدر كلمة أو جملة في غلبة حال كما يقولون. أما أن يؤلف رجل مئتي كتاب، كلها على هذا النحو، وذلك يستغرق آلاف الساعات والأيام، فكيف يكون التأليف والتحقيق شطحاً وسكراً؟ فافهم أخي المسلم هذه الحقيقة فإنها سهم قاتل لهذا الباطل.
وقال في كتابه "إيضاح المقصود" صفحة (56) ما نصه: ((اعلم أن هذه المسألة ، وهي مسألة وحدة الوجود ، قد أكثر العلماء فيها الكلام قديماً وحديثاً ، وردها قوم قاصرون غافلون محجوبون ، وقبلها قوم آخرون عارفون محققون ، فمنهم من ردها لعدم فهم معناها عند القائلين بها ، وتوهمه منها المعنى الفاسد ، فلا التفات لرده كائناً من كان لصده عن الحق ، وإنما رده في حقيقة الأمر واقع على ما فهمه من المعنى الفاسد لا على هذه المسألة ، فهو الذي صور الضلال وردّه.
وأما القائلون بها فلأنهم العلماء العارفون والفضلاء المحققون ، أهل الكشف والبصيرة ، الموصفون بحسن السيرة وصفاء السريرة ؛ كالشيخ الأكبر محي الدين ابن عربي ، والشيخ شرف الدين ابن الفارض ، والعفيف التلمساني ، والشيخ عبد الحق بن سبعين ، والشيخ عبد الكريم الجيلي ، وأمثالهم قدس الله تعالى أسرارهم ، وضاعف أنوارهم فإنهم قائلون بوحدة الوجود ، وأتباعهم إلى يوم القيامة ، إن شاء الله تعالى)).
(/4)
عبد القادر الجيلاني الشيخ المفترى عليه
الشيخ الأمين محمد الحاج
هو عبد القادر بن أبي صالح بن عبد الله الجيلي ثم البغدادي، ولد بكيلان، ووفد بغداد شاباً سنة 488، وتفقه على عدد من مشايخها خاصة أبي سعد المُخَرَّمي، كان على مذهب الإمام أحمد في صفات الله عز وجل، وبغض الكلام وأهله، وفي القدر، وفي الفروع، خلف شيخه أبا سعيد المُخَرَّمي على مدرسته، ودرَّس فيها وأقام بها إلى أن مات.
قال ابن السمعاني عنه: (إمام الحنابلة وشيخهم في عصره، فقيه صالح، ديِّن خيِّر، كثير الذكر، دائم الفكر، سريع الدمعة).
ولد للشيخ عبد القادر تسعة وأربعون ولداً، سبعة وعشرون ذكراً والباقي إناث.
جلس الشيخ عبد القادر للوعظ سنة 520، وحصل له القبول من الناس، واعتقدوا ديانته وصلاحه، وانتفعوا بكلامه ووعظه.
مما اشتهر عن الشيخ عبد القادر رحمه الله مما يدل على فقهه وثبات قدمه في العلم ما حكاه عنه ابنه موسى كما قال ابن رجب الحنبلي رحمه الله: (سمعتُ والدي يقول: خرجتُ في بعض سياحاتي إلى البرية، ومكثت أياماً لا أجد ماءً، فاشتد بي العطش، فأظلتني سحابة نزل عليَّ منها شيء يشبه الندى، فترويت منه، ثم رأيت نوراً أضاء به الأفق، وبدت لي صورة، ونوديت منها: يا عبد القادر أنا ربك، وقد أحللت لك المحرمات، أوقال: ما حرمتُ على غيرك؛ فقلت: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، اخسأ يا لعين؛ فإذا ذلك النور ظلام، وتلك الصورة دخان، ثم خاطبني وقال: يا عبد القادر نجوتَ مني بعلمك بحكم ربك وفقهك في أحوال منازلاتك، ولقد أضللت بمثل هذه الواقعة سبعين من أهل الطريق؛ فقلتُ: لربي الفضل والمنة؛ قال: فقيل له: كيف علمتَ أنه شيطان؟ قال: بقوله: وقد أحللتُ لك المحرمات).
قلت:(من اعتقد أن شيخاً يحلُّ له ما حرَّم الله، أويرفع عنه ما أوجبه على خلقه كالصلاة مثلاً، فقد كفر.)
(/1)
ومما يدل على تمكنه في الفقه وبراعته فيه ما حكاه عنه ابنه عبد الرزاق قال: جاءت فتوى من العجم إلى علماء بغداد لم يتضح لأحد فيها جواب شافٍ، وصورتها: ما يقول السادة العلماء في رجل حلف بالطلاق الثلاث، أنه لابد أن يعبد الله عز وجل عبادة ينفرد بها دون جميع الناس في وقت تلبسه بها، فما يفعل من العبادات؟
قال فأتى بها إلى والدي فكتب عليها على الفور: يأتي مكة، ويُخْلى له المطاف، ويطوف أسبوعاً وحده وتنحل يمينه؛ قال: فما بات المستفتي ببغداد.
ظهرت على يدي الشيخ عبد القادر بعض الكرامات، وتاب وأسلم على يديه العديد من الناس.
-الطوام التي نسبت إلى الشيخ عبد القادر الجيلاني رحمه الله:
لقد افتُري على هذا الشيخ افتراء عظيماً، وكُذِّب عليه كذباً ، ونسب إليه من الكرامات والدعاوى الكاذبات ما لا يقبله عقل ولا دين، منها:
1. ما نسبه صوفية المشرق من أن الشيخ عبد القادر الجيلاني متصرف في الأكوان.
2. ما نسبوه إليه أنه قال: "قدمي هذه على رقبة كل ولي"!!! بل لم يكتفوا بذلك حتى زعموا أنه قال ذلك بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم.
3. وصفه بأنه هو القطب والغوث.
4. نسبة السماع الصوفي المحرم ودق الطبول الذي يمارسه الصوفية إليه.
5. المبالغة في مدحه والكذب فيه.
6. نسبة الكثير من الممارسات الصوفية إليه.
7. زعم أنه هو النائب عن الله في إدارة الكون.
8. وأنه غياث المستغيثين.
9. وأنه يمشي على الهواء.
10. وأن مجرد اسمه إذا كُتِبَ في كفن الميت لن تمسه النار.
هذا قليل من كثير، وغيض من فيض مما نسب إليه.
-الأدلة على اعتقاد الصوفية لهذه العقائد الباطلة:
الأدلة على اعتقاد الصوفية لهذه العقائد ونسبتها إلى الشيخ عبد القادر زوراً وبهتاناً كثيرة جداً، ولكن سنشير إلى طرف منها لضيق المقام، فنقول:
يقول الشيخ عبد الرحيم البرعي السوداني في مدح عبد القادر الجيلاني:
هو القطب والغوث الكبير هو الذي *** أفاض على الأكوان كالبحر والسيل
(/2)
وعند ظهور الحال يخطو على الهوى *** ويُظهر شيئاً ليس يُدرك بالعقل
بأكفان مَنْ قد مات إن كُتِبَ اسمُه *** يكون له ستراً من النار والهول
وكل ولي عنقه تحت رجْله *** بأمر رسول الله يا لها من رجل
ينوب عن المختار في حضرة العلا*** ويحكم بالإحسان والحق والعدل
وقال آخر مكذباً على الجيلاني رحمه الله:
مريدي لا تخف واشٍ فإني *** عزوم قاتل عند القتال
طبولي في السماء والأرض دقت *** وشاؤس السعادة قد بدا لي
بلاد الله ملكي تحت حكمي *** وأوقاتي لقلبي قد صفا لي
نظرت إلى بلاد الله جمعاً *** كخردلة على حكم اتصال
أنا الجيلي محي الدين اسمي *** وأعْلامي على رأس الجبال
وزعموا أنه قال:
إن أزمَّة أهل الزمان على قلبي، وأنا المتصرف في عطائهم ومنعهم
وزعموا أنه قال:
إن قلوب الناس في يدي، إن أردتُ صرفها عني صرفتها، وإن أردتُ صرفتها إلي.
وقال أحدهم: إن الشيخ الجيلاني هو غوث الأغواث، وإن له حق التثبيت في اللوح المحفوظ، وأنه يملك أن يجعل المرأة رجلاً.
ونقل البريلوي شيخ الطريقة البريلوية بالهند وباكستان وبنقلاديش: أن الشيخ عبد القادر كان يمشي في الهواء على رؤوس الأشهاد في مجلسه، ويقول: ما تطلع الشمس حتى تسلم عليَّ.
وقال البريولي كذلك: إن الشيخ عبد القادر فرش فراشه على العرش، وأنزل العرش على الفرش.
مصدر هذه الأكاذيب وغيرها
مصدر هذه الطوام العظام، والآفات الجسام، وغيرها كثير، كتاب كبير في ثلاث مجلدات في مناقب الشيخ عبد القادر جمعها من غير خطام، ولا زمام، ولا تحرير، ولا اهتمام أبو الحسن الشطنوفي المصري، فهو الذي تحمل بثها وحسبه أن يبوء بوزرها، لا ينقص ذلك من أوزار من اتبعه شيئاً، وهو قدأساء للشيخ عبد القادر من حيث أراد الإحسان
(/3)
قال الحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله: (كان الشيخ عبد القادر رحمه الله في عصره معظماً، يعظمه أكثر مشايخ الوقت من العلماء والزهاد، وله مناقب وكرامات كثيرة، ولكن قد جمع المقرئ أبو الحسن الشطنوفي المصري في أخبار الشيخ عبد القادر ومناقبه ثلاث مجلدات، وكَتَبَ فيها الطم والرم، وكفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع.
وقد رأيتُ بعض هذا الكتاب، ولا يطيب على قلبي أن أعتمد على شيء مما فيه فأنقل منه إلا ما كان مشهوراً معروفاً من غير هذا الكتاب، وذلك لكثرة ما فيه من الرواية عن المجهولين، وفيه الشطح، والطامات، والدعاوى، والكلام الباطل، ما لا يحصى، ولا يليق نسبة مثل ذلك إلى الشيخ عبدالقادر رحمه الله،
ثم وجدت الكمال جعفر الأدفوني قد ذكر أن الشطنوفي نفسه كان متهماً فيما يحكيه في هذا الكتاب بعينه).
قلت: مصيبة الصوفية الكبرى، وداهيتهم العظمى أنهم لا يميزون بين الصحيح والموضوع، ولا بين الباطل والحق، بل يتلقون جلَّ عقائدهم عن طريق الهواتف والمكاشفات، والأحاديث الموضوعات، وقد ميز الله هذه الأمة على غيرها من الأمم بالأسانيد العالية، فلا يقبلون خبراً إلا إذا كان مسنوداً، ورجاله ثقات عدول.
ولهذا قال جمع من السادة العلماء: إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم،؛ فالعلم لا يؤخذ من أي كاتب ولا كتاب، ولا حاطب ليل لا يميز بين صحيح وسقيم، ولا صاحب بدعة وهوى، كما قال مالك الإمام رحمه الله.
-المآخذ التي أخذت على عبد القادر الجيلاني:
لأهل العلم مآخذ أخذوها على هذا الشيخ، منها على سبيل المثال لا الحصر ما يأتي:
1. له مصنفان هما "الغنية لطالبي طريق الحق"، و"فتوح الغيب"، ضمنها كثيراً من الأحاديث الضعيفة والموضوعة.
2. خالف متقدمي المشايخ أمثال الجنيد، وإبراهيم بن أدهم، وغيرهما، الذين كانوا معتصمين بمنهج أهل السنة والجماعة.
(/4)
3. بعض الشطحات إن صحت عنه، نحو قوله: "قدمي هذه على رقبة كل ولي لله"!! ولا إخالها تصح عنه.
4. السياحة والهيام في البرية، لمخالفة ذلك لما جاء به سيد البرية.
-أقوال أهل العلم عن الشيخ عبد القادر وما نسب إليه:
قال الإمام الذهبي خاتماً ترجمة الشيخ عبد القادر بقوله: (وفي الجملة الشيخ عبد القادر كبير الشأن، وعليه مآخذ في بعض أقواله ودعاويه، واللهُ الموعد، وبعض ذلك مكذوب عليه).
وقال عنه الحافظ ابن كثير رحمه الله: (كان له سمت حسن، وصمت غير الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكان فيه زهد كثير، وله أحوال صالحة ومكاشفات، ولأتباعه وأصحابه فيه مقالات، ويذكرون عنه أقوالاً وأفعالاً، ومكاشفات أكثرها مغالاة، وقد كان صالحاً ورعاً، وقد صنف كتاب "الغنية"، و"فتوح الغيب"، وفيهما أشياء حسنة، وذكر فيهما أحاديث ضعيفة وموضوعة، وبالجملة كان من سادات المشايخ).
وقال الحافظ ابن رجب معتذراً لما صدر من الشيخ عبد القادر: (ومن ساق الشيوخ المتأخرين مساق الصدر الأول، وطالبهم بطرائقهم، وأراد منهم ما كان عليه الحسن البصري وأصحابه مثلاً من العلم العظيم، والعمل العظيم، والورع العظيم، والزهد العظيم، مع كمال الخوف والخشية، وإظهار الذل والحزن والانكسار، والإزدراء على النفس، وكتمان الأحوال والمعارف والمحبة والشوق ونحو ذلك، فلا ريب أنه يزدري المتأخرين، ويمقتهم، ويهضم حقوقهم، فالأولى تنزيل الناس منازلهم، وتوفيتهم حقوقهم، ومعرفة مقاديرهم، وإقامة معاذيرهم، وقد جعل الله لكل شيء قدراً.
ولما كان الشيخ أبو الفرج بن الجوزي عظيم الخبرة بأحوال السلف والصدر الأول، قل من كان في زمانه يساويه في معرفة ذلك، وكان له أيضاً حظ من ذوق أحوالهم، وقسط من مشاركتهم في معارفهم، كان لا يعذر المشايخ المتأخرين في طرائقهم المخالفة لطرائق المتقدمين ويشتد إنكاره عليهم.
وقد قيل: إنه صنف كتاباً ينقم فيه على الشيخ عبد القادر أشياء كثيرة.
(/5)
إلى أن قال: وللشيخ عبد القادر رحمه الله كلام حسن في التوحيد والصفات، والقدر، وفي علوم المعرفة موافق للسنة.
وله كتاب "الغنية لطالبي طريق الحق"، وهو معروف، وله كتاب "فتوح الغيب"، وجمع أصحابه من مجالسه في الوعظ كثيراً، وكان متمسكاً في مسائل الصفات والقدر ونحوها بالسنة، بالغاً في الرد على من خالفها).
عليك أخي الحبيب بالحنيفية السمحاء، والمحجة البيضاء، والطريقة المثلى، طريقة النبلاء الشرفاء، أتباع الرسل والأنبياء، وإياك إياك أن تنتمي إلى غيرها من هذه الطرق، فكلها والله بدع ومخالفات وعقائد فاسدة ومناهج متحرفة.
(/6)
قال الحافظ الذهبي رحمه الله في وصف هذه الطريقة المحمدية المثلى: (الطريقة المثلى هي المحمديَّة، وهو الأخذ من الطيبات، وتناول الشهوات المباحة من غير إسراف، كما قال تعالى: "يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحاً"، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لكني أصومُ وأفطرُ، وأقومُ وأنامُ، وآتي النساء، وآكلُ اللحم، فمن رغب عن سنتي فليس مني"، فلم يشرع لنا الرهبانية، ولا التمزق، ولا الوصال، بل ولا صومَ الدهر، ودين الإسلام يسر وحنيفية سمحة، فليأكل المسلم من الطيب إذا أمكنه، كما قال تعالى: "لينفق ذو سعة من سعته"، وقد كان النساء أحب شيء إلى نبينا صلى الله عليه وسلم، وكذلك اللحم، والحلواء، والعسل، والشراب الحلو البارد، والمِسْك، وهو أفضل الخلق وأحبهم إلى الله تعالى. ثم العابدُ العَرِيُّ من العلم متى زهد، وتبتل، وجاع، وخلا بنفسه، وترك اللحم والثمار، واقتصر على الدقة والكسرة، ضعفت حواسه ولطفت، ولازمته خطرات النفس، وسمع خطاباً يتولد من الجوع والسهر، ولا وجود لذلك الخطاب ـ والله ـ في الخارج، وولج الشيطانُ في باطنه وخرج، فيعتقد أنه قد وصل، وخوطب وارتقى، فيتمكن منه الشيطان، ويوسوس له، فينظر إلى المؤمنين بعين الازدراء، ويتذكر ذنوبهم، وينظر إلى نفسه بعين الكمال، وربما آل به الأمر إلى أن يعتقد أنه ولي، صاحب كرامات وتمكن، وربما حصل له شك، وتزلزل إيمانُه، فالخلوة والجوع أبوجاد الترهب، وليس ذلك من شريعتنا في شيء، بل السلوك الكامل هو الورعُ في القوت، والورعُ في المنطق، وحفظُ اللسان، والتلاوةُ بالترتيل والتدبر، ومقتُ النفس وذمُّها في ذات الله، والإكثارُ من الصوم المشروع، ودوامُ التهجد، والتواضعُ للمسلمين، وصلة الرحم، والسماحة، وكثرة البشر، والإنفاقُ مع الخصاصة، وقولُ الحق المر برفق وتؤدة، والأمرُ بالمعروف، والأخذُ بالعفو، والإعراضُ عن الجاهلين، والرباطُ بالثغر، وجهادُ العدو، وحجُّ البيت، وتناولُ
(/7)
الطيبات في الأحايين، وكثرة الاستغفار في السَّحَر، فهذه شمائل الأولياء، وصفات المحمديين، أماتنا الله على محبتهم).
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
المراجع
1. البداية والنهاية للحافظ ابن كثير.
2. البريلوية: عقائد وتاريخ لإحسان إلهي ظهيري.
3. سير أعلام النبلاء للحافظ الذهبي.
4. كتاب الذيل على طبقات الحنابلة لابن رجب الحنبلي.
5. وفيات الأعلان لابن خلكان.
(/8)
عبد الكريم الجيلي وكتابه الإنسان الكامل
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ، يقول الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق ـ حفظه الله ـ في كتابه (الفكر الصوفي):
هذا عبد الكريم الجيلي يكتب كتابه (الإنسان الكامل) زاعماً أيضاً أنه من الله أخذه، وأن الله أمره بإخراج هذا الكتاب للناس وأنه ليس فيه شيء إلا وهو مؤيد بالكتاب والسنة يقول:
".. ثم ألتمس من الناظر في هذا الكتاب بعد أن أعلمه أني ما وضعت شيئاً في هذا الكتاب إلا وهو مؤيد بكتاب الله أو سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه إذا لاح له شيء في كلامي بخلاف الكتاب والسنة فليعلم أن ذلك من حيث مفهومه لا من حيث مرادي الذي وضعت الكلام لأجله فليتوقف عن العمل به مع التسليم إلى أن يفتح الله تعالى عليه بمعرفته، ويحصل له شاهد ذلك من كتاب الله تعالى أو سنة نبيه.
وفائدة التسليم هنا وترك الإنكار أن لا يحرم الوصول إلى معرفة ذلك، فإن من أنكر شيئاً من علمنا هذا حرم الوصول إليه ما دام منكراً، ولا سبيل إلى غير ذلك، بل ويخشى عليه حرمان الوصول إلى ذلك مطلقاً بالإنكار أول وهلة، ولا طريق له إلا الإيمان والتسليم.
واعلم أن كل علم لا يؤيده الكتاب والسنة فهو ضلالة، لا لأجل ما لا تجد أنت له ما يؤيده، فقد يكون العلم في نفسه مؤيداً بالكتاب والسنة، ولكن قلة استعدادك منعتك من فهمه فلن تستطيع أن تتناوله له بهمتك من محله فتظن أنه غير مؤيد بالكتاب والسنة، فالطريق في هذا التسليم وعدم العمل به من غير إنكار إلى أن يأخذ الله بيدك إليه" (الإنسان الكامل ص8).
(/1)
علماً بأنه لم يضع فيه شيئاً مطلقاً وافق الكتاب والسنة، بل جمع فيه من الكفر والزندقة أعظم من كل كفر الأولين والآخرين كيف لا وقد جعل كل من عبد شيئاً في الأرض فما عبد إلا الله. بل زعم أنه ليس في الوجود إلا الله، الذي خلق الوجود من نفسه لنفسه فليس هناك إلا هو فهو الرب والعبد، والشيطان والراهب،والسماء والأرض، والظلمات والنور، والحمل الوديع والذئب الكاسر..
تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً واستغفر الله من تسطير ذلك وكتابته.. اللهم رحماك رحماك.. لقد قلت في كتابك عن الذين ادعوا الألوهية في عيسى وهو نبي كريم ونفس طيبة {كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذباً} وقلت أيضاً {تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هداً* أن دعوا للرحمن ولداً* وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا* إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبداً}.. وهذا الزنديق يا ربي وأمثاله جعلوا كل كلب وخنزير في الأرض، وكل شيطان وإبليس وكل كافر وفاجر جزءاً منك، ومظهراً لك (ومجلى) -حسب عبارتهم- من مجاليك وتجلياتك ثم أنت ترزقهم وتعافيهم وتحلم عليهم سبحانك ما أحلمك وأجلك وأعظمك. لا إله إلا أنت استغفرك وأتوب إليك. ظلمت نفسي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت.
نعود إلى الجيلي وكتابه الذي يقول فيه بالنص:
"وكنت قد أسميت الكتاب على الكشف الصريح وأيدت مسائله بالخبر الصحيح (..انظر) وسميته بالإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل" ثم يقول: "فأمرني الحق الآن بإبرازه بين تصريحه وإلغازه، ووعدني بعموم الانتفاع فقلت طوعاً للأمر المطاع، وابتدأت في تأليفه متكلاً على الحق في تعريفه، فها أنا ذا أكرع من دنه (الدن: هو وعاء الخمر الذي يخمر فيه) القديم، بكأس الاسم العليم، في قوابل أهل الإيمان والتسليم خمرة مرضعة من الحي الكريم، مسكرة الموجود بالقديم) أ.هـ (ص6).
ما الذي يتكلم عليه الجيلي في هذا الكتاب:
(/2)
إن كتابه من أوله وآخره يدور حول معنى واحد وهو وصف الله بصفات مخلوقاته، وبيان أن المخلوق هو عين الخالق.. هذا كل ما يريد الجيلي أن يصل إليه وهذا هو ما شرحه شرحاً كاملاً في كتابه، وأضاف أن محمداً صلى الله عليه وسلم هو الإنسان الكامل والإله الكامل الذي اتصف بكل صفات الله بعلوها وسفلها، بحلوها ومرها؛ فقل هو الله أحد معناها كما يفسرها الجيلي: قل يا محمد الإنسان هو الله أحد. فهاء الإشارة في (هو) راجع إلى فاعل قل وهو أنت.. فيكون المعني يا محمد هو أي أنت الله أحد.. هذا هو الكشف الذي كشفه لنا الجيلي من الغيب وهذا هو الكتاب الذي ليس فيه شيء يخالف الكتاب والسنة.
وهذا نص عبارة الجيلي في ذلك:
"الحرف الخامس من هذا الاسم: هو الهاء، فهو إشارة إلى هوية الحق الذي هو عين الإنسان قال الله تعالى (قل) يا محمد (هو) أي الإنسان (الله أحد) فهاء الإشارة في هو راجع إلى فاعل قل وهو أنت، وإلا فلا يجوز إعادة الضمير إلى غير مذكور أقيم المخاطب هنا مقام الغائب التفاتاً بيانياً إشارة إلى أن المخاطب بهذا ليس نفس الحاضر وحده، بل الغائب والحاضر في هذا على السواء.
قال الله تعالى (ولو ترى إذ وقفوا) ليس المراد به محمداً وحده بل كل راء، فاستدارة رأس الهاء إشارة إلى دوران رحى الوجود الحقي والخلقي على الإنسان، فهو في عالم المثال كالدائرة التي أشارت الهاء إليها، فقل ما شئت إن شئت قلت الدائرة حق وجوفها خلق، وإن شئت قلت الدائرة خلق وجوفها حق فهو حق وهو خلق، وإن شئت قلب الأمر فيه بالإلهام، فالأمر في الإنسان دوري بين أنه مخلوق له ذل العبودية والعجز وبين أنه على صورة الرحمن، فله الكمال والعز.
(/3)
قال الله تعالى (والله هو الولي) يعني الإنسان الكامل الذي قال فيه (ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون) لأنه يستحيل الخوف والحزن وأمثال ذلك على الله لأن الله هو الولي الحميد (وهو يحيي الموتى وهو على كل شيء قدير) أي الولي، فهو حق منصور في صورة خلقية، أو خلق متحقق بمعاني الإلهية، فعلى كل حال وتقدير وفي كل مقال وتقرير هو الجامع لوصفي النقص والكمال، والساطع في أرض كونه بنور شمس المتعال، فهو السماء والأرض، وهو الطول والعرض، وفي هذا المعنى قلت:
لي الملك في الدارين لم أرى فيهما سواي فأرجو فضله أو فأخشاه
ولا قبل من قبلي فالحق شأنه ولا بعد من بعدي فأسبق معناه
وقد حزت أنواع الكمال وإنني جمال جلال الكل ما أنا إلا هو
فمهما ترى من معدن ونباته وحيوانه مع أنه وسجاياه
ومهما ترى من عنصر وطبيعة ومن هباء الأصل طيب هيولاه
ومهما ترى من أبحر وقفاره ومن شجر أو شاهق طال أعلاه
ومهما ترى من صورة معنوية ومن شهد للعين طال محياه
إلى أن يقول:
فإني ذلك الكل والكل مشهدي أنا المتجلي في حقيقته لا هو" (ص31)
ويشرح الجيلي هذا المعنى المجمل تفصيلياً في الباب الستين من كتابه فيقول بالنص:
الباب الملفى ستين: في الإنسان الكامل وأنه محمد صلى الله عليه وسلم وأنه مقابل للحق والخلق.
(/4)
"اعلم حفظك الله أن الإنسان الكامل هو القطب الذي تدور عليه أفلاك الوجود من أوله إلى آخره، وهو واحد منذ كان الوجود إلى أبد الآبدين، ثم له تنوع في ملابس ويظهر في كنائس (الكنيسة مكان العبادة عند النصارى. والمعنى المشار إليه هنا أنه يوصف بالشيء ونقيضه كما قال فريد الدين العطار: وما الكلب والخنزير ( ــ ) إلهنا وما الله إلا راهب في كنيسة) فيسمى به باعتبار لباس، ولا يسمى به باعتبار لباس آخر، فاسمه الأصلي الذي هو له محمد، وكنيته أبو القاسم، ووصفه عبد الله، ولقبه شمس الدين، ثم له باعتبار ملابس أخرى أسام، وله في كل زمان اسم ما يليق بلباسه في ذلك الزمان، فقد اجتمعت به صلى الله عليه وسلم وهو في صورة شيخي الشيخ شرف الدين إسماعيل الجبرتي، ولست أعلم أنه النبي صلى الله عليه وسلم وكنت أعلم أنه الشيخ، وهذا من جملة مشاهد شاهدته فيها بزبيد سنة ست وتسعين وسبعمائة وسر هذا الأمر تمكنه صلى الله عليه وسلم من التصور بكل صورة، فالأديب إذا رآه في الصورة المحمدية التي كان عليها في حياته فإنه يسميه باسمه، وإذا رآه في صورة ما من الصور وعلم أنه محمد فلا يسميه إلا باسم تلك الصورة، ثم لا يوقع ذلك الاسم الأعلى الحقيقة المحمدية.
(/5)
ألا تراه صلى الله عليه وسلم لما ظهر في صورة الشبلي رضي الله عنه قال الشبلي لتلميذه أشهد أني رسول الله وكان التلميذ صاحب كشف فعرفه، فقال: أشهد أنك رسول الله، وهذا أمر غير منكور وهو كما يرى النائم فلان في صورة فلان. وأقل مراتب الكشف أن يسوغ به في اليقظة ما يسوغ به اليقظة ما يسوغ به في النوم، ولكن بين النوم والكشف فرقاً وهو أن الصورة التي يرى فيها محمد صلى الله عليه وسلم في النوم لا يوقع اسمها في اليقظة على الحقيقة المحمدية، لأن عالم المثال يقع التعبير فيه فيعبر عن الحقيقة المحمدية إلى حقيقة تلك الصورة في اليقظة، بخلاف الكشف فإنه إذا كشف لك عن الحقيقة المحمدية أنها متجلية في صورة من صور الآدميين، فيلزمك إيقاع اسم تلك الصورة على الحقيقة المحمدية، ويجب عليك أن تتأدب مع صاحب تلك الصورة تأدبك مع محمد صلى الله عليه وسلم. لما أعطاك الكشف أن محمداً صلى الله عليه وسلم متصور بتلك الصورة، فلا يجوز لك بعد شهود محمد صلى الله عليه وسلم فيها أن تعاملها بما كنت تعاملها به من قبل، ثم إياك أن تتوهم شيئاً في قولي من مذهب التناسخ، حاشا لله وحاشا الرسول صلى الله عليه وسلم أن يكون ذلك مرادي، بل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم له من التمكين في التصور بكل صورة حتى يتجلى في هذه الصورة، وقد جرت سنته صلى الله عليه وسلم أنه لا يزال يتصور في كل زمان بصورة أكملها ليعلي شأنهم ويقيم ميلانهم، فهم خلفاؤه في الظاهر وهو في الباطن حقيقتهم" أ.هـ
ثم يستطرد الجيلي حسب اعتقاده مبيناً كيف يكون محمد صلى الله عليه وسلم إنساناً كاملاً، وإلهاً تحققت فيه كل مظاهر الربوبية والألوهية وتجلت فيه كل أسماء الله وصفاته..
(/6)
ولما كان الله عند الجيلي ومن على طريقته من هؤلاء الزنادقة الملحدين هو هذه المخلوقات لا غير.. استطرد الجيلي مبيناً أن الكون الوجود في كل شيء منه مقابل للذات المحمدية. ففي ذات الرسول شبيه العرش والكرسي، والسماوات والأرض والملائكة والحيوان والنبات والجماد.. وسائر الموجودات التي هي في حقيقتها عند الجيلي هي الله تعالى عن ذلك علواً كبيراً..
يقول الجيلي شارحاً ذلك:
"واعلم أن الإنسان الكامل مقابل لجميع الحقائق الوجودية بنفسه.
(/7)
فيقابل الحقائق العلوية بلطافته، ويقابل الحقائق السفلية بكثافته، فأول ما يبدو في مقابلته للحقائق الخلقية يقابل العرش بقلبه، قال صلى الله عليه وسلم (قلب المؤمن من عرش الرحمن)، ويقابل الكرسي بآنيته، ويقابل سدرة المنتهى بمقامه، ويقابل القلم الأعلى بعقله، ويقابل اللوح المحفوظ بنفسه، ويقابل العناصر بطبعه، ويقابل الهيولي بقابليته، ويقابل الهباء بحيز هيكله، ويقابل الفلك الأطلس برأيه، ويقابل الفلك المكوكب بمدركته، ويقابل السماء الخامسة بهمته، ويقابل السماء الرابعة بفهمه، ويقابل السماء الثالثة بخياله، ويقابل السماء الثانية بفكره، ويقابل السماء الأولى بحافظته، ثم يقابل زحل بالقوى اللامسة، ويقابل المشتري بالقوى الدافعة، ويقابل المريخ بالقوى المحركة، ويقابل الشمس بالقوى الناظرة، ويقابل الزهرة بالقوى المتلذذة، ويقابل عطارد بالقوى الشامة، ويقابل القمر بالقوى السامعة، ثم يقابل فلك النار بحرارته، ويقابل فلك الماء ببرودته، ويقابل فلك الهواء برطوبته، ويقابل فلك التراب بيبوسته، ثم يقابل الملائكة بخواطره، ويقابل الجن والشياطين بوسواسه، ويقابل البهائم بحيوانيته، ويقابل الأسد بالقوى الباطشة، ويقابل الثعلب بالقوى الماكرة، ويقابل الذئب بالقوى الخادعة، ويقابل القرد بالقوى الحاسدة، ويقابل الفأر بالقوى الحريصة، وقس على ذلك باقي قواه، ثم إنه يقابل النار بالمادة الصفراوية، ويقابل الماء بالمادة البلغمية، ويقابل الريح بالمادة الدموية، ويقابل التراب بالمادة السوداوية، ثم يقابل السبعة أبحر بريقه ومخاطه وعرقه ونقاء أذنه ودمعه وبوله والسامع المحيط، وهو المادة الجارية بين الدم والعرق والجلد، منها تتفرع تلك الستة، ولكل واحد طعم، فحلو وحامض، ومر وممزوج، ومالح ونتن وطيب، ثم يقابل الجوهر بهويته وهي ذاته، ويقابل العرض بوصفه، ثم يقابل الجمادات بأنيابه، فإن الناب إذا بلغ وأخذ حده في البلوغ بقي شبه الجمادات لا يزيد
(/8)
ولا ينقص وإذا كسرته لا يلتحم بشيء، ثم يقابل النبات بشعره وظفره، ويقابل الحيوان بشهوانيته، ويقابل مثله من الآدميين ببشريته وصورته، ثم يقابل أجناس الناس، فيقابل الملك بروحه، ويقابل الوزير بنظره الفكري، ويقابل القاضي بعلمه المسموع، ورأيه المطبوع، ويقابل الشرطي بظنه، ويقابل الأعوان بعروقه وقواه جميعها، ويقابل المؤمنين بيقينه، ويقابل المشركين بشكه وريبه، فلا يزال يقابل كل حقيقة من حقائق الوجود برقيقة من رقائقه، فقد بينا فيما مضى من الأبواب خلق كل ملك مقرب من كل قوى من الإنسان الكامل، وبقي أن نتكلم عن مقابلة الأسماء والصفات.
اعلم أن نسخة الحق تعالى كما أخبر صلى الله عليه وسلم حيث قال: (خلق الله آدم على صورة الرحمن) وفي حديث آخر (خلق الله آدم على صورته) وذلك أن الله تعالى حي عليم قادر مريد سميع بصير متكلم، وكذلك الإنسان حي عليم..الخ.
ثم يقابل الهوية بالهوية، والإنية بالإنية، والذات بالذات، والكل بالكل، والشمول بالشمول، والخصوص بالخصوص، وله مقابلة أخرى يقابل الحق بحقائقه الذاتية، وقد نبهنا عليها في هذا الكتاب في غير ما موضع، وأما هنا فلا يجوز لنا أن نترجم عنها، فيكفي هذا القدر من التنبيه عليها.
(/9)
ثم اعلم أن الإنسان الكامل هو الذي يستحق الأسماء الذاتية، والصفات الإلهية استحقاق الأصالة والملك بحكم المقتضي الذاتي، فإنه المعبر عن حقيقته بتلك العبارات والمشار إلى لطيفته بتلك الإشارات ليس لها مستند في الوجود إلا الإنسان الكامل، فمثاله للحق مثال المرآة التي لا يرى الشخص صورته إلا فيها، وإلا فلا يمكنه أن يرى صورة نفسه لا بمرآة الاسم الله فهو مرآته، والإنسان الكامل أيضاً مرآة الحق، فإن الحق تعالى أوجب على نفسه أن لا ترى أسماؤه ولا صفاته إلا في الإنسان الكامل، وهذا معنى قوله تعالى {إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوماً جهولاً} يعني قد ظلم نفسه بأن أنزلها عن تلك الدرجة، جهولاً بمقداره لأنه محل الأمانة الإلهية وهو لا يدري" أ.هـ (المصدر السابق ص76،77).
(/10)
عبد الوهاب الشعراني
عبد الوهاب بن أحمد بن علي الأنصاري. توفي (973ه‍ـ ) صاحب "الطبقات" المليء بالخزي والضلال والذي أساء فيه إلى الدين إساءةً بالغةً.
فقد قال الشعراني في الطبقات (2ـ 87) طبعة دار العلم للجميع: ((الشيخ حسين أبو علي رضي الله عنه ،كان هذا الشيخ رضي الله عنه من كمل العارفين وأصحاب الدوائر الكبرى ، وكان كثير التطورات تدخل عليه بعض الأوقات تجده جنديا ، ثم تدخل فتجده سبعاً ، ثم تدخل فتجده فيلاً ، ثم تدخل فتجده صبياً وهكذا ، ومكث أربعين سنة في خلوة مسدودة بابها ليس لها غير طاقة يدخل منها الهواء وكان يقبض من الأرض ويناول الناس الذهب والفضة ، وكان من لا يعرف أحوال الفقراء يقول هذا كيماوي سيماوي)).
وقال أيضاً: ((فدخلوا على الشيخ فقطعوه بالسيوف وأخذوه في كيس ورموه على الكوم واخذوا على قتله ألف دينار ثم أصبحوا فوجدوا الشيخ حسيناً رضي الله عنه جالساً فقال لهم: غركم القمر. وكانت النموس تتبعه حيث مشى في شوارع وغيرها فسموا أصحابه بالنموسية
وكان رضي الله عنه بريئاً من جميع ما فعله أصحابه من الشطح الذي ضربت به رقابهم في الشريعة)).
وقال أيضاً في الطبقات: (2ـ 66) في ترجمة يوسف العجمي الكوراني: ((وكان رضي الله عنه إذا خرج من الخلوة يخرج وعيناه كأنهما قطعة جمر تتوقد فكل من وقع نظره عليه انقلبت عينه ذهباً خالصاً ، ولقد وقع بصره يوماً على كلب فانقادت إليه جميع الكلاب ، إن وقف وقفوا وان مشى مشوا)). إلى أن قال: ((ووقع له مرة أخرى أنه خرج من خلوة الأربعين فوقع بصره على كلب فانقادت إليه جميع الكلاب ، وصار الناس يهرعون إليه (إلى الكلب) في قضاء حوائجهم ، فلما مرض ذلك الكلب اجتمع حوله الكلاب يبكون ويظهرون الحزن عليه ، فلما مات اظهروا البكاء والعويل ، وألهم الله تعالى بعض الناس فدفنوه فكانت الكلاب تزور قبره حتى ماتوا)).
(/1)
قال الشعراني: ((فهذه نظرة إلى كلب فعلت ما فعلت ، فكيف لو وقعت على إنسان؟!!!)).
وقال أيضاً في ترجمة شمس الدين محمد الحنفي (2ـ88): ((ومنهم سيدنا ومولانا شمس الدين الحنفي رضي الله تعالى عنه ورحمه)). إلى أن قال: ((ولما دنت وفاته بأيام كان لا يغفل عن البكاء ليلاً ولا نهاراً وغلب عليه الذلة والمسكنة والخضوع حتى سأل الله تعالى قبل موته أن يبتليه بالقمل والنوم مع الكلاب ، والموت على قارعة الطريق ، وحصل له ذلك قبل موته فتزايد عليه
القمل حتى صار يمشي على فراشه ، ودخل له كلب فنام معه على الفراش ليلتين وشيئاً ، ومات على طرف حوشه ، والناس يمرون عليه في الشوارع)).
قال: ((وقال له سيدي علي بن وفا: ما تقول في رجل رحى الوجود بيده يدورها كيف شاء.؟ فقال له سيدي محمد رضي الله عنه: فما تقول فيمن يضع يده عليها فيمنعها أن تدور؟)).
وقال أيضاً في ترجمة أبو الخير الكليباتي في الطبقات (2ـ143): ((كان رضي الله عنه من الأولياء المعتقدين وله المكاشفات العظيمة مع أهل مصر وأهل عصره ، وكانت الكلاب التي تسير معه من الجن ، وكانوا يقضون حوائج الناس ، ويأمر صاحب الحاجة أن يشتري للكلب منهم إذا ذهب معه لقضاء حاجته رطل لحم ، وكان أغلب أوقاته واضعاً وجهه في حلق الخلاء في ميضأة جامع الحاكم ، ويدخل الجامع بالكلاب فأنكر عليه بعض القضاة فقال: هؤلاء لا يحكمون باطلاً ولا يشهدون زوراً)).
وقال أيضاً في الطبقات (2ـ144): ((ومنهم سيدي سعود المجذوب رضي الله عنه
كان رضي الله عنه من أهل الكشف التام ، وكان له كلب قدر الحمار لم يزل واضعاً بوزه (فمه) على كتفه)).
وقال أيضاً في ترجمة بركات الخياط (2ـ144): ((وكان دكانه منتناً قذراً لأن كل كلب وجده ميتاً أو قطاً أو خروفاً يأتي به فيضعه داخل الدكان وكان لا يستطيع أحد أن يجلس عنده)).
(/2)
وقال أيضاً في الطبقات (2ـ 184): الشيخ الصالح عبد القادر السبكي أحد رجال الله تعالى كان من أصحاب التصريف بقرى مصر رضي الله عنه: ((وكان كثير الكشف لا يحجبه الجدران والمسافات البعيدة من إطلاعه على ما يفعله الإنسان في قعر بيته.... وخطب مرة عروساً فرآها فأعجبته فتعرى لها بحضرة أبيها ، وقال: انظري أنت الأخرى حتى لا تقولي بعد ذلك ــــــــــــــ ثم أمسك ـــــ)). عذراً ليس من صلاحيتنا أن ننشر مثل هذا الكلام.
وقال أيضاً: الشيخ علي أبو خودة الطبقات (2ـ135): ((وكان رضي الله عنه إذا رأى امرأة أو أمرداً راوده عن نفسه ، وحسس على مقعدته ، سواء كان ابن أمير ، أو ابن وزير ، ولو كان بحضرة والده ، أو غيره ، ولا يلتفت إلى الناس ولا عليه من أحد)).
وقال أيضاً في الطبقات (2 ـ185): ((الشيخ شعبان المجذوب رضي الله عنه ، كان من أهل التصريف بمصر المحروسة ، وكان يخبر بوقائع الزمان المستقبل واخبرني سيدي علي الخواص رضي الله عنه أن الله تعالى يطلع الشيخ شعبان على ما يقع في كل سنة من رؤية هلالها ، فكان إذا رأى الهلال عرف جميع ما فيه مكتوباً على العباد)).
وقال: ((وكان يقرأ سورا غير السور التي في القرآن على كراسي المساجد يوم الجمعة وغيرها فلا ينكر عليه أحد ، وكان العامي يظن أنها من القرآن لشبهها بالآيات في الفواصل)).
وقال: ((وقد سمعته مرة يقرأ على باب دار، على طريفة الفقهاء الذين يقرؤون في البيوت فأصغيت إلى ما يقول فسمعته يقول: "وما انتم في تصديق هود بصادقين ، ولقد أرسل الله لنا قوماً بالمؤتفكات يضربوننا ويأخذون أموالنا وما لنا من ناصرين" ثم قال: الهم اجعل ثواب ما قرأناه من الكلام العزيز في صحائف فلان وفلان إلى آخر ما قال)).
(/3)
وقال أيضاً في الطبقات (2ـ142): ((الشيخ إبراهيم العريان رضي الله عنه ،كان يُخرج الريح بحضرة الأكابر ثم يقول: هذه ضرطة فلان ، ويحلف على ذلك ، فيخجل ذلك الكبير منه ، مات رضي الله عنه سنة نيف وثلاثين وتسعمائه)).
((وكان رضي الله عنه يطلع المنبر ويخطب عرياناً ...... فيحصل للناس بسط عظيم)).
وقال أيضاً: ((شيخنا أبو علي هذا كان من جماعته: الشيخ عبيد: واخبرني بعض الثقات أنه كان مع الشيخ عبيد في مركب فوحلت ، فلم يستطع أحد أن يزحزحها ، فقال الشيخ عبيد: اربطوها في بيضي (الخصيتين) بحبل وأنا انزل اسحبها ففعلوا ، فسحبها ببيضه حتى تخلصت من الوحل إلى البحر ، مات رضي الله عنه في سنة نيف وتسعين وثمانمائه)).
وقال أيضاً في الطبقات (2ـ 87): ((سيدي الشيخ محمد الغمري ، أحد أعيان أصحاب سيدي احمد الزاهد رضي الله عنه ، كان من العلماء العاملين والفقراء الزاهدين المحققين سار في الطريق يسيرة صالحة وكانت جماعته في المحلة الكبرى وغيرها يضرب بهم المثل في الأدب والاجتهاد ، قال: ودخل عليه سيدي محمد بن شعيب الخيسي يوما الخلوة فرآه جالساً في الهواء وله سبع عيون فقال له: الكامل من الرجال يسمى أبا العيون)).
وقال أيضاً في الطبقات (2ـ88): ((سيدنا ومولانا شمس الدين الحنفي كان رضي الله عنه من أجلاء مشايخ مصر وسادات العارفين صاحب الكرامات الظاهرة والأفعال الفاخرة والأحوال الخارقة والمقامات السنية)) إلى أن قال: ((وهو أحد من أظهره الله تعالى إلى الوجود ، وصرفه في الكون ". إلى أن قال: ((قال الشيخ أبو العباس: وكنت إذا جئته وهو في الخلوة أقف على بابها فإن قال لي ادخل دخلت ، وإن سكت رجعت فدخلت عليه يوما بلا استئذان فوقع بصري على أسد عظيم فغشي علي فلما أفقت خرجت واستغفرت الله تعالى من الدخول عليه بلا إذن ". ثم قال" وقد مكث في خلوته سبع سنين تحت الأرض ابتدأها وعمره أربع عشرة سنة".
(/4)
"قال الشيخ أبو العباس رضي الله عنه: ولم يخرج الشيخ من تلك الخلوة حتى سمع هاتفا يقول: يا محمد اخرج انفع الناس ثلاث مرات ، وقال له في الثالثة: إن لم تخرج وإلا هيه. فقال الشيخ: فما بعد هيه إلا القطيعة ، قال الشيخ فقمت وخرجت إلى الزاوية فرأيت على السقيفة جماعة يتوضؤون فمنهم من على رأسه عمامة صفراء ومنهم زرقاء ، ومنهم من وجهه وجه قرد ، ومنهم من وجهه وجه خنزير ، ومنهم من وجهه كالقمر ، فعلمت أن الله أطلعني على عواقب أمور هؤلاء الناس ، فرجعت إلى خلفي وتوجهت إلى الله تعالى فستر عني ما كشف لي من أحوال الناس وصرت كآحاد الناس)).
وقال أيضاً في ترجمة علي وحيش في الطبقات (2ـ149): ((كان رضي الله عنه من أعيان المجاذيب أرباب الأحوال ...وله كرامات وخوارق واجتمعت به يوماً)). إلى أن قال: ((وكان إذا رأى شيخَ بلدٍ أو غيرَه ينزله مِن على الحمارة ويقول له: أمسِك رأسَها حتى أفعل فيها! فإن أبى الشيخ تسمَّر في الأرض لا يستطيع أن يمشي خطوةً، وإن سمح حصل له خجلٌ عظيمٌ والناس يمرُّون عليه)).
ويقول الشعراني عن نفسه في كتابه "الطبقات: ((إنَّ سبَبَ حضوري مولد "أحمد البدوي" كلَّ سَنَةٍ أنَّ شيخي العارف بالله تعالى "محمد الشناوي" رضي الله عنه! أحدَ أعيان بيته رحمه الله، قد كان أخذ عليّ العهد في القبة تجاه وجه سيدي أحمد رضي الله عنه، وسلَّمني بيده، فخرجت اليد الشريفة من الضريح! - بين الشعراني والبدوي نحو أربعة قرون! -وقبضت على يدي. وقال: يا سيدي يكون خاطرك عليه، واجعله تحت نظرك! فسمعتُ "سيدي أحمد" من القبر يقول: نعم.
ولما دخلتُ بزوجتي فاطمة أم عبد الرحمن وهي بكرٌ، مكثتُ خمسةَ شهورٍ لم أقرب منها
فجاءني وأخذني وهي معي، وفرش لي فراشاً فوق ركن القبة التي على يسار الداخل، وطبخ لي
الحلوى، ودعا الأحياء والأموات إليه! وقال: أزِل بكارتها هنا! فكان الأمر تلك الليلة))
الطبقات (1ـ161).
(/5)
عمر بن الفارض
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: ((ابن الفارض ، ناظم التائيّة في السلوك على طريقة المتصوفة المنسوبين إلى الاتحاد ، هو أبو حفص عمر بن أبي الحسن علي بن المرشد بن علي الحموي الأصل المصري المولد والدار والوفاة ، تكلم فيه غير واحد من مشايخنا بسبب قصيدته المشار إليها وقد ذكره شيخنا أبو عبد الله الذهبي في ميزانه وحط عليه)). (البداية والنهاية: 13ـ143).
وقال الحافظ ابن حجر في لسان الميزان: ((ولد في ذي القعدة سنة (576 هـ) بالقاهرة ، ومات سنة (632 هـ) قال المنذري: سمعت منه من شعره ، وقال في التكملة: كان قد جمع في شعره بين الحوالة والحلاوة ، قال الذهبي: إلا أنه شابَهُ بالاتحاد في ألذ عبارة وأرق استعارة كفالوذج مسموم ثم أنشد من التائية التي سماها نظم السلوك أبياتا منها:
لها صلواتي بالمقام أقيمها *** وأشهد فيها أنها لي صلَّتِ
كلانا مصل واحد ساجد إلى *** حقيقته بالجمع في كل سجدة
ومنها:
وها أنا أبدي في اتحادي مبدأي *** وأنهي انتهائي في مواضع رفعتي
وفي موقفي لا بل إلى توجهي *** ولكن صلاتي لي ومني كعبتي
ومنها:
ولا تك ممن طيّشته دروسه *** بحيث استقلت عقله واستفزت
فثم وراء العقل علم يَدِقُّ عن *** مدارك غايات العقول السليمة
تلقيته عني ومني أخذته *** ونفسي كانت من خطئي محيدتي
ومنها:
وما عقد الزنار حكماً سوى يدي *** وان حلَّ بالإقرار فهي أحلت
وإن خرَّ للأحجار في الله عاكفٌ *** فلا بعد بالإنكار بالعصبية
وإن عبدَ النارَ المجوسُ وما انطفت *** فما قصدوا غيري لأنوار عزتي
قلت ومن هذه القصيدة:
وجُدْ في فنون الاتحاد ولا تَحِد *** إلى فئة في غرَّة العمر أصبت
ومنها:
إلي رسولاً كنتَ مني مرسلاً *** وذاتي أماني علي استقلت)).
(/1)
قال الذهبي: ((فإن لم يكن في تلك القصيدة صريح الاتحاد الذي لا حيلة في وجوده فما في العالم زندقة ولا ضلال ، اللهم ألهمنا التقوى وأعذنا من الهوى فيا أئمة الدين ألا تغضبون لله فلا حول ولا قوة إلا بالله)). (سير أعلام النبلاء: 22ـ368).
قال الحافظ ابن حجر في لسان الميزان: ((سألت شيخنا الإمام سراج الدين البُلقيني عن ابن عربي ، فبادر الجواب: بأنه كافر. فسألته عن ابن الفارض فقال: لا أحب أن أتكلم فيه. قلت: فما الفرق بينهما والموضع واحد.؟ وأنشدته من التائية فقطع علي بعد إنشاء عدة أبيات بقوله: هذا كفر هذا كفر.
ورأيت في كتاب التوحيد للشيخ عبد القادر القوصي قال: حكى لي الشيخ عبد العزيز بن عبد الغني المنوفي قال: كنت بجامع مصر وابن الفارض في الجامع وعليه حلقة ، فقام شاب من عنده وجاء إلى عندي وقال جرى لي مع هذا الشيخ حكاية عجيبة ، يعني بن الفارض ، قال دفع إلي دراهم وقال اشتر لنا بها شيئاً للأكل فاشتريت ومشينا إلى الساحل فنزلنا في مركب حتى طلع البهنسا فطرق باباً فنزل شخص فقال: بسم الله ، وطلع الشيخ فطلعت معه وإذا بنسوة بأيديهن الدفوف والشبابات وهم يغنون له ، فرقص الشيخ إلى أن انتهى وفرغ ، ونزلنا وسافرنا حتى جئنا إلى مصر ، فبقي في نفسي فلما كان في هذه الساعة جاءه الشخص الذي فتح له الباب فقال له: يا سيدي فلانة ماتت ، وذكر واحدة من أولئك الجواري ، فقال: اطلبوا الدلال وقال: اشتر لي جارية تغني بدلها ، ثم أمسك أذني فقال: لا تنكر على الفقراء)). (لسان الميزان: 4ـ364).
(/2)
وقال أبو حيان الأندلسي صاحب التفسير, في تفسير سورة المائدة عند قوله تعالى: {لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح بن مريم} (صفحة: 14-143): ((ومن بعض اعتقاد النصارى استنبط من أقر بالإسلام ظاهراً , وانتمى إلى الصوفية حلولَ الله في الصور الجميلة , وذهب من ذهب من ملاحدتهم إلى القول بالاتحاد والوحدة كالحلاج, والشوذي , وابن أحلى , وابن عربي المقيم بدمشق , وابن الفارض , وأتباع هؤلاء كابن سبعين)).
وقال الشيخ محمد بن علي النقاش في وحدة الوجود: ((وهو مذهب الملحدين كابن عربي وابن سبعين وابن الفارض)). (تنبيه الغبي: 147).
بعض العلماء الذين كفروا ابن الفارض
فقد رَمى ابن الفارض بالزندقة – بشهادة الكتب الموثوق بها – نحو من أربعين عالماً , هم دعائم الدين من عصره إلى عصرنا وهم :
1. سلطان العلماء عز الدين ابن عبد السلام الشافعي .
2. والحافظ الفقيه الأصولي تقي الدين ابن الصلاح الشافعي .
3. والإمام الفقيه المحدث الصوفي قطب الدين القسطلاني الشافعي .
4. والإمام نجم الدين أحمد بن حمدان الحنبلي – وقد شرح التائيه وبين عواره فيها بيتاً بيتاً - .
5. وأبو علي عمر بن خليل السكوتي المالكي .
6. والشيخ جمال الدين بن الحاجب المالكي.
7. وقاضي القضاة تقي الدين ابن دقيق العيد الشافعي.
8. وقاضي القضاة تقي الدين عبد الرحمن ابن بنت الأعز الشافعي.
9. وقاضي القضاة بدر الدين ابن جماعة الشافعي.
10. والشرف عيسى الزواوي المالكي.
11. والسعد الحارثي الحنبلي.
12. والإمام أبو حيان الشافعي .
13. وأبو أمامة ابن النقاش الشافعي .
14. والحافظ شمس الدين الموصلي الشافعي .
15. وشيخ الإسلام تقي الدين السبكي الشافعي .
16. وشيخ الفقهاء الزين الكتاني الشافعي .
17. والشيخ تقي الدين ابن تيمية الحنبلي .
18. الكمال جعفر الأدفوي الشافعي.
19. والبرهان إبراهيم السفاقسي المالكي.
20. والشهاب أحمد بن أبي حجلة الحنفي .
(/3)
21. والحافظ شمس الدين الذهبي الشافعي.
22. والحافظ عماد الدين ابن كثير الشافعي .
23. والعلامة شمس الدين محمد العيزري الشافعي .
24. وشيخ الإسلام سراج الدين عمر البلقيني الشافعي .
25. وعلامة زمانه علاء الدين محمد البخاري الحنفي .
26. وقاضي القضاة ولي الدين العراقي .
27. وقاضي القضاة حافظ عصره شهاب الدين أحمد بن حجر العسقلاني الشافعي .
28. وقاضي القضاة بدر الدين محمود العيني الحنفي .
29. وقاضي القضاة شمس الدين البساطي المالكي .
30. وعلاّمة اليمن بدر الدين حسين بن الأهدل الشريف المنذري الشافعي .
كما شهد بهذا النقل عنهم نحو من عشرين كتاباً من مصنفاتهم ومصنفات غيرهم من العلماء , وهي شرح التائيه لابن حمدان , وديباجة ديوان ابن الفارض, ولحن العوام لابن خليل , وتفسير أبي حيان البحر والنهر، والفرقان لابن تيمية , وقصيدة السفاقسي التي يقول فيها :
وكالمشتري القونوي ابن فارض فلا برد الله ثراهم ولا أسقى
( والقونوي الذي ذكره صدر الدين صاحب ابن عربي ) ، وكتاب ابن أبي حجلة , والميزان ولسانه لابن حجر , والتاريخ لابن كثير بخطه , وناصحة الموحدين للعلاء البخاري , والفتاوى المكية للعراقي , وتاريخ العيني , وشرح التائية للبساطي , وكشف الغطاء لابن الأهدل .
فهذه ستة عشرة كتاباً شهدت بكفره من بضع وعشرين عالماً هم أعيان كل عصر .
وممن كفره من شيوخ المذاهب هم :
31 . قاضي القضاة سعد الدين الديري الحنفي .
32. وقاضي القضاة محقق زمانه شمس الدين القاياتي .
33 . ونادرة وقته عز الدين بن عبد السلام القدسي الشافعي .
34 . والعلامة علاء الدين القلقشندي الشافعي .
35 . والشيخ يحيى العجيسي المالكي .
36. والعلامة شمس الدين البلاطنيسي الشافعي شيخ الشاميين في وقته .
37 . وشيخ الإسلام عبد الأول السمرقندي الحنفي .
38. والعلامة كمال الدين ابن إمام الكاملية الشافعي .
39. والعلامة شهاب الدين ابن قر الشافعي .
(/4)
40. والعلامة أبو القاسم النويري المالكي .
فهولاء أعيان العلماء في عصر ابن الفارض وفي كل عصر شهدوا عليه بالكفر والزندقة .
اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
وللمزيد انظر " مصرع التصوف صفحة: 214 " ترى العجب العجاب
(/5)
محمد بن عبد الرحيم الباجُرْبَقيّ
قال الإمام الذهبي: ((الباجُرْ بَقيّ ، الشيخ الضّال الزنديق محمد بن المفتي الكبير جمال الدين عبد الرحيم بن عمر الباجُرْبَقيّ الجزري الشافعي.
تحوّل جمال الدين بعد الثمانين بولديه محمد وأحمد المدرس إلى دمشق ، فسمعوا من ابن البخاري ، وجلس للإفادة والإفتاء ، ودرّس ، ومات وقد شاخ بعد السبعمئة ؛ فتمشيخ محمد وحصل له حال وكشف ما ؟ وانقطع ، فصحبه جماعة من الرّذالة ، وهوّن لهم أمر الشرائع ، وأراهم بوارق شيطانية ، وكان له قوة تأثير ، فقصده أناس فضلاء للسلوك ، فرأوا منه بلايا منافية للشرع ، فشهدوا عليه بما يبيح الدّم ، منهم شيخنا الإمام مجد الدين التونسي ، وخطيب الزنجلية ، ومحي الدين ابن القادعي ، والشيخ أبو بكر بن شرف.
وجُنَّ أبو بكر هذا أيّاماً ، ثم عقل ، وحُكِيَ عنه التهاون بالصلوات ، وذكر نبينا باسمه من غير تعظيم ولا صلاة عليه ، حتى يقول السامع : ومن محمد هذا ؟ فحكم القاضي جمال الدين الزواوي بإراقة دمه ، بشهادة عدد، اعتمد منهم على ستة ، فاختفى ، ثمّ سحب إلى العراق ، وسعى أخوه فجأة تجاه بَيْبَرْس من العلائي إلى القاضي الحنبلي ، فشهد نحو عشرين بأن الستة بينهم وبين الشيخ عداوة ، فعصم الحنبلي دمه ، فغضب المالكي ، وجدد الحكم بقتله ، وبعد مدّة جاء من المشرق فنزل بالقابون متخفّياً إلى أن مات في ربيع الآخر سنة أربع وعشرين وسبعمئة ، وله ستّون سنة ، وكان أصحابه يقصدون قبره يوم الجمعة و يتركون صلاة الجمعة.
قال البرزالي: وفي ذي القعدة سنة تسع وسبعمئة حكم القاضي المالكي بقتل ابن الباجُرْبَقِي وإن تاب ، وكان شُهد عليه بأمور لا تصدر من مسلم ، من الاستخفاف بالدين ، و الكلام في الله وفي رسله ، ونحو ذلك .
(/1)
حدثني قاضي القضاة أبو الحسن السبكي أنه اجتمع بمصر بابن الباجُربقي ، فذكر أنه قال له محي الدين ابن عربي أنه غضبان على أصحابه ، قال : فأنكرت هذا وقلت: لعل هذا في النوم ، فما أعجبه هذا مني.
وحدّثني فقيه أن ابن الباجربقي قال: إنّ الرسل طوّلت على الأمم الطرق إلى الله ، و داروا بهم . يشير إلى أن الفرائض والعبادات حجاب عن الله.
قلت: هذه الطائفة الخبيثة يخبّون في الأنجاس لو أظهروا زندقتهم لقتلوا)).
(سير أعلام النبلاء: 17 ـ 476). دار الفكر
وقال الذهبي في كتاب ذيول العبر في خبرمن غير : (( ومات الشيخ الزاهد محمد ابن المفتي جمال الدين عبد الرحيم بن عمر الباجُرْبَقِيّ الضالُّ الذي حكم بضرب عنقه القاضي المالكي مرة بعد أُخرى، ثم انسحب إِلى مصر وإِلى بغداد، ثم قد متخفيّاً وسكن القابون. وكان فقيهاً بالمدارس، ثم حصل له كشفٌ شيطاني فَضَلَّ به جماعة. وكان يتنقّضُ الأنبياء ويتفوّه بعظائم، وعاش ستين سنة. انقلع في ربيع الآخر.)) ص 70 / 4 .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق