الاثنين، 15 يونيو 2015

الرد على الصوفية الطرقية القبورية=لثاني: اختلاف أبي بكر مع فاطمة الزهراء رضي الله عنهما على الميراث فلا يخفى أن فاطمة طلبت من أبي بكر الصديق رضي الله عنه حقها من ميراث أبيها واحتجت عليه بأن إذا مات هو يرثه أبناؤه، فلماذا يمنعها من ميراث أبيها، فأجابها أبو بكر الصديق بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركنا صدقة. وقد حضر ذلك جماعة من الصحابة فبقيت فاطمة الزهراء مغاضبة لأبي بكر حتى ماتت بعد ستة أشهر بعد وفاة أبيها صلى الله عليه وسلم. فهذا حبيبان لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه قال: فاطمة بضعة مني يسؤني ما ساءها، أو كما قال عليه الصلاة والسلام وصرح بأن أبا بكر الصديق أحب الناس إليه، وقال ما أحد أمنّ علي في نفس ولا مال من أبي بكر الصديق /رواه البخاري/. وهذه المغاضبة التي وقعت بين أبي بكر وفاطمة، تسوء النبي صلى الله عليه وسلم، فلو كان يظهر لأحد بعد وفاته لغرض من الأغراض لظهر لأبي بكر الصديق وقال له: إني رجعت عما قلته في حياتي فأعطها حقها من الميراث، أو لظهر لفاطمة وقال لها يا ابنتي لا تغضبي على أبي بكر فإنه لم يفعل إلا ما أمرته به فقلت له: ليس عندي من الجواب إلا ما سمعت قال احفظ هذا.

(253/20)
الثالث: الذي وقع بين طلحة والزبير وعائشة من جهة، وعلي بين أبي طالب من جهة أخرى واشتد النزاع بينهما حتى وقعت حرب الجمل، في البصرة فقتل فيها خلق كثير من الصحابة والتابعين وعقر جمل عائشة فكيف يهون على النبي صلى الله عليه وسلم سفك هذه الدماء ووقوع هذا الشر بين المسلمين بل بين أخص الناس به، وهو يستطيع أن يحقن هذه الدماء بكلمة واحدة، وقد أخبر الله سبحانه وتعالى في آخر سورة التوبة برأفته ورحمته بالمؤمنين وأنه يشق عليه كل ما يصيبهم من العنت، وذلك في قوله تعالى: {لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم} فقلت له ليس عندي من الجواب إلا ما سمعت وظهوره وكلامه للشيخ التجاني فضل من الله، والله يؤتي فضله من يشاء. قال احفظ هذا وفكر فيه.
الرابع: خلاف علي مع الخوارج وقد سفكت فيه دماء كثيرة، ولو ظهر النبي صلى الله عليه وسلم لرئيس الخوارج وأمره بطاعة إمامه لحقنت تلك الدماء، فقلت الجواب هو ما سمعت، فقال لي: احفظ هذا وفكر فيه، فإني أرجو أنك بعد التفكير ترجع إلى الحق.
الخامس: النزاع الذي وقع بين معاوية وعلي، وقد قتل في الحرب التي وقعت بينهما خلق كثير، منهم عمار بن ياسر، فكيف يترك النبي صلى الله عليه وسلم الظهور لأفضل الناس بعده وفي ظهوره هذه المصالح المهمة من جمع كلمة المسلمين وإصلاح ذات بينهم وحقن دمائهم، وهو خير المصلحين بقوله تعالى: {وأصلحوا ذات بينكم} وقوله تعالى: {إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم} ثم يظهر للشيخ التجاني في آخر الزمان لغرض غير مهم وهو في نفسه غير معقول لأنه مضاد لنصوص الكتاب والسنة.
(253/21)
فلم يجد عندي جواباً غير ما تقدم ولكني لم أسلم له فقال فكر في هذه الأدلة وسنتباحث في المجلس الآخر، فعقدنا بعد هذا المجلس سبعة مجالس كل منها كان يستمر من بعد صلاة المغرب إلى ما بعد العشاء بكثير. وحينئذ أيقنت أنني كنت ضلال، ولكن أردت أن أزداد يقيناً فقلت له: من معك من العلماء هنا في المغرب على هذه العقيدة وهي أن مسألة في العقائد أو في الفروع يجب أن نعرضها مع قصر باعنا وقلة اطلاعنا على كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فما ظهر لنا أنه موافق لهما قبلناه وما ظهر لنا أنه مخالف رددناه) فقال لي يوافقني على هذا أكبر مقدم للطريقة التجانية في المغرب كله وهو الشيخ الفاطمي الشرادي، فكدت أكذبه لأن المشهور في جميع أنحاء المغرب أن هذا الرجل من كبار العلماء، وهو أكبر مقدم للطريقة التجانية، ولم أقل أكبر شيخ لأن الشيخ التجاني لا يبيح أن يكون شيخاً للطريقة سواه، لأن تلقيبه بالشيخ قد يفهم منه أنه يجوز لغيره أن يتصرف في أوراد الطريقة وفضائلها وعقائدها وذلك ممنوع لأن الذي أعطى هذه الطريقة هو النبي صلى الله عليه وسلم يقظة لا مناماً كما تقدم والمتلقي الأول لها هو الشيخ أحمد التجاني والنبي صلى الله عليه وسلم سماه شيخاً لهذه الطريقة، وكل ناشر للطريقة وملقن لأورادها يسمى مقدماً فقط فالطريقة لها مصدر واحد وشيخ واحد ولا يجوز تعدد المصدر ولا تعدد الشيخ حسبما في كتب الطريقة.
مع الشيخ الفاطمي الشرادي:
(253/22)
فتوجهت إلى الشيخ الفاطمي رحمه الله وكان الوقت ضحى وقد أوصاني شيخنا محمد بن العربي ألا أسأله إلا في خلوة فوجدت عنده جماعة فانصرف بعضهم وجاء آخرون وبقيت عنده أنتظر أن أخلو به حتى صلينا الظهر وجاء الغداء فلم أستطع أن أخلو به وكان ثلاثة ممن كانوا في مجلسه حاضرين فقلت له إن الشيخ محمد بن العربي العلوي يقول يجب علينا أن نعرض جميع المسائل أصولاً وفروعاً على كتاب الله وسنة رسوله فما وافق في نظرنا القاصر قبلناه وما خالف رددنا ولو قال به الإمام مالك أو الشيخ أحمد التجاني، فأشار إلي بيده يستمهلني، وكان جلوسي عنده قد طال فانصرفت إلى مدرسة الشراطين حيث كنت نازلاً قبل لقائي بالشيخ العلوي، وفي ذلك اليوم بعد صلاة العشاء جاءني بواب المدرسة وقال لي إن الشيخ الفاطمي الشرادي أرسل إليك عبده وبغلته يطلب أن تزوره فتعجبت كثيراً لأمرين، أحدهما أن الوقت ليس وقت زيارة، وثانيهما أنه لم تجر العادة أن كبار العلماء الطاعنين في السن، يبعثون الدابة للركوب إلا لمن هو مثلهم في السن والعلم وأنا شاب فركبت البغلة وسار العبد أمامي حتى وصلت إليه وسلمت عليه فرد أحسن رد ورحب بي وقال لي يا ولدي أنا رجل كبير طاعن في السن ليس لي قدرة على القتال، أما سيدي محمد بن العربي العلوي فهو شاب مستعد للقتال وأنت سألتني أمام الناس عن مسألة مهمة لا يسعني أن أكتم جوابها، ولا أستطيع أن أصرح به أمام الناس، فأعلم أن ما قال لك سيدي محمد بن العربي العلوي هو الحق الذي لا شك فيه، وقد أخذت الطريقة القادرية وبقيت فيها زماناً، ثم أخذت الطريقة الوزانية وبقيت فيها زماناً، ثم أخذت الطريقة التجانية والتزمتها حتى صرت مقدماً فيها فلم أجد في هذه الطرائق فائدة، وتركتها كلها ولم يبق عندي من التصوف إلا طلب الشيخ المربي على الكتاب والسنة علماً وعملاً، ولو وجدته لصاحبته وصرت تلميذاً له، وأنت تريد أن تسافر إلى الشرق فإن ظفرت بشيخ مرب متخلق بأخلاق الكتاب
(253/23)
والسنة علماً وعملاً فاكتب إلي وأخبرني به حتى أشد الرحال إليه فازددت يقيناً بالنتيجة التي وصلت إليها في مناظرتي مع الشيخ العلوي. ولو كان عندي من العلم مثل ما عندي الآن لقلت له إن ضالتك المنشودة هي أقرب إليك من كل قريب فإن هذا الشيخ الذي تطلبه وتريد أن تشد الرحال إليه ولو بعدت الدار وشط المزار هو أنت نفسك. بشرط أن يكون عندك العزم التام على العمل بالكتاب والسنة وطرح التقليد جانباً كيفما كان الأمر فجزاهم الله خيراً وتغمدهما برحمته.
مع الشيخ عبد العزيز بن إدريس:
وبعد ذلك بعشرين سنة اجتمعت مع الشيخ عبد العزيز بن إدريس من علماء تطوان وهو أحد تلامذة الشيخ الفاطمي فذكرت له الحكاية السالفة فقال لي وأنا أيضاً وقع لي ما يشبه هذا فإني بعد إتمام دراستي في جامع القرويين ذهبت إليه وهو أفضل شيوخي فقلت له أيها الشيخ أريد أن أرجع إلى وطني تطوان فأريد أن تزودني بدعائك الصالح وأن تلقنني ورد الطريقة التجانية، فقال لي يا أسفي عليك، أنت تحفظ كتاب الله وقد درست العلوم الإلهية التي تمكنك من فهم كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ولم يكفك ذلك كله حتى تطلب الهدى في غيره، والطريقة لا شيء فعليك بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فكشف الله عني بفضله ظلام الشرك والبدعة، وفتح لي باب التوحيد والاتباع فله الحمد والمنة نسأله أن يثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة إنه الهادي إلى الصراط المستقيم. (الهدية الهادية من ص7-21)
(253/24)
الدكتور عبد الله الشارف
هذه قصة حقيقية حدثت لأستاذي الذي درسني مادة الفلسفة في مرحلة الماجستير وهو الدكتور عبد الله الشارف أستاذ التعليم العالي بكلية أصول الدين بجامعة القرويين بالمغرب وقد طلبت منه شخصياً أن يرويها لي بلسانه وطلبت الإذن في نشرها وقد دونها بكتابه الموسوم: «تجربتي الصوفية في ميزان الكتاب والسنة»، وقد حدثت أثناء دراسته الدكتوراه في جامعة السوربون بفرنسا، وحاولت تلخيصها ليعرف القراء فساد وضلال الصوفية وانحرافهم عن الدين الصحيح.
بدأ طفولته منتظماً ومريداً في سلك الطريقة العيساوية الشاذلية بزاوية بحي من أحياء مدينة تطوان يسمى حي العيون ، وهي فرع عن الزاوية الأصلية الكائنة بمدينة مكناس حيث يرقد جثمان الشيخ الكامل محمد بن عيسى وإليه تنسب الطريقة المذكورة.
وكان صاحب التجربة من خدام الزاوية وله ورد رسمي للمؤيدين يسمى بـ «حزب سبحان الدائم» كل يوم بعد صلاة المغرب بطريقة جماعية، وعلى رأس كل سنة هجرية يحتفل الفقراء بـ «الليلة الكبيرة»، حيث يذبح عجل، ويباع لحمه داخل الزاوية على طريقة المزاد العلني الدلالة ويتسابق الناس على شراء نصيبهم من اللحم لبركة الزاوية ، مع اجتماع وتوافد جل أتباع الزوايا الأخرى مثل الزاوية التيجانية والزاوية الدرقاوية والقادرية لحضور الحفل.
ومما لا شك فيه أن هذا المناخ الذي عاشه الدكتور المفعم بالسعادة الروحية الناتجة عن ممارسة الذكر الصوفي والاحتكاك بالفقراء كان له اثر عميق في كيانه ، فأوقد فيه محبة الصوفية في قلبه ولم يصل بعد سن البلوغ.
وهذه من أحد العوامل الأساسية وغير المباشرة في اقتحامه التجربة الصوفية لاحقاً عند التحاقه بمدينة باريس بفرنسا لإكمال دراسته العليا.
وقبل ذلك بعد حصوله على الباكلوريا ـ أي: الثانوية العامة ـ، انتقل إلى مدينة فاس لمتابعة دراسته الجامعية، فاختار شعبة الفلسفة، لولوعه بالفكر والفلسفة والثقافة الإسلامية.
(254/1)
وكما قلت: قصد فرنسا من اجل التحصيل العلمي، فولج جامعة السوربون في شعبة علم الاجتماع تخصص الانتربولوجيا الاجتماعية والثقافية.. ومن العوامل التي يسرت ومهدت للخلوة الصوفية، يقول:
1ـ جو الحرية والإباحية في العاصمة الفرنسية.
2ـ ربط علاقات الصداقة بفرنسيين متصوفة.
3ـ معاناته الروحية والنفسية.
ثم إن الدكتور حصلت له قناعة، مع طول تأمل وبحث في بطون كتب الفلسفة وعلم النفس بالإضافة إلى كتب التصوف ، أنه لا يمكن لإنسان فهم نفسه حق الفهم دون امتلاك أداة الذوق، لان اجتياز العتبة ودخول المنزل أمر متوقف على الذوق، فبدأ الدكتور يكثر من الرياضة الروحية، ويكثر من الصيام، فصام أربعين يوماً متتالية مع الاجتهاد في الذكر والعبادة، ثم التقليل من كمية الأكل ما يقرب سنة إلى أن هزل جسمه وصار يشعر بخفة نفس وصفاء ذهن كما صار يتحسس خمود القوى النفسية الحيوانية كالغضب والشهوة.. وهذا ما عبر عنه هو بقوله: «الولادة الثانية، الولادة المعنوية في حياة الصوفية الجديدة، وهي طريق صوفي باطني تطهيري يصل بصاحبه إلى درجة الفناء».
(254/2)
فباتت مسألة الخلوة تؤرقه وهي ما يصطلح عليها الصوفية بالخلوة الأربعينية، واغتر فيها كما يقول بحديث منسوب إلى النبي - صلى الله عليه وسلم- «من أخلص لله أربعين يوماً أجرى الله ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه» (حديث موضوع لا يصح. انظر موسوعة الأحاديث الضعيفة والموضوعة 176/9). فتأثر به وظنه صحيحاً ولم يتحمل عناء البحث عن مدى صحة الحديث كما هو شأن معظم الصوفية.. وكانت البداية فاشترى ثلاثة أو أربعة كيلو غرامات من الدقيق، ولتراً واحداً من الزيت وقليلاً من السكر والعنب المجفف والملح، وبعض العلب من الحليب، ودخل مسكنه في الحي الجامعي بمدينة انطوني وكان يهيئ طعامه، يجعل جزءاً منه للإفطار بعد صلاة المغرب، وجزءاً آخر احتفظ به لوقت السحور وهو عبارة عن رغيف كان يصنعه لنفسه، واعتمد طريقة الإقلال حتى صار بعد أسبوعين يكتفي بربع الرغيف في المغرب وربع آخر في السحور مع حبات الزبيب المجفف، ثم يوزع وقته بين الصلاة والتلاوة والذكر والتأمل والتدبر..
وفي بداية الأسبوع الثاني عزم على ممارسة الذكر بالاسم المفرد الله.. الله.. الله..لم يكد يمر يومان حتى حصل ما لم يستطع تحمله في الساعات الأولى كما يقول: «فوجئت بموسيقا تنفجر في دماغي وكانت ألذ ما سمعت أذناي..!! ولها شبه بمقاطع السنفونيات الشهيرة..»
(254/3)
وثم بدأ يكثر تلاوة القرآن وكان هذا في الأسبوع الثالث حتى أصبح قلبه مشغوفا بالقرآن كما يقول: «كلما شرعت في قراءته أجهشت بالبكاء.. فأشعر ببرد اليقين والأمن والطمأنينة.. أجد أثرها اللذيذ في صدري وجوارحي وسائر أعضائي..» ثم يسرد قائلا: إنه في ليلة من الليالي يقرأ سورة لقمان وفي منامه تلك الليلة زاره رجل يناهز السبعين فاخبره أنه «الحكيم الترمذي» فقال له: أنا أتيتك لأفسر لك سورة لقمان وأعلمك الحكمة، ثم انطلق يفسرها له تفسيرا باطنياً غريباً فأخبره بعد انتهائه من تفسيرها قائلا: يا عبد الله: فإنك بدأت معراجك الروحي وإنك الآن في السماء الثانية على قدم عيسى؟!! ومرة أخرى رأى في منامه رجلاً عرفه بنفسه: أنا «محي الدين ابن عربي» جئت أعلمك كلمات واحتفظ صاحب التجربة بعبارات منها: «ولسان حالي قول روحي أنا لم أكن يوماً هنا أو في مكان..!!» ولا يخفى على ذي بصيرة أن العبارة لها علاقة بنظرية وحدة الوجود الصوفية.
ولما أشرف على نهاية أيام الخلوة أيقن الدكتور بأن ما يغمره من السعادة الباطنية والطمأنينة وما يسمعه من ألوان الذكر والموسيقا وما يحس به من حلاوة روحية واعتزال الناس، فغدا عقله مشغولاً كيف يحتفظ بهذه اللذة والكنز الثمين.
فعقد العزم على الإعراض عن الزواج والتفكير فقط في الانشغال بالذكر والعبادة والخلوة، إلى أن فكر في الهجرة إلى الهند أو تركيا ليعيش في فضاء الروح والتنعم بنسيم الإشراقات والإلهامات..؟ حيث يمكنه أن يحيا حياة صوفية بعيداً عن الأقارب والأحباب والأصدقاء لكن يقول: إن مشيئة الله تدخلت وحلت عنايته وانتشلته من أيدي الشياطين التي كانت على وشك الإلقاء به في أودية الهلاك والضلال.
(254/4)
والخلاصة كما يقول صاحب التجربة: إن الحالة النفسية التي كان يعيشها أشبه بالأحوال التي تعتري الصوفية وكثيراً ما تطغى الحال على العقل والعلم عند أهل التصوف.. ومن هاهنا دخل الداخل على أكثر السالكين وانعكس سيرهم حيث أحالوا العلم على الحال وحكموه عليه.
ثم يحمد الله أن طهره من أدران وشوائب هذا المنهج المنحرف في العبادة والسلوك ويقول: قد أعاد الله الإرادة إلى مجراها الطبيعي حيث العبودية لله ونهج المصطفى عليه الصلاة والسلام إلى عقيدة أهل السنة والجماعة.
كتبه: أحمد عبد الرحمن الكوس
(254/5)
الشيخ بهجة البيطار
( ومن أعجب العجب ، أن والد الشيخ بهجة كان صوفياً من غلاة الصوفية ، القائلين بوحدة الوجود، على مذهب ابن عربي ، وابن سبعين والحلاج ...) ((رجال من التاريخ ص416-417))
علامة الشام محمد بهجة البيطار من بيت غلاة الصوفية ثم تركه
محمد بهجة بن محمد بهاء الدين البيطار ، العالم الفقيه ، والمصلح الأديب ، والمؤرخ الخطيب ، ولد بدمشق في أسرة دمشقية عريقة ، جدها الأعلى من الجزائر.
كان والده من شيوخ دمشق ، ومن غلاة الصوفية ، يقول الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله:
( ومن أعجب العجب ، أن والد الشيخ بهجة كان صوفياً من غلاة الصوفية ، القائلين بوحدة الوجود، على مذهب ابن عربي ، وابن سبعين والحلاج ...) ((رجال من التاريخ ص416-417))
نشأ في حجره ، وتلقى عليه مبادئ علوم الدين واللغة .. ثم درس على يد أعلام عصره ، مثل: الشيخ جمال الدين القاسمي ، والشيخ محمد الخضر حسين ، والشيخ محمد بن بدران الحسني، والشيخ محمد رشيد رضا وغيرهم ، رحمهم الله جميعاً.
وكان تأثره بالشيخ جمال الدين القاسمي كبيراً ، قال عاصم البيطار ولد الشيخ بهجة:
(( وكان والدي ملازماً للشيخ جمال الدين ، شديد التعلق به ، وكان للشيخ – رحمه الله- أثر كبير ، غرس في نفسه حب السلفية ونقاء العقيدة ، والبعد عن الزيف والقشور ، وحسن الانتفاع بالوقت والثبات على العقيدة ، والصبر على المكاره في سبيلها ، وكم كنت أراه يبكي وهو يذكر أستاذه القاسمي ))
والحمد لله أسهم الشيخ في نشر العقيدة الصحيحة .. وتولى عدداً من المناصب العلمية ..
وقد اختير الشيخ ((بهجة البيطار)) في جمعية العلماء ، ثم في رابطة العلماء في دمشق.
وتولى الخطابة والإمامة والتدريس في جامع ((القاعة)) في الميدان خلفاً لوالده ، ثم في جامع ((الدقاق)) في الميدان أيضاً ، استمر فيه حتى وفاته.
(255/1)
تنقل في وظائف التدريس في سوريا والحجاز ولبنان ، كما أنه درّس في الكلية الشرعية بدمشق: التفسير والأخلاق ، ودرّس كذلك في دار المعلمين العليا وفي كلية الآداب في دمشق .. وبعد التقاعد قصر نشاطه على المحاضرات الجامعية والتدريس الديني.
وكان الشيخ عضواً في المجمع العلمي العربي ، ومشرفاً على مجلته.
سافر للحجاز وحضر مؤتمر العالم الإسلامي في مكة المكرمة عام 1345هـ ، وأبقاه الملك عبد العزيز فجعله مديراً للمعهد العلمي السعودي في مكة ، ثم ولاه القضاء ، فاشتغل به مدة ثم استعفاه ، فولاه وظائف تعليمية ، وجعله مدرساً في الحرم ،وعضواً في مجلس المعارف .. ثم دعي الشيخ لإنشاء دار التوحيد في الطائف ..
وكان خطيباً بارعاً يخطب ارتجالاً ..
وقد كان سبباً في هداية عدد كبير من طلبة العلم والمثقفين والأدباء إلى العقيدة الإسلامية الصحيحة ..
ومنهم الشيخ الأديب علي الطنطاوي حيث يقول عن تلكم الحوارات: (( لقد وجدت أن الذي أسمعه منه يصدم كل ما نشأت عليه ، فقد كنت في العقائد على ما قرره الأشاعرة والماتريدية ، وهو شيء يعتمد في تثبيت التوحيد من قريب أو بعيد على الفلسفة اليونانية ، وكنت موقناً بما ألقوه علينا ، وهو أن طريقة السلف في توحيد الصفات أسلم ، وطريقة الخلف أحكم ، فجاء الشيخ بهجة يقول: (بأن ما عليه السلف هو الأسلم ، وهو الأحكم) ... وكنت نشأت على النفرة من ابن تيمية والهرب منه ؛ بل وبغضه ، فجاء يعظمه لي ، ويحببه إليّ ، وكنت حنفياً متعصباً للمذهب الحنفي ، وهو يريد أن أجاوز حدود التعصب المذهبي ، وأن أعتمد على الدليل ، لا على ما قيل ... وتأثرت به ، وذهبت مع الأيام مذهبه مقتنعاً به ، بعد عشرات من الجلسات والسهرات في المجادلات والمناظرات ... )) ( رجال من التاريخ لعلي الطنطاوي صفحة (414)) .
(255/2)
ثم يقول الشيخ علي الطنطاوي ، رحمه الله تعالى: (( وكان اتصالي بالشيخ بهجة قد سبب لي أزمة مع مشايخي ، لأن أكثر مشايخ الشام ممن يميلون إلى الصوفية ، وينفرون من الوهابية ، وهم لا يعرفونها ولا يدرون أنه ليس في الدنيا مذهب اسمه الوهابية ، وكان عندنا جماعة من المشايخ يوصفون بأنهم من الوهابيين ، على رأسهم الشيخ محمد بهجة البيطار ... ))
رجال من التاريخ لعلي الطنطاوي صفحة (416).
ولقد ترك عدة مؤلفات قيمة منها:
1 – مسائل الإمام أحمد:أبو داود ((تعليق))
2 – أسرار العربية: لابن الأنباري ((تحقيق))
3 – قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث: محمد جمال الدين القاسمي ((تحقيق وتعليق))
4 – الإسلام والصحابة الكرام بين السنّة والشيعة
5 – تفسير سورة يوسف
6 – حياة شيخ الإسلام ابن تيمية: محاضرات ومقالات ودراسات
7 – الرحلة النجدية الحجازية: صور من حياة البادية
8 – حلية البشر في تاريخ القرن الثالث عشر/ لجده عبد الرزاق البيطار ((تحقيق وتقديم))
9 – الفضل المبين على عقد الجوهر الثمين ، وهو شرح الأربعين العجلونية: تأليف جمال الدين القاسمي ((تقديم وتحقيق))
10 – كلمات وأحاديث ، كان بعنوان: الثقافتان الصفراء والبيضاء.
توفي رحمه الله غرة جمادى الآخرة 1369هـ في دمشق ..
رحم الله الشيخ محمد بهجة البيطار ، فقد كان يحمل لواء الدعوة السلفية في الشام حينما كانت الصوفية سائدة ، والتعصب للمذاهب الفقهية غالباً.
كتاب (عُلماء الشام في القرن العشرين) .
(255/3)
الشيخ شمس الدين بن محمد أشرف البشتوني الأفغاني
ولد في بلاد الأفغان عام (1372هـ) ..
درس على يد والده القرآن ومبادئ النحو والصرف وشيئاً من الفقه الحنفي .. ثم واصل دراسته الثانوية والعالية حتى أكمل "الدرس النظامي" الذي وضعه الشيخ نظام الدين السهالوي الهندي الحنفي الصوفي ..
وحصل على شهادة "المولوي" وشهادة "الفاضل العربي" وشهادة "المنشئ الفاضل الفارسي" من جامعة بشاور .
وقد درس على أيدي علماء النقشبندية منهم محمد طاهر بن آصف الفنجفيري الحنفي النقشبندي الديوبندي .. والشيخ عبد الرحيم الشترالي .. والعلامة نقيب الرباطي والذي صار سلفياً ..
ثم وفقه الله إلى الهداية على يد الشيخ عبد الظاهر الأفغاني ..
ثم درس الشيخ في الجامعة الإسلامية وحصل على درجة "الليسانس" وشهادة "ماجستير" وشهادة "الدكتوراه" ودرس على يد عدد من كبار العلماء من أقطار العالم منهم شيخ العرب والعجم بديع الدين السندي والعلامة عبد العزيز بن باز والمحدث الألباني والفقيه محمد العثيمين والعلامة حماد الأنصاري المالي والمُحدث عبد المحسن العباد والحافظ محمد الجوندلوي وعمر الفلاني وعبد الله التهكالي البشاوري وعبد الظاهر الأفغاني وعلي الفقيهي وعبد الكريم الأثري وعبد الله الغنيمان وصالح العبود ... وغيرهم كثير ..
هاجر هوتين مرتين ، وجاهد باللسان والبنان والسنان وشارك المجاهدين لقتال الشيوعيين في أفغانستان ..
وأسس الجامعة الأثرية بسوات .. وألف عدداً كبيراً من المؤلفات .. وتفانى في نشر العقيدة السلفية وقمع الشرك والبدع والفتن .. وأوذي في الله مرات وكرات وأُرِيدَ اغتياله فنجاه الله.
ولهُ مؤلف في نقض عقيدته السابقة [ عداء الماتريدية للعقيدة السلفية * الماتريدية وموقفهم من الأسماء والصفات الإلهية ] وهي رسالة "الماجستير" الجامعية العالمية ..
يقول الشمس السلفي الأفغاني:
(/1)
(( أشكر الله سبحانه وتعالى وأحمده على أن هداني إلى الإسلام الصحيح الصافي المتضمن للعقيدة السلفية التي عليها سلف هذه الأمة ، وأئمة السنة ))
وقال عن ( مكانة الماتريدية في صدري ) :
(( لقد وجهت نقدي -وأنا طويلب صغير ، وباعي قصير- إلى أناس أعرف قدرهم ومنزلتهم في العلوم ، فإذا أنظر إلى عُلو مكانتهم ، وأرْفَعُ رأسي لأنظر إلى رفيع درجتهم -تسقط قلنسوتي، وأكاد أسقط على ظهري- ولهم في صدري احترام لما عندهم من علوم جمة غزيرة ، وزهد وتقوى ، وتأله ، وحسن النية والإخلاص ، والاجتهاد في الوصول إلى الحق ، وموافقتهم الحق في كثير من المسائل ، وخدمتهم للإسلام في كثير من الجوانب. كيف لا ، وقد تعلمت فرائض ديني على أيديهم ، وهم شيوخي في العلوم الشرعية: من التفسير والفقه ، والأصول ، والعربية: من النحو والصرف والأدب والمعاني والبيان والبديع ، والعقلية: من الكلام والمنطق والفلسفة والمناظرة.غير أن هذا لا يَصُدَّنَّنِيْ عن أن أصارحهم بالحق. وأنصحهم بالذي أحب لنفسي ولهم من الرجوع إلى العقيدة السلفية ونبذ العقائد البدعية. أو أن أزن عقائدهم بميزان الكتاب والسنة ، وأبين أخطاءهم ، لهم خاصة ، ولغيرهم عامةً. وقد تصديت لهم بعد أن استخرت الله تعالى ، وظننت أني سأوفي الموضوع حقه ؛ لما كنت من خلطائهم برهة من الدهر في كثير من بدعهم ، وخرافاتهم ، وعرفت كثيراً من بجرهم و عجرهم ، كما عرفت كثيراً من أسرارهم تحت أستارهم ، وكثيراً من خباياهم في زواياهم ، ونصبهم العداء للعقيدة السلفية وحامليها. وصاحب البيت أدرى بما فيه ، وأهل مكة أعرف بشعابها. وعلمت أن من واجبي ، وأنه من أفضل الجهاد في سبيل الله. ولنعم ما قيل:
من الدين كشف العيب عن كل كاذب ** وعن كل بدعي أتى بالمصائب)
وقد أبان عن اعتقاد الماتريدية ورد عليهم بثلاث مجلدات كبار ونصر العقيدة السلفية .. فجزاه الله خيراً ..
وختم كتابه 3/319 بالحمد ثانية على الهداية فقال:
(/2)
(( الحمد لله تعالى حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى ، وأشكره سبحانه وتعالى على ما أسبغ عليَّ نعمه الظاهرة والباطنة. وأهمها هدايتُهُ تعالى إياي إلى الإسلام الصحيح المتضمن للعقيدة السلفية ، ومنها سلوكُه تعالى بهذا العبد الفقير إليه سبحانه طريق العلم النافعِ ، ومنها توفيقه سبحانه إياي لإتمام هذا الكتاب وتَيسيره عَليّ))
(/3)
الشيخ عبد الرحمن الوكيل
الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق، ليظهره على الدين كله، والصلاة والسلام على عبد الله ورسوله محمد خاتم النبيين وسيد ولد آدم أجمعين، وبعد: فإنه كانت لي بالتصوف صلة هي صلة العبر بالمأساة، فهنالك -حيث يدرج بي الصبا في مدارجه السحرية، وتستقبل النفس كل صروف الأقدار بالفرحة الطرب، وتستثني الروح ربا الجمال والحب من كل معاني الحياة- هنالك تحت شفوف الأسحار الوردية من ليالي القرية الوادعة الحالمة، وفي هيكل عبق بغيوم البخار، جثم على صدره صنم صغير يعبده كثير من شيوخ القرية، هنالك في مطاف هذه الذكريات الولهى: كان يجلس الصبي بين شيوخ تغضضت منهم الجباه، وتهدلت الجفون، ومشى الهرم في أيديهم خفقات حزينة راعشة، وفي أجسادهم الهضمية تحولاً ذابلاً، يتراءون تحت وصوصة السراج الخافت أوهام ضيعته الخيبة، وبقايا آمال عصف بها اليأس.
وتتهدج ترانيم الشيوخ تحت السحر -نواحاً بينها صوت الصبي- بالتراتيل الوثنية، وما زال الصبي يذكر أن صلوات ابن مشيش، ومنظومة الدردير كانتا أحب التراتيل إلى أولئك الشيوخ، وما زال يذكر أن أصوات الشيوخ كانت تشرق بالدموع، وتئن فيها الآهات حين كانوا ينطقون من الأولى: "اللهم انشلني من أوحال التوحيد!!" ومن الثانية "وجدلي بجمع الجمع منك تفضلاً" يا للصبي الغرير التعس المسكين!! فما كان يدري أنه بهذه الصلوات المجوسية يطلب أن يكون هو الله هوية وماهية وذاتاً وصفة!! ما كان يدري ما التوحيد الذي يضرع إلى الله أن ينشله من أوحاله!! ولا ما جمع الجمع الذي يبتهل إلى الله أن يمن به عليه.
(/1)
ويشب الصبي، فيذهب إلى طنطا ليتعلم، وليتفقه في الدين. وثمة يسمع الكبار من شيوخه يقسمون له، ولصحابه: أن "البدوي" قطب الأقطاب، يصرف من شئون الكون، ويدبر من أقداره وغيوبه الخفية!! ويجرؤ الشاب مرة فيسأل خائفاً مرتعداً: وماذا يفعل الله؟! ويهدر الشيخ غضباً، ويزمجر حنقاً، فيلوذ الشاب بالرعب الصامت، وقد استشعر من سؤاله، وغضب الشيخ، أنه لطخ لسانه بجريمة لم تكتب لها مغفرة!! ولم لا؟ والشيخ هذا كبير جليل الشأن والخطر، وما كان يستطيع الشاب أبداً أن يفهم أن مثل هذا الخبر الأشيب –الذي يسائل عنه الموت- يرضى بالكفر، أو يتهوك مع الضلال والكذب. فصدق الشاب شيخه وكذب ما كان يتلو قبل من آيات الله {10:3 ثم استوى على العرش، يدبر الأمر، ما من شفيع إلا من بعد إذنه}! ثم يقرأ الشاب في الكتب التي يدرسها: أن الصوفي فلاناً غسلته الملائكة، وأن فلاناً كان يصلي كل أوقاته في الكعبة، في حين كان يسكن جبل قاف، أو جزائر واق الواق!! وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم مد يده من القبر وسلم على الرفاعي!! وأن فلاناً عذبته الملائكة، لأنه حفظ القرآن والسنة وعمل بما فيهما، ولكنه لم يحفظ كتاب الجوهرة في التوحيد!!! وأن مذهبنا في الفقه هو الحق وحده، لأنه أحاديث حذفت أسانيدها!! ويصدق الشاب بكل هذا، ويؤمن، وما كان يمكن إلا أن يفعل هذا.
إذ قال في نفسه: لو لم تكن هذه الكتب حقاً، ما درست في الأزهر، ولا درسها هؤلاء الهرمون من الأحبار ولا أخرجتها المطبعة!! وهل كان يمكن أن يسأل نفسه مثلاً مثل هذا السؤال: أين من الحق البين من كتاب الله، هذا الباطل العربيد في هذه الكتب؟! لا، فلقد جيء به إلى طنطا ليتفقه في الدين على هؤلاء الشيوخ، وهاهو فقه الدين يسمعه من الشيوخ، ويقرؤه في الكتب، وحسبه هذا!!
(/2)
وتموج طنطا بالوفود، وتعج بالآمين بين الطاغوت الأكبر من كل حدب، ويجلس الشاب في حلقة يذكر فيها الصوفية اسم الله بخنات الأنوف، ورجات الأرداف ووثنية الدفوف، وثمة يسمع منشد القوم يصيح راقصاً: "ولي صنم في الدير أعبد ذاته" فتتعالى أصوات الدراويش طروبة الصيحات: "إيوه كده اكفر، اكفر يا مربي" ويرى الشاب على وجوه القوم فرحاً وثنياً راقص الإثم بما سمعوا من المنشد الكافر، فيسأل شيخنا ممن وفدوا من أهل قريته: يا سيدي الشيخ، ما ذلك الصنم المعبود؟! فيزم الشيخ شفتيه، ثم يجود على الشاب الواله الحيرة بقوله: "انته لسه صغير"!! ويسكت الشاب قليلاً، ولكن الكفر يضج في النعيق، فيسمع المنشد يقيء "سلكت طريق الدير في الأبدية" "وما الكلب والخنزير إلا إلهنا" ويطوي الشاب نفسه على فزع وعجب يسائل الذهول: ما الكلب؟ ما الخنزير؟ ما الدير وأنى للذهول بأن يجيب؟! ولقد خشي أن يسأل أحد الشيوخ ما دام قد قيل له: "انته لسه صغير" ثم إنه رأى بعض شيوخه الكبار يطوفون بهذه الحمآت، يشربون "القرفة" ويهنئون الأبدال والأنجاب والأوتاد بمولد القطب الغوث سيدهم البدوي!!!
وتكفن دورات الفلك من عمر الشاب سنوات، فيصبح طالباً في كلية أصول الدين فيدرس أوسع كتب التوحيد -هكذا تسمى- فيعي منها كل شيء إلا حقيقة التوحيد، بل ما زادته دراستها إلا قلقاً حزيناً، وحيرة مسكينة. ويجلس الشاب ذات يوم هو وصديق من أصدقائه مع شيخ صوفي أمي. فيسأله عن معاني بعض تهاويل ابن عطاء السكندري "إرادتك التجريد مع إقامة الله إياك في الأسباب من الشهوة الخفية، وإرادتك الأسباب، مع إقامة الله إياك في التجريد، انحطاط على الهمة العلية". ويحار الطالبان، ولا يدريان بم يجيبان هذا الأمي عن هذه الحكم المزعومة -وقد عرفا بعد أنها تهدف إلى تقرير أسطورة رفع التكليف- فتمتلئ نفساهما بالغم المهموم، إذ رسبا في امتحان عقده لهما أمي صوفي؟!
(/3)
ويدور الزمن فيصبح الشاب طالباً في شعبة التوحيد والفلسفة، ويدرس فيها التصوف، ويقرأ في كتاب صنفه أستاذ من أساتذته، رأي ابن تيمية في ابن عربي. فتسكن نفس الشاب قليلاً إلى ابن تيمية، وكان قبل يراه ضالاً مضلاً. فهذا البهتان الأثيم نعته الدردير!!
وكانت عنده لابن تيمية كتب، بيد أنه كان يرهب مطالعتها، خشية أن يرتاب في الأولياء، كما قال له بعض شيوخه من قبل!!
وخشية أن يضل ضلال ابن تيمية.. ويقرأ الشاب، ويستغرق في القراءة، ثم ينعم القدر على الشاب يصبح مشرق يهتك عنه حجب هذا الليل، فيقر به سراه المضني عند جماعة أنصار السنة المحمدية، فكأنما لقي بها الواحدة الندية السلسبيل بعد دوي ملتهب الهجير. لقد دعته الجماعة على لسان منشئها فضيلة والدنا الشيخ محمد حامد الفقي إلى تدبر الحق والهدى من الكتاب والسنة، فيقرأ الشباب ويتدبر ما يقرأ وثمة رويداً رويداً ترتفع الغشاوة عن عينيه، فيبهره النور السماوي، وعلى أشعته الهادية يرى الحقائق، ويبصر القيم. يرى النور نوراً والإيمان إيماناً، والحق حقاً، والضلال ضلالاً، وكان قبل -بسحر التصوف- يرى في الشيء عين نقيضه، فيؤمن بالشرك توحيداً، وبالكفر إيماناً، وبالمادية الصماء من الوثنية: روحانية عليا، ويدرك الشاب -وهو لا يكاد يصدق- أن التصوف دين الوثنية والمجوسية، دين ينسب الربوبية والإلهية إلى كل زنديق، وكل مجرم، وكل جريمة!! دين يرى في إبليس، وفرعون، وعجل السامري، وأوثان الجاهلي، يرى في كل هؤلاء الذين لعنتهم كتب الله، بل لعنتهم حتى العقول، يرى فيهم أرباباً وآلهة تهيمن على القدر في أزله وأبده، دين يرى في كل شيء إلهاً يجب أن يعبد. ورباً يخلق ما يشاء ويختار، دين يقرر أن حقيقة التوحيد الأسمى: هي الإيمان بأن الله -سبحانه- عين كل شيء. دين لا تجد فيه فيصلاً بين القيم، ولا بين حقائق الأشياء، ولا بين الضد وضده، ولا بين النقيض ونقيضه. دين يقول عن الجيف - يتأذى منها النتن، وعن
(/4)
الميكروبات تفتك سمومها بالبشرية - إنها هي الإله، وسبحان ربنا!! دين يقول عن القاتل، عن السارق، عن الباغي، عن كل وغد تسفل في دناءته، عن كل طاغية بغى في تجبره. يقول عن كل هؤلاء: إنهم عينات الذات الإلهية!! فأي إله هذا الذي يقتل، ويبغي، ويفسد في الأرض؟ أي إله هذا الذي يدب تحت جنح الليل تتلظى في عينيه، وعلى يديه الإثم والجريمة الضارية؟ أي إله هذا الذي يلعق دم الضحايا يبرد به غلته، ويخضب بدماء الأعراض التي سفحها يديه الظالمتين؟ أي إله هذا الذي مشى في أيام التاريخ ولياليه بطشاً وظلماً وجبروتاً يدمر، ويخرب، ويصنع القصة الأولى لكل جريمة خاتلة؟! ومن يكون إلا إله الصوفية الذي ابتدع أسطورته سلف ابن عربي، وابن الفارض وغيرهما!!؟.
أيتها البشرية التي تهاب القانون، أو ترهب السماء!! ها هو دين التصوف يناديك ملحاً ملهوف النداء: أن تنحدري معه إلى حيث تترعين من كل خمرة مخمورة، وتتلطخين بكل فسق، وتتمرغين في أوحال الإثم!! وأنتم أيها العاكفون في المساجد؛ لا حاجة بكم إلى الصلاة والصوم والحج والزكاة، بل لا حاجة بكم إلى رب تحبونه وتخافونه، وترجونه، ولا إله تعبدونه.
لم هذا الكدح والجهاد والنصب والعبودية؟ لم هذا وكل فرد منكم في حقيقته هو الرب، وهو الإله كما يزعم الصوفية!!؟ ألا فأطلقوا غرائزكم الحبيسة، ودعوها تعش في الغاب والدخل وحوشاً ضارية، وأفاعي فتاكة! وأنتم يا بني الشرق! دعوا المستعمر الغاصب يسومكم الخسف والهوان، ويلطخ شرفكم بالضعة، وعزتكم بالذل الهين، ويهيمن على مصائركم بما يهوى بطشه الباغي، وبغية الظلوم. دعوه يهتك ما تحمون من أعراض، ويدمر ما تشيدون من معال، وينسف كل ما أسستم من أمجاد، ثم الثموا ضارعين خناجره وهي تمزق منكم الحشاشات، واهتفوا لسياطه، وهي تشوي منكم -أذلاء- الجلود. فما ذلك المستعمر عند الصوفية سوى ربهم، تعين في صورة مستعمر.
(/5)
دعوا المواخير مفتحة الأبواب، ممهدة الفجاج. ومباءات البغاء تفتح ذراعيها الملهوفتين لكل شريد من ذئاب البشر، وحانات الخمور تطغى على قدسية المساجد، وأقيموا ذهبي الهياكل للأصنام، وارفعوا فوق الذرى منتن الجيف، ثم خروا ساجدين لها، مسبحين باسم ابن عربي وأسلافه وأخلاقه فقد أباح لكم أين تعبد الجيفة، وأن تتوسلوا إلى عبادتها بالجريمة!!
ذلكم هو دين التصوف في وسائله وغاياته وتلك هي روحانيته العليا!!.
ألا فاسمعوها غير هيابة ولا وجلة، واصغوا إلى هتاف الحق يهدر بالحق من أعماق الروح: إن التصوف أدنأ وألأم كيد ابتدعه الشيطان ليسخر معه عباد الله في حربه لله، ولرسله، إنه قناع المجوسي يتراءى بأنه رباني، بل قناع كل عدو صوفي، العداوة للدين الحق، فتش فيه تجد برهمية، وبوذية ، وزرادشتية، ومانوية وديصانية، تجد أفلوطينية، وغنوصية، تجد يهودية ونصرانية، ووثنية جاهلية، تجد فيه كل ما ابتدعه الشيطان من كفر، منذ وقف في جرأة الصوفية يتحدى الله، ويقسم بعزته أنه الذي سيضل غير المخلصين من عباده. تجد فيه كل هذا الكفر الشيطاني، وقد جعل منه الشيطان كفراً جديداً مكحول الإثم متبرج الغواية، متقتل الفتون، ثم سماه للمسلمين: (تصوفاً) وزعم لهم -وأيده في زعمه القدامية والمحدثون من الأحبار والرهبان- أنه يمثل أقدس المظاهر الروحية العليا في الإسلام!! أقولها عن بينة من كتاب الله، وسنة خير المرسلين صلوات الله وسلامه عليه، وبعون من الله، سأظل أقولها، لعلي أعين الفريسة التعسة على أن تنجو من أنياب هذا الوحش الملثم بوشاح الدعة الحانية العطوف.
(/6)
ولكن الصوفية سوداً وبيضاً، خضراً وحمراً، سلوهم: ما ردكم على هذا الصوت الهادر من أعماق البحر؟ سيقولون ما قالت وثنية عاد (إن نراك إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء) وآلهتهم هي قباب أضرحة الموتى وأعتابها!! دمغناهم بالحق، فراحوا يعوون عواء اللص الحذر، وقع فجأة في قبضة الحارس، وجأروا بالشكوى الذليلة إلى النيابة، فلم تر النيابة فيمن يمسك بالبريء إلا مجرماً، وشكوا إلى رئيس حكومة سابق، وختموا الشكاة بهذه الضراعة الذليلة: "والله نسأل لمقامكم الرفيع الخير والسؤدد في ظل حامي الدين حضرة صاحب الجلالة المعظم صان عرشه، وأيد حكومته الرشيدة وألهمها التوفيق" (قدموا هذه الشكوى بتاريخ 4 أغسطس سنة 1951م)، فلم يرى الرئيس السابق فيمن يثرم أنياب الرقطاء مجرماً. وطاح الحق ببغي إلههم وملاذهم حامي دينهم، كما كانوا يلقبونه.
وما زلنا -بعون من الله-نستلهمه- بكتاب الله نتحداهم، وبسنة رسوله صلى الله عليه وسلم نحاججهم، والله على كل شيء شهيد، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
(/7)
سيقول الناعمون -من ذوي الألسنة التي استمرأت كلمات الذل والعبودية، وليونة النفاق، وممن يتملقون الجماهير على حساب الحق، ويزعمون أنهم لا يحبون إثارة شقاق، أو جدال، ولا الطعن على أحد -سيقول هؤلاء: ما هكذا يكون النقد، ولا هكذا يكون البحث العلمي!! لا. أيها المدللون الخانعون للأساطير، فإنا لسنا أمام جماعة مسلمة، فنخشى إثارة الشقاق بينهم، ولو خشي الرسول مثل هذا لمالأ قريشاً على حساب الحق، ولكنه صلى الله عليه وسلم أطاع أمر ربه {94:15 فاصدع بما تؤمر، وأعرض عن المشركين} ووعى قلبه - المشرق المؤمن الطهور التقي- موعظة ربه فيما قاله له العلي الكبير {9:68 ودوا لو تدهن فيدهنون} وفيما قال له {75:17 وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك، لتفتري علينا غيره، وإذا لاتخذوك خليلاً، ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئاً قليلاً، إذا لأذقناك ضعف الحياة، وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيراً} فكان سيد ما يستغفر به الرسول الكريم الأمين ربه: [اللهم أنت ربي، لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت] فكيف بنا نحن اليوم الذين أمرنا أن جعل الرسول وحده لنا الأسوة؟!
ولسنا كذلك أمام فئة تحترم العقل، بل تزدريه وتحقره، ثم تهب في قحة طاغية الجراءة لتشتم الله، وتذود عن إبليس وفرعون وعباد العجل والوثن، داعية المسلمين إلى اتخاذ هؤلاء أرباباً وآلهة، وسيرد على القارئ عشرات النصوص من نصوص ابن عربي وتائية بن الفارض شهيدة عليهم بما ذكرت، وابن عربي وابن الفارض قطبا التصوف، وإماما الصوفية المعاصرة. فكيف يعاب علينا أننا ندافع عن دين الله، وأنا نقول للشيطان: إنك أنت الشيطان؟
ما نقول عن رجل –وهو ابن عربي- يفتري أدنأ البهتان على الله، فيصوره في صورة رجل وامرأة يقترفان الإثم، مؤكداً لأتباعه أن الجسدين الآثمين هما في الحقيقة ذات الله، سبحانه؟! وسبحان رب العزة عما يصف الإثم.
(/8)
فلا نلام إذا هتكنا القناع عن وجه هذا الرجل، ليبصره المخدوعون به، ليبصره مسخاً ثانياً للشيطان؟ إننا في ميدان مستعر الأتون، يقاتلنا فيه عدو دنيء يتراءى أنه الأخ الشقيق الحنو، الندي الرحمة، فلا أقل من أن نحاربه بما يدفع ضره وشره، ويحول بينه وبين الفضاء على الرمق الذابل من عقائد المسلمين، وبين تشتيت الحشاشة الباقية من الجماعة الإسلامية. (مقدمة كتاب تنبيه الغبي إلى كفر ابن عربي من ص3-10، بقلم عبد الرحمن الوكيل).
(/9)
الشيخ عبد القادر الأرناؤوط
ولد الشيخ عبد القادر حفظه الله ، بقرية فريلا من إقليم كوسوفا من بلاد الأرنؤوط سنة 1347 هـ 1928 م .
وهاجر إلى دمشق بصحبة والده وبقية عائلته وسنه عندئذ ثلاث سنوات من جراء اضطهاد المحتلين الصرب ـ أذلهم الله ـ للمسلمين الألبان.
فطلب العلم من مدرس دمشق: درس في مدرسة الأدب الإسلامي مدة سنتين ؛ ثم في مدرسة الإسعاف الخيري إلى أن أنهى المرحلة الابتدائية .
ثم طلب العلم على يد الشيخ عبد الرزاق الحلبي ، وكذلك على يد الشيخ محمد صالح الفرفور من علوم العربية والمعاني والبيان والبديع والفقه والتفسير ما يقارب العشر سنوات.
وأخذ عن الشيخ سليمان غاوجي الألباني شيئاً من الفقه وعلم الصرف ، وقرأ القرآن وجوده على الشيخ صبحي العطار، وأعاده تجويدا على الشيخ محمود فايز الدير عطاني المقرئ تلميذ شيخ القراء محمد الحلواني ، وأعلى من هؤلاء كلهم أخذه عن علامة الشام الشيخ بهجة البيطار رحمه الله تعالى.
وكان يقول: كنا نجلس إلى شيخ صوفي اسمه عبد الله الهرري الحبشي (وهو غير الحبشي المعروف في لبنان) وما كان أحد منا يعرف بيته ، وكان دائماً يعظنا ويذكرنا بالزهد والتقليل من الطعام .... ، وذات يوم وفي يوم عيد استدل أحد الإخوة على بيته فذهبنا نزوره في بيته أنا وبعض الإخوة ، وهناك كانت المفاجأة ، حيث ظهر لنا ما بهرنا من الإسراف والبذخ ......، فكانت مفارقتنا له ، والحمد لله.
قصة طرده من مجلس الشيخ صالح الفرفور ، رحمه الله.
لقد كان الشيخ عبد القادر تلميذاً كما أسلفنا للشيخ صالح الفرفور قرأ عليه كعامة من كان يقرأ في معهد الفتح ، قرأ من علوم العربية والمعاني والبيان والبديع والفقه والتفسير الكثير في مدة تقرب من عشر سنوات .
وكان مما قرأه من كتب الفقه الحنفي:
(/1)
حاشية ابن عابدين ، وحاشية الطحاوي ، ونور الإيضاح ، ومراقي الفلاح ، وغيرها. وكان أثناء قراءته على الشيخ صالح في الحاشية لابن عابدين ، تمرُّ بهم أحاديث ، فيسأل الشيخ عبد القادر عنها صحة وضعفاً ونحو ذلك ، فكانت الكلمة المشهورة المتداولة على ألسنة المشايخ بدمشق تخرج من فم الشيخ صالح الفرفور ـ سامحه الله ـ كالسهم: (لا تعترض فتنطرد) .
وفي إحدى المرات اشترى الشيخ عبد القادر كتاب (الوابل الصيب) لابن القيم من إحدى المزادات بدمشق ، ولما لم يكن له مكتبة يومئذ ، و كان الشيخ عبد الرزاق الحلبي متميزاً في ذلك ، حيث كانت له مكتبة خاصة في جامع فتحي ، أراد الشيخ أن يلحقه بمكتبته ، فعلم بذلك الشيخ رمزي البزم ، وكان أكبرهم سناً - يعني في طلاب الشيخ صالح الفرفور - فقال بعد أن سمع بوضع شيخنا للكتاب بمكتبة الحلبي - بعد أن أنهى الشيخ صالح الفرفور درسه بالجامع الأموي: (عبد القادر !!! الليلة عندك محاكمة) هكذا مع إحداث ضجة في حلقة الدرس ...
وفعلا أشار إليه الشيخ صالح الفرفور وإلى الشيخ عبد الرزاق الحلبي وإلى الشيخ رمزي البزم أن قوموا إلى مكتبة الشيخ عبد الرزاق ، و هنا جرت المحاكمة و هذا سياقها:
قال الشيخ صالح الفرفور للشيخ عبد القادر: لمَ جئت بالكتاب - يريد : الوابل الصيب - ؟؟
قال الشيخ عبد القادر: لأني قرأت في مقدمته: في الذكر مئة فائدة ، ثم سردها .....
قال الشيخ صالح الفرفور: هل تعرف ابن القيم تلميذ من ؟
قال الشيخ عبد القادر: تلميذ ابن تيمية.
قال الشيخ صالح الفرفور ـ غفر الله له ـ: نحن نقرأ لابن تيمية.؟!!
قم وخذ صاحبك معك - يعني الشيخ شعيباً الأرناؤوط-
(/2)
وكان فيما بعد الشيخ الأرناؤوط حفظه الله يقول: «التصوف عندي هو ما كان بمعنى الرقائق التي تُليِّن القلوب وتهذِّب النفوس أمثال كتب ابن القيم – رحمه الله –. وإن أوّلَ مَنْ أثَّر في نفسي في أول طلب العلم هو الإمام ابن القيم عندما قرأت كتابه "الوابل الصيب من الكلم الطيب". وأما كتب الصوفية البعيدة عن منهج الحق، فلا أعمل بها وأنتقدها...».
فرحمة الله على الشيخ صالح الفرفور والشيخ رمزي البزم والشيخ عبدالقادرالاناؤوط، وأمد الله لنا في عمر الشيخ عبد الرزاق الحلبي ، والشيخ شعيب ، ونسأل الله لنا ولهم حسن الختام والرد إلى ما كان عليه نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، والحمد لله رب العالمين.
(/3)
الشيخ عبد القادر بن أحمد بن مصطفى بن بدران الدمشقي
ولد رحمه الله تعالى عام (1280–1346هـ) في بلدة "دوما" وعاش في بيئة كانت فيها الصوفية منتشرة ، والجهل فيها متفشٍ ، وقد قرأ على بعض الشيوخ الذين كان مسلكهم صوفياً ، وصرح بفضل الله عليه ، وأنه اتبع منهج السلف ، الذي هو أحكم والقرون المفضلة ، ومنهج الأئمة المصلحين.
يقول في هذا الصدد: (( إنني لما مَنَّ عليَّ بطلب العلم ، هجرت له الوطن والوسَن ، وكنت أطوف المعاهد لتحصيله وأذهب كل مذهب ... فتارة أطوح بنفسي فيما سلكه ابن سينا ... وتارة أتلقف ما سكبه أبو نصر الفارابي من صناعة المنطق ... ثم أجول في ميادين العلوم مدة – فارتدَّ إليَّ الطرف خاسئاً وهو حسير ... فلما هِمْتُ في تلك البيداء ، ناداني منادي الهدي الحقيقي: "هلمّ الشرف والكمال ، ودع نجاة ابن سينا الموهمة إلى النجاة الحقيقية ، وما ذلك إلا بأن تكون على ما كان عليه السلف الكرام من الصحابة والتابعين ، والتابعين لهم بإحسان ... ) فهنالك هَدأَ روعي ، وجعلت عقيدتي كتاب الله ، أكِلُ علم صفاته إليه بلا تجسيم ولا تأويل ولا تشبيه ولا تعطيل ، وانجلى على ما كان على قلبي من رَيْن أورثَته قواعدُ أرسطوطاليس ، وقلت ما كان إلا من النظر في تلك الوساوس والبدع والدسائس ... إن مَن اتبع هواه هام في كل وادٍ ، ولم يبالِ بأي شِعب سلك ولا بأي طريق هلك ... )) (المدخل إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل لابن بدران ص42-43) .
هذا جانب من عقيدته ، وهناك جانب آخر لا يقلّ عنه أهمية ، ألا وهو نبذ الخرافة والبدع المنكرة من الصوفية ، التي تختلق الكرامات وتنقلها عن أقطابها.
ومن ذلك قوله ـ رحمه الله ـ: ((أقول إن نقل الكرامات أصبح أمراً عسيراً ، لأن أصحاب الرجل (الولي والشيخ) يستعملون الغلو دائماً ، والأخبار تحتمل الصدق والكذب ... )) ثم ينقل عن المتصوفة قصصاً وأخباراً عجيبة في هذا المجال (منادمة الأطلال ومسامرة الخيال)
(/1)
يقول الشيخ محمد بن ناصر العجمي متحدثاً عن عقيدة ابن بدران:
وحدثني الأديب الكبير علي الطنطاوي ، حينما سألته عن العلامة ابن بدران فقال: ((كانت الوهابية تُعَدُّ تهمة خطيرة مخيفة ، وكانوا يحذروننا من الاجتماع بهم ، فوقفت مرة في حلقة ابن بدران ، العالم الحنبلي المعروف ، وكان هناك طلاب يمرّون في الأسواق ، فرأوني في حلقة ابن بدران وقدّموا فيّ تقريراً إلى المشايخ ، فضُربت (فلقة) في رجلي)) (علامة الشام:عبد القادر بن بدران ص22)
وسبب ذلك أن ابن بدران كان على منهج السلف ، ودمشق آنذاك ، وكذلك أكثر المدن السورية ، كانت على جمود المتصوفة ، والبعد عن مرونة العلماء المجتهدين في أيام الدولة العثمانية.
فقد كان ابن بدران يظهر تعلقه بأئمة السلف: ابن تيمية وابن القيم الجوزية ، فيقول: ((كان ابن تيمية على منهاج ما كان عليه الصحابة والتابعون بإحسان ، ويناهض حصون العادات السيئة والبدع ، فيدُكّها ولا يخشى في الله لومة لائم .. فهبّ قوم قصروا عن مداه ، فعاندوه حسداً وبغياً .. ولاشك أنه بلغ رتبة الاجتهاد المطلق ، فعليه رحمة الله)) (الفتاوى القازانية ص207)
أما مذهبه فقال محمد بن سعيد الحنبلي: ((... وكان شافعياً ثم تحنبل )) ، وسبب ذلك – كما قاله بعض المقربين عنه:
((كنت في أول عمري ملازماً لمذهب الإمام الشافعي –رحمه الله- سالكاً فيه سبيل التقليد ، ثم منَّ الله عليّ فحبب إليّ الاطلاع على كتب التفسير والحديث وشروحها ، وأمهات كتب المذاهب الأربعة ، وعلى مصنفات شيخ الإسلام وتلميذه الحافظ ابن القيم ، وعلى كتب الحنابلة ، فما هو إلا أن فتح الله بصيرتي وهداني من غير تحزب لمذهب دون مذهب ، فرأيت أنَّ مذهب الحنابلة ، أشد تمسكاً بمنطوق الكتاب العزيز والسنَّة المطهرة ومفهومها ، فكنت حنبلياً من ذلك الوقت)) (نبذة من ترجمة ابن بدران في آخر كتاب المدخل)
وقد عُينَّ مُفتياً للحنابلة ، ومُدرساً بالجامع الأموي .. وغير ذلك ..
(/2)
وقد ابتلي كثيراً ، من الحكام ومشايخ الدولة ، والصوفية ، والجهلة الأغمار ، وكان يشتكي من التعدي والحسد ، وتألبهم عليه ، يقول البارودي: " الشيخ ابن بدران أحد فقهاء قصبة دوماء ، وهو من العلماء المجددين . كان جريئاً لا يهاب أحداً ... " ثم ذكر أن من جرأته اعترض على بعض مخالفات رئيس بلدية دوما صالح طه ، فأصدر صالح طه أمراً من الوالي بإبعاد الشيخ ابن بدران عن دوما ، فانتقل إلى دمشق مدة سنتين حتى انتهت مدة نفيه ، وقد أفاد أهل دمشق وانتشرت دعوته الإصلاحية السلفية ، وخدم تاريخ دمشق بتهذيب تاريخ دمشق ، وألف (الروض الباسم في تراجم المفتين بدمشق الشام).
توفي رحمه الله في ربيع الثاني 1346. ودفن في مقبرة الباب الصغير بدمشق.
(/3)
الشيخ محمد الشايقي
في (جلاس) احدى قرى السودان، وبالتحديد سنة 1321هـ، رزق عمر بن عبد الهادي الشايقي ولداً، فشكر الله وسماه (محمد) .. ولما بدأ الطفل يعقل، أدخله في أحد الخلاوي ليحفظ القرآن الكريم، فتم لهُ ذلك، نظراً لهمة الطفل (محمد).
أفاق محمد على واقعٍ مؤلم في هذه القرية، دروشة صوفية خلوتية، قد أنكرها بفطرته وبما علم من كلام ربه، واستنكر بقلبه طقوس البدعة، وما يفعله بعض الجهلة من شركيات ووثنيات وبدع؛ ولكن أين الهدى؟!! وهو لا يعلم من الدنيا إلا هؤلاء الدراويش؟!! فمنذ ولد وهو بين هؤلاء الخلوتين .. فلما تضايق منهم ومما كان يرى أنكر.. فاستنكر عليه .. فعزم على طلب الحق .. لكن أين؟!
بدأ يسأل ويتساءل .. حتى رأى بصيص نورٍ أتى من بعيد، فما أن وجد ضالته إلا وهبَّ مسرعاً يحثُ الخطى إليه .. فعقد العزم على الذهاب إليه .. فأعلن رغبته بالحج وعقد العزم على الهجرة إلى النور ..
وفي عام 1337هـ والشاب في سنه السابعة عشر حج بمفرده، فلما انتهى من المناسك، بحث حتى يرتوي من معين كاد يهلك بدونه، فأنقذه الله، ورأى من ذلك البصيص النور، فعكف طالباً للعلم، ثم شد رحله إلى المدينة ليطلب العلم على علماء المدينة النبوية، فاستقر بها ولازم الشيخ محمد الطيب الأنصاري "رحمه الله" ولازمه ملازمة طويلة، ثم عاد إلى مكة المكرمة واستقر بها والتحق بدار الحديث ودرس بها .. وراسل أهل بلده في السودان وناصحهم .. ثم عين مدرساً بها ، ثم وكيلاً لمحمد حمزة الأزهري، ثم مديراً لها، ثم بعد التقاعد مشرفاً عليها ..
ومن أعماله الجليلة في ميدان العلم تصحيح بعض الكتب منها شرح البيقونية الذي شرحه محمد أمين الأثيوبي، أحد زملائه ..
وفي ميدان الدعوة والتعليم فقد لازم التعليم والدعوة منذ التحاقه بدار الحديث بمكة المكرمة، طالباً وداعية ومعلماً.
وكان من ثمرات دعوته الإصلاحية في الحجاج السودانيين الشيخ محمد هاشم الهدية ـ حفظه الله ـ.
(/1)
توفي رحمه الله في 4/10/1416هـ
اسأل الله أن يرفع منزلته في عليين، مع الشهداء والصديقين والنبيين .. وصلى الله على الهادي البشير، والسراج المنير، محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه وسلم.
(/2)
الشيخ محمد جميل زينو
يقول حفظه الله عن نفسه: ولدتُ في مدينةِ حلب بسورية، ولما بلغت العاشرة من عمري التحقتُ بمدرسة خاصة تعلمت فيها القراءة والكتابة، ثم التحقت بمدرسة دار الحفّاظ لمدّة خمس سنين حفظتُ خلالها القرآن الكريم كاملاً ولله الحمد، ثم التحقت بما يسمى آنذاك بالكلية الشرعية التجهيزية ـ وهي الآن الثانوية الشرعية ـ وهي تابعة للأوقافِ الإسلامية، وهذه المدرسة تجمع بين تدريس العلوم الشرعية والعصرية.
وأذكر أنّني درست فيها علم التوحيد في كتاب اسمه: ((الحصون الحميدية)) ،والذي يقرّر فيه مؤلفهُ توحيد الربوبية، وأن لهذا العالم رباً وخالقاً! وتبين لي في ما بعد خطأ هذا المنهج في تقرير العقيدة، فإن المشركين الذين قاتلهم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم كانوا مقرين بأن الله هو الخالق الرازق: {ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله ..}، بل إن الشيطان الذي لعنه الله كان مقراً بذلك، {قال رب بما أغويتني ..}، أما توحيد الإله الذي هو الأساس والذي به ينجو المسلم، فلم أدرسه ولا كنت أعلم عنهُ شيئاً.
كنت نقشبندياً:
(/1)
لقد كنت منذ الصغر أحضر الدروس وحلقات الذكرِ في المساجد، وقد شاهدني شيخ الطريقة النقشبندية فأخذني إلى زاوية المسجد، وبدأ يعطيني أوراد الطريقة النقشبندية؛ ولكن لصغر سني لم أستطع أن أقوم بها، لكني كنت أحضر مجالسهم مع أقاربي في الزوايا،وأستمع إلى ما يردّدونهُ من أناشيد وقصائد،وحينما يأتي ذكر اسم الشيخ كانوا يصيحون بصوتٍ مرتفعٍ، فيزعجني هذا الصوت المفاجئ،ويسبب لي الرعب والهلع، وعندما تقدمت بي السن بدأ قريب لي يأخذني إلى مسجدِ الحيّ لأحضر معه ما يسمى بالختمِ،فكنا نجلسُ على شكلِ حلقةٍ فيقوم أحد الشيوخ ويوزع علينا الحصى،ويقول: "الفاتحة الشريفة،الإخلاص الشريف" ،فنقرأ بعدد الحصى سورة الفاتحة والإخلاص،والاستغفار والصلاة على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالصيغةِ التي يحفظونها،ويجعلون ذلك آخر ذكرهم. ثم يقول الشيخ ذكرهم، لأن الشيخ –بزعمهم- هو الذي يربطهم بالله؛ فيهمهمون، ويصيحون، ويعتريهم الخشوع، حتى إن أحدهم ليقفز فوق رؤوس الحاضرين كأنّه البهلوان من شدّة الوجد ... إلى آخر ما كانوا يفعلونهُ من البدعِ المحدثةِ التي ما أنزل الله بها من سلطان.
كيف اهتديت إلى التوحيد؟
كُنتُ أقرأ على شيخي الصوفي حديث ابن عباس رضي الله عنهما، وهو قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((إذا سألتَ فاسألِ الله، وإذا استعنتَ فاستعِنْ بالله)) .
فأعجبني شرح النووي حين قال: "ثم إن كانت الحاجة التي يسألها،لم تجر العادة بجريانها على أيدي خلقه،كطلبِ الهداية والعلم .. وشفاء المرض وحصول العافية سأل ربه ذلك.وأما سؤال الخلق والاعتماد عليهم فمذموم".
فقلت للشيخ: هذا الحديث وشرحه يُفيدان عدم جواز الاستعانة بغير الله فيما لا يقدر عليهِ إلا الله.
فقال لي: بل تجوز!!
قلت: وما الدليل؟
(/2)
فغضب الشيخ وصاح قائلاً: إن عَمتي تقول يا شيخ سعد (وهو من الأولياء المزعومين الأموات) ، فأقول لها: يا عمتي وهل ينفعك الشيخ سعد؟ فتقول:أدعوه فيتدخل على الله فيشفيني!!
فقلت لهُ: إنك رجل عالم قضيت عمرك في قراءة الكتب،ثُم تأخذ عقيدتك من عمتك الجاهلة!!
فقال لي: عندك أفكار وهابية! (نسبة إلى الشيخ المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمه الله) وكُنتُ لا أعرف شيئاً عن الوهابية إلا ما أسمعه من المشايخ:فيقولون عنهم:إنهم مخالفون للناس،لا يؤمنون بالأولياء وكراماتهم المزعومة، ولا يحبون الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم .. إلى غير ذلك من التهم الكثيرة الكاذبة التي لا حقيقة لها.
فقلت في نفسي: إذا كانت الوهابية تؤمن بالاستعانة بالله وحده،وأن الشافي هو الله وحده،فيجب أن أتعرّف عليها.
وبحثت عن هذه الجماعة، فاهتديت إليها.كان لهم لقاء مساء كل خميس يتدارسون فيه التفسير والفقه والحديث ،فذهبت إليهم بصحبةِ أولادي وبعض الشباب المثقّف .. فدخلنا غرفة كبيرة .. وجلسنا ننتظر الدرس .. وبعد برهة من الزمن دخل الشيخ، فسلَّم علينا، ثم جلس على مقعده، ولم يقم لهُ أحد؛فقلتُ في نفسي: هذا الشيخ مُتواضعٌ، لا يُحِب القيام ......... ومن هنا بدأت رحلتي إلى التوحيدِ الخالصِ، والدعوةِ إليهِ، ونشرهِ بين الناس اقتداء بسيدِ البشرِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وإني لأحمد الله ـ عز وجل ـ الذي هداني لهذا،وما كنت لأهتدي لولا أن هداني الله،والحمد لله أولاً وآخراً.
(/3)
الشيخ محمد علي الطنطاوي
وكان هناك طلاب يمرّون في الأسواق ، فرأوني في حلقة ابن بدران وقدّموا فيّ تقريراً إلى المشايخ ، فضُربت (فلقة) في رجلي)) ( علامة الشام:عبد القادر بن بدران ص22) .
محمد علي الطنطاوي
من لا يعرف الشيخ الأديب الأريب الخطيب محمد علي الطنطاوي –رحمه الله تعالى- .. الذي جاهد بنفسه وماله وأهله لخدمة هذا الدين .. إنه نبراس في الاقتداء في جانب الجهاد والتعبئة للمشاعر الدينية .. وهو أسوة في الأدب المحتشم الملتزم .. وهو قدوة في الاستكبار على الهوى واستصغار النفس لتقبل الحق شاءت أم أبت إذا بان له الحق بدليله ..
فمن لا يعرف هذا الشيخ؟!!
إن المنابر لتذكر خطبه المجلجلة .. والمساجد تذكر ركعاته الخاشعة المتأنية .. والصحف تذكر سيفه إذا سله .. والإذاعة لتذكر صوته الأخاذ بتلابيب القلوب ..
علي الطنطاوي .. هذا الشيخ .. ولد في بيت صالح .. لكنه تربى على غير اعتقاد أهل السنة .. وسلك طريقة يخالف الجماعة ..
كيف؟!!
هل تريد أن تعرف الخبر؟!!
الخبر يخبرك به الشيخ علي الطنطاوي –رحمه الله تعالى- حيث يقول:
(/1)
(( إنه نشأ أول أمره في وسط صوفي ، إذ كان والده نقشبندياً مثل أكبر المشايخ ، فتعلم منه كره ابن تيمية وكره الوهابية ، حتى إذا شخص إلى مصر ، وصحب خاله المرحوم الأستاذ محب الدين الخطيب ، بدأ ينظر إلى ذلك الموضوع بروح جديدة دفعته إلى إعادة النظر في أمر القوم .. بيد أنه لم ينته إلى الاستقرار إلا بعد اتصاله بالشيخ بهجة البيطار ، فمن هناك بدأت استقامتهُ على الطريقة والتزام الجادة ، وكان من أثر ذلك كتاباه اللذان أخرجهما عن حياة الشيخ محمد بن عبدالوهاب .. إلا أن هذا الاستقرار لم يأت بالمجان ؛ بل كلفه وأخاه عبدالغني –كما يقول- طويلاً من النقاش مع الشيخ بهجة ، غفر الله لنا وله ، فقد دخلا معه في معركة جدال حادة ، بلغت بهما حدَّ إغضابه ، وهو المعروف بوقار العلم وسعة الصدر ، والبعد عن التعصب ، حتى لم يعد لهما حجة يصح الاعتداد بها بعد أن اتضحت معالم الحق في أجلى بيان )) .
(كتاب علماء ومفكرين عرفتهم 3/192)
ويتحدث الشيخ علي الطنطاوي –رحمه الله تعالى- عن كيفية انتقاله من عقيدة الأشاعرة والماتريدية إلى عقيدة أهل السنة والجماعة ، يقول عن شيخه الذي اهتدى على يديه محمد بهجة البيطار –رحمه الله تعالى-:
(/2)
(( لقد وجدت أن الذي أسمعه منه يصدم كل ما نشأت عليه ، فقد كنت في العقائد على ما قرره الأشاعرة والماتريدية ، وهو شيء يعتمد في تثبيت التوحيد من قريب أو بعيد على الفلسفة اليونانية ، وكنت موقناً بما ألقوه علينا ، وهو أن طريقة السلف في توحيد الصفات أسلم ، وطريقة الخلف أحكم ، فجاء الشيخ بهجة يقول: (بأن ما عليه السلف هو الأسلم ، وهو الأحكم) ... وكنت نشأت على النفرة من ابن تيمية والهرب منه ؛ بل وبغضه ، فجاء يعظمه لي ، ويحببه إليّ ، وكنت حنفياً متعصباً للمذهب الحنفي ، وهو يريد أن أجاوز حدود التعصب المذهبي ، وأن اعتمد على الدليل ، لا على ما قيل ... وتأثرت به ، وذهبت مع الأيام مذهبه مقتنعاً به ، بعد عشرات من الجلسات والسهرات في المجادلات والمناظرات ... ))
( رجال من التاريخ لعلي الطنطاوي ص 414 )
ثم يقول الشيخ علي الطنطاوي-رحمه الله تعالى-:
(( وكان اتصالي بالشيخ بهجة قد سبب لي أزمة مع مشايخي ، لأن أكثر مشايخ الشام ممن يميلون إلى الصوفية ، وينفرون من الوهابية ، وهم لا يعرفونها ولا يدرون أنه ليس في الدنيا مذهب اسمه الوهابية ، وكان عندنا جماعة من المشايخ يوصفون بأنهم من الوهابيين ، على رأسهم الشيخ محمد بهجة البيطار ... ))
( المرجع السابق: ص416 )
ويقول الشيخ محمد بن ناصر العجمي متحدثاً عن عقيدة ابن بدران:
وحدثني الأديب الكبير علي الطنطاوي ، حينما سألته عن العلامة ابن بدران فقال: ((كانت الوهابية تُعَدُّ تهمة خطيرة مخيفة ، وكانوا يحذروننا من الاجتماع بهم ، فوقفت مرة في حلقة ابن بدران ، العالم الحنبلي المعروف ، وكان هناك طلاب يمرّون في الأسواق ، فرأوني في حلقة ابن بدران وقدّموا فيّ تقريراً إلى المشايخ ، فضُربت (فلقة) في رجلي)) ( علامة الشام:عبد القادر بن بدران ص22) .
(/3)
الشيخ محمد محمود أبو رحيم
لم يكد يخرج السؤال من بين شفتي وأنا شاب في السنة الأولى في كلية الشريعة حتى وجدت برد كفه الناعم يأخذ بكفي نحو مقعد جانبي يحاورني بكل هدوء .
محمد محمود أبو رحيم
يقول الشيخ أبو رحيم يحفظه الله: لقد ذكرني المشهد الأخير من جنازة الشيخ أبي عبد الرحمن بأول لقاء معه رحمه الله قبل ثلاثين عاما ؛ حيث كنت يومها متدثرا بلباس التصوف ، أمرغ الخد على أعتاب أشياخه .
يومها كان الجهل قد غرر بكسب كان للأشياخ نصيبا مفروضا في صناعته ، لم يكن جهلا بالحلق والذكر والخلوات البدعية ؛ فقد أتقنها حتى غاليت في بعضها ، فوجدتني قد نذرت للرحمن صوما إلا عن شيخي في الطريقة الذي ولد في نفسي قدرته المزعومة على فتح المغاليق إلى ملك لا يبلى .
يومها كنت جاهلا بما يدور حولي ، وحول من تدور عليهم دعاوى التجهيل والتضليل ؛ فكان ما كان مني نحو الشيخ أبي عبد الرحمن ومنهجه من كوامن ضدية دفعتني لسؤاله وأنا تحت تأثير خلفيات التحدي : لماذا تحارب الأئمة الأربعة ؟ هكذا كان يشيع من لم يرقهم طريقته السلفية .
لم يكد يخرج السؤال من بين شفتي وأنا شاب في السنة الأولى في كلية الشريعة حتى وجدت برد كفه الناعم يأخذ بكفي نحو مقعد جانبي يحاورني بكل هدوء .
خرجت من عنده وقد علتني دهشة دفعني فضولها إلى مواصلة لقائه والتعرف على ما عنده رحمه الله فإذا أنا أقف على عالم متخصص ، ومحاور عنيد ، يحيي السنة ويميت البدع ، داعية إلى التوحيد الخالص ، حرب على الشرك بأنواعه ، تعلوه نضرة الحديث .
شهوده زواجي من فتاة سورية اختارتها لي زوجته خديجة قادري ، وشهد لي بمتابعة الدراسة العالية في جامعة أم القرى شهادة مكتوبة حفظت في ملفي الشخصي .
انقطعت لطلب العلم ، ولم انقطع عن الشيخ رحمه الله وفي أثناء ذلك وجدت الشيخ قد اصطدم بثلاث فئات من الناس :
(/1)
الفئة الأولى : فئة العلماء الذين يقرون له بالفضل والسبق في العلم ؛ حيث ناقشوه مناقشة العالم للعالم ، لم يخرجهم خلافهم معه عن حسن الأدب للتقدير للشيخ رحمه الله كان منهم : الشيخ العلامة ابن باز رحمه الله والشيخ الأنصاري ، والشيخ عمر فلاتة ، وغيرهم كثر .
الفئة الثانية : فئة المتسلقين من الأصاغر الذين وجدوا في كتف الشيخ رحمه الله ورعايته وتوجيهه مخرجا مقنعا لهم وفجوة يعبرون من خلالها لتحقيق أحلامهم وتعويض إخفاقهم على مقاعد الدراسة .
الفئة الثالثة : فرق الضلال وأهل الانحراف فقد أوجعوه تجديعا ، يحدوهم التعصب والهوى والتقليد الأعمى ، فصال عليهم رحمه الله بحجته : قال الله ، قال رسوله . فبدد شمل أدلتهم ، وبين قصر فهمهم ، وأعاد الراحلة إلى جادة الطريق .
استغل هؤلاء والحاسدون بعض كبوات الشيخ رحمه الله ظنا منهم أن الفارس قد هوى ، وغاب عنهم أن اجتهاد العالم مأجور عليه غير مأزور ؛ لكنه العمى أطفأ نور الحق من الصدور فغابت عنهم أشياء وأشياء .
وقبل انسدال المشهد الأخير من حياة الشيخ دفعني الشوق إلى عيادته في مرض موته مع جمع من أهل العلم والفضل ، فرأيت جسدا قد علته صفرة الرحيل وغلبه النحول وتمكن داء الهرم ، قبلت يده ورأسه فرد بصوت خافت هادئ ينبئ عن ذهن حاضر لم يختلط ، حمل بعضنا أمانة إبلاغ سلامة إلى أحبابه ، وما هي إلا أيام معدودة حتى فاضت روحه فأدركته يوم الدفن ، وانسدل الستار على جسد إمام من أئمة المسلمين ليلحق بمن سبقه من علماء الأمة العاملين .
اللهم ارحم عبدك الألباني ، وأكرم نزله ووسع قبره مد بصره ، وتجاوز عما بدر منه اجتهادا أخطأ فيه ؛ إنك سميع مجيب الدعاء .
(/2)
العلامة أحمد بن خالد الناصري
العلامة المؤرخ أبو العباس أحمد بن خالد الناصري المتوفى سنة (1310 هـ) نشأ رحمه الله تعالى في مجتمع صوفي مغرق ، التقى بكبار مشايخهم ، ودرس عليهم والتزم مجالسهم ، ثم التزم زاوية العلامة محمد بن ناصر الدرْعي الذي أسس في القرن الحادي عشر زاويته الشهيرة ببلدة (تامَكْرُوتْ) وهي من الزوايا القليلة التي كانت تعمل على إحياء السنة وتدرس منهجها ، والتي كان ينتسب إليها السلطان أبو الربيع سليمان بن محمد بن عبد الله العلوي رحمهم الله ، ومنها سرى فيه حب السنة والدعوة لها ، وكذلك كان الحال مع أبي العباس الناصري رحمه الله.
رحل أبو العباس في طلب العلم ، وتصدى للتدريس والإفتاء مبكراً ، وبعد أن اشتد عوده شرع في التصنيف وأخذ ينقلب على مجتمعه الصوفي وأعلن حرباً على صوفية المغرب فصنف كتابه "الاستقصا لتاريخ المغرب الأقصا"، وكتابه "تمام المنة في الذب عن السنة" وهو كتاب كبير مهم في بابه ، جمع فيه الكثير من ضلالات الصوفية وبدعهم.
وقد أكثر في كتابه "الاستقصا لتاريخ المغرب الأقصا" من ذكر القبورية في المغرب وانتشارها فيه ، ونقل كلاماً رائعا في نقدها وبيان ضلالها ، كما أنه نصر مذهب السلف في العقيدة في عدة مواضع من كتابه ، ورد على الأشعرية المنتشرة هناك في ذلك الوقت.
توفي "رحمه الله" بعد أن ترك خلفه معالم كبيرة للصحوة والتجديد في المغرب ، تجلت في العديد من طلبة العلم الذين تتلمذوا عليه.
(/1)
العلامة عبد الله بن إدريس السنوسي
العلامة المحدث أبو سالم عبد الله بن إدريس السنوسي "رحمه الله تعالى" والمتوفى سنة (1350هـ) نشأ صوفياً طرقياً ، وأخذ العلم بالقرويين في المغرب ، برع في كثير من العلوم ، وتقلد مجالس التدريس والإفتاء.
ثسافر إلى الحرمين والتقى بعلمائها ، وتأثر بالحركة الإصلاحية النجدية هناك ، ولقي أهل الحديث من الهنديين ، فتأثر بإمامهم السيد نذير حسين المحدث الدهلوي "رحمه الله تعالى".
عاد للمغرب زمن السلطان الحسن بن محمد بن عبد الرحمن ، فأعلن بقوة نبذ التعصب للمذهب والعمل بالدليل ، ورد على الأشاعرة ، وأفتى بضلال الصوفية وطرقها ، فثارت ثائرة العوام عليه ، ولكن ما لبث أن رسخ دعوته وانقادت له العامة ، وجمع أنصاره.
استقر به المقام في طنجة حيث أقام دروس العلم ونشر السنة ، وتكفله السلطان عبد العزيز بن الحسن بعدما عزل من الملك. وقد تأثر به خلق كثير من طلبة العلم واستجازوه ومنهم جملة من أصحاب الشيخ المحدث أبو شعيب الصديقي الدكالي.
من تعليقات العلامة أبي محمد الحسن بن علي الكتاني الحسني على كتاب "عبد الله التليدي: العلامة المربي، والمحدث الأثري" بتصرف.
(/1)
العلامة محمد المكي بن عزوز
الكاتب:الشيخ سليمان الخراشي
كان الشيخ التونسي محمد المكي بن عزوز "رحمه الله" - الذي يقول عنه الكتاني في فهرس الفهارس 3/856 : " كان مُسند أفريقية ونادرتها ، لم نر ولم نسمع فيها بأكثر اعتناء منه بالرواية والإسناد والإتقان والمعرفة ومزيد تبحر في بقية العلوم .. الخ مدحه –
كان "رحمه الله" في بداية شبابه - أيام عيشه بتونس زمن الدولة العثمانية ، من دعاة القبورية المناوئين لدعوة الكتاب والسنة , وقد ألف - حينها - عدة كتب ، منها كتابه " السيف الرباني في عنق المعترض على الغوث الجيلاني " يرد فيه على من أنكر كرامات الشيخ الشهير عبد القادر الجيلاني وما نُسب إليه من خرافات ـ هو بريء منها بإذن الله ـ . وقد تهجم في كتابه هذا على دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ، وجوّز الاستغاثة بالأموات . كما في ( صفحة 35 ) .
ثم حرص على توزيع كتابه هذا في أنحاء بلاد المسلمين ، فوقعت نسخة منه بيد علامة العراق الشيخ محمود شكري الألوسي "رحمه الله" الذي بادر بعد قراءته للكتاب إلى مناصحة صاحبه بإرسال خطاب وعظي رفيق ، دون أن يكتب اسمه عليه ، مرفقٌ به أحد كتب علماء الدعوة السلفية . ولعل هذه الهدية قد صادفت قلبًا متجردًا من ابن عزوز قادته - بإذن الله - إلى الحق ، حيث تغيرت أحواله بعد انتقاله من تونس إلى الأستانة بتركيا .
يقول علامة الشام جمال القاسمي في رسالته إلى الألوسي - ولم يدرِ برسالة الألوسي السابقة لابن عزوز - : " إن حضرة العالم النحرير، سليل العلماء الأفاضل السيد محمد المكي بن عزوز التونسي نزيل الأستانة كان من أشداء المتعصبين للجهميين والقبوريين ، ثم بصّره الله تعالى الحق فاعتنقه، وأصبح يدافع عنه.
(/1)
وهذا الفاضل لشهرة بيته ونباهة أمره يُعدُّ بألوف، وقد هاجر من نحو اثني عشر عاماً من تونس إلى الأستانة، وكان رد على الصيادي في تأليف سماه: "السيف الرباني في الرد على القرماني" .. ثم إن الأستاذ الكبير صفينا البيطار لما زار الأستانة هذا العام مع الوفد الدمشقي زار السيد وجرَّ البحث إلى مسائل سلفية، ثم إن الأستاذ كاتبه من شهر فأجابه الآن بجواب نقلت محل الشاهد منه، وأشرت إلى طالب عندنا فنقل صورة ما نقلته وترونه طي هذا الكتاب. وإذا كان لمولانا أيده الله أصدقاء في الأستانة يكاتبهم فلا بأس بمكاتبة السيد المنوَّه به، وإني في هذا البريد سأكتب له بما أرسلت لفضيلتكم من كلامه، وأُعرفه بسامي مقامكم، عساه يزداد بصيرة ونوراً، فالحمد لله على توفيق هذا السيد وهدايته لما هُدي له " .
وقد أورد القاسمي نص رسالة ابن عزوز للبيطار ، وهي : " كتبتُ إلى حبيب لي في المدينة المنورة ما نصه: سؤال خصوصي: أخبرني بإنصاف، واعلم أنك مسؤول في عرصات القيامة عن ذلك، أخبرني عن الوهابية الذين ترون: معاملاتهم، وحالتهم مع السنة، والحضرة النبوية، فأنا إلى الآن ما اجتمعت بوهابي، وقد تناقضت عندي المسموعات بالأذن والمرئيات في الكتب بالأعين؟ وبيان التناقض نقرِّره لك يا حبيب لتعرف كيف تجيبني، فإن المقام خطير:
بعض الناس يقولون: الوهابية يحقرون المقام النبوي، ولا يرون فرقاً بينه وبين بقعة خالية في الأرض، ويقولون لمن شرب الدخان أشركت بالله، وهذا لا معنى له، ويضللون من أثنى على رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنارة، ويكفرون من زار قبراً ودعا الله عنده ويستحلون دمه.
(/2)
وهؤلاء القادحون فيهم يقولون على سبيل القدح: هم تابعون ابن تيمية أحمد تقي الدين، فهنا جاء التناقض، فإن ابن تيمية إمام في السنة كبير، وطود عظيم من أطواد العرفان، حافظ للسنة النبوية، ومذهب السلف، يذب عن الدين، ويقمع المارقين ؛ كالمعتزلة والقدرية، والرافضة والجهمية، ما فارق سبيل الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة قيد أنملة، وإن كان حنبلياً في الفروع، فهو في أصول الدين جامع لمذاهب الأربعة الأئمة، والأربعة الخلفاء الراشدين ومن سلك سبيلهم.
فإن كان الوهابية حقيقة على منهج ابن تيمية وابن القيم ونحوهما من فقهاء الحنابلة السنية فهم أسعد الناس بالشريعة؛ لأن ابن تيمية وأصحابه لم يُسيء القول فيهم إلا القاصرون عن درجاتهم، علماً وتحقيقاً، والراسخون في العلم شهدوا بعلو مكانتهم.
وإن كان الوهابية مُتَّصفين بالصفات الذميمة المشار إليها أولاً، فأول خصم لهم ابن تيمية ونظراؤه من أئمة الحنابلة، فليسوا بتابعيهم.
وبعض الناس يقولون: الوهابية هم القائمون بالسنة، المتجنبون للبدع، المتبعون للحديث الشريف، وعلى مذهب أحمد بن حنبل وطريقة السلف في الاعتقاد.
وقد كنت طالعت الرسائل المؤلفة من محمد بن عبد الوهاب وأصحابه، ورأيت ما كتبه الجبرتي في "تاريخه" من عقائدهم وسيرتهم، فما هي إلا طريق السنة ليس فيها ما يُنكر.
ورأيت رسائل القادحين فيهم ينسبون لهم الدواهي والعظائم، والوهابية ينفون ذلك عن أنفسهم، لا يحتجون لحسن تلك القبائح. تنبه للفرق بين قول المتنصل مما نُسب إليه وقول محسِّن ما نُسبَ إليه: فالأول منسلخ من اعتقاد ذلك وفعله، معترفٌ بقبحه، مكذب لمن وصفه به.
والثاني معترف باتصافه. تأمل هذه النقطة، وفي الحقيقة: {تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تُسئلون عما كانوا يعملون} .
(/3)
فأنا أسألك عن الوهابية الحاضرين في عصرنا، فإن رجلاً أخبرني أنهم يكونون مقيمين في المدينة، ويأتون إلى المسجد ولا يقفون على القبر الشريف يسلمون عليه وعلى الصاحبين ونحو ذلك، فإن صح هذا فما أشبه هذا الجفاء بالعداوة لصاحب القبر الشريف.
فأريد منك أن تجتمع بفلان وفلان في محل لا رابع لكم إلا الله، فإن زدتم آخر تعرفونه مثلكم فيما ألاحظه منكم، فذلك عُهدته عليكم، وتقرأون كتابي هذا بتأمل، وتجيبونني بما تحصَّل لكم، ذاكرين قوله تعالى: {وإذا قلتم فاعدوا}. واعملوا أن من البلايا المتسلطة على الدين وإيمان المسلمين أنه صار الذي يصدع بالحديث النبوي الصحيح مقدماً له على عصارة المتفقهين يقال له: أنت وهابي.
وأحكي لكم لطيفة: كنت سألت بعض متفقهة مكة الحنفية عن رجل أعرفه من أكبر الفضلاء قلت له: كيف حال فلان؟ فقال لي: ذلك وهابي. فقلت له: كيف وهابي؟ قال: يتبع البخاري !! فلما حكيتها للسيد عبد الرحمن الجزولي عليه الرحمة والرضوان ـ وأنا نزيل عنده إذ ذاك ـ ضحك وقال: هل البخاري شيخ الوهابية؟ وقد سمعت كثيراً من الناس يقولون: من يتبع الحديث فهو وهابي، ومن يعتقد عقيدة السلف فهو وهابي، فقلت لهم: أنا لا أعرف الوهابية، وكلامكم يدل على أنهم سنيون صرفاً؛ فقد مدحتموهم مدحاً كبيراً من حيث قدحتم فيهم، نتمنى أن يكون مقلدة المذاهب كلهم هكذا إن كنتم صادقين فيما تقولون، لكن الجاهل يهرف بما لا يعرف، ولذلك يقال له {سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين} ، وقال تعالى: {وأعرض عن الجاهلين}. وليكن جوابكم بما شاهدتموه لا بما ينقله المغفلون والأعداء المتعصبون، هدانا الله وإياكم للقول السديد ..
(/4)
وما أشرتم إليه في مكتوبكم من السير على منهاج الكتاب والسنة وعقيدة السلف، فأنفث نفثة مصدور مغتم القلب بما يرى ويسمع من قلب حقائق الأمور. أنتم منَّ الله عليكم بجلساء موافقين لمشربكم في التماس الحقائق، والتزام أقوم الطرائق، ذوق وإنصاف، واتصاف بأجمل الأوصاف، كرفقائكم الذين شرَّفوا منزلنا وأكرمونا بتلك الأخلاق الكريمة، وكالأستاذ الجمال القاسمي وغيرهم ممن لم نحظ برؤيتهم فبلِّغوهم سلامي، وخلوص غرامي، وأما الحقير هنا -أي في الأستانة- فكما قال القائل:
ما أكثر الناس لا بل ما أقلَّهم **** الله يعلم أني لم أقل فندا
إني لأفتح عيني حين أفتحها *** على كثير ولكن لا أرى أحداً
فلا أجد من أطارحه مسائل العلم الصحيح؛ لأن الناس بالنظر إلى هذا المقام على قسمين:
جاهل لم يزاول العلم أصلاً، فهو لا يفقه ما نقول، وحسبه إن سأل أن أجيبه بزبدة الحكم، وهو أحب إليَّ ممن عرف بعض العلم إن لم يفتنه فاتن؛ لأنه وإن لم أستفد منه مذاكرة تُفكِّه عقلي، وتنقح نقلي، فقد أفادني من الله أجراً، وقد يكون لغيره سلسبيل تلك الإفادة أجرى.
والقسم الثاني: طالب علم زاول العلم فشمَّ رائحته، وجمد على ما عهد من شيخ مثله، فهذا أحسن أخلاقه أن لا يسمع لقولك ولا يتحدث بما يؤذي، وإنما قلت أحسن، لأن غيره من أهل العناد الحمقى يضللون من خالف ما اعتادوه.
سئلت مرة في مجلس: هل تجوز الاستغاثة بأولياء الله؟ فقلت: لا يستغاث إلا بالله. وفي المجلس شيخ كبير ممن يعاني تدريس العلم عارضني بأنه يجوز، فقلت له: ما دليلك؟ فقام مغضباً قائلاً وهو ذاهب: دليلي قول اللقاني:
وأثبتن للأوليا الكرامه ***** ومن نفاها فانبذن كلامه
فانظروا الدليل وتنزيله على الاعتراض، هؤلاء لا يفرقون بين معنى الاستغاثة، ومعنى الكرامة ، وهو من الضروريات.
(/5)
ومما أتعجب منه وأتأسف، ما رأيته في نتائج مخالطاتي لأهل العلم ومناظراتي ومذاكراتي: أني أجد الشبان والطلبة الصغار أقرب قبولاً للحق، وذوقاً للصواب، وسروراً بالدليل من الشيوخ، وأكثر الشيوخ جامدون على ما ألفوه، ومن أحبارهم ورهبانهم عرفوه، ولا أدري: هل ذلك لطول قعودهم في أرض التقليد صاروا كمن دُقت له أوتاد والتحمت تلك الأوتاد بالأرض، فلا يستطيعون النهوض منها؟ أم لأن غالب الشيوخ أكبر مني سناً؟ فهم يأنفون من أن يستفيدوا ممن هو أصغر منهم؟ أم كيف الحال؟
وعلى كل حال أتذكر عند ذلك قول الشاعر:
إن الغصون إذا قوَّمتها اعتدلت ****** ولن تلين إذا كانت من الخشب
وإني أحمد الله تعالى على أن أنقذني من أسر التقليد، وصرت إذا رأيت تعنتهم واتخاذهم أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله أتلو قوله تعالى مذكراً لنفسي آلاء الله: {كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم} ، لأني كنت أرى قول فقيه: المعتمد كذا، أو استظهر شيخنا كذا، كأنه بين دفَّتي المصحف، والله بل آكد "أستغفر الله"؛ لأني أقول: الآية لا أفهمها مثله، ونظن كل كلمة قالها مالكي فهي من مقولات مالك أو حنفي فأبو حنيفة أو شافعي...إلخ ، والخروج عن الأربعة كالكفر ولو أيده ألف حديث. والحمد لله الذي عافانا مع بقاء احترامهم ومحبتهم في قلوبنا.
وأخبركم أني لما بدأت في الاستضاءة بنور الحديث ووزن خلافات الأئمة والفقهاء بالأدلة، وصرت أصلي بالقبض والرفع...إلخ، وذلك سنة ست عشرة وثلاثمائة وألف، ألقي لي في المنام قوله تعالى: {سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها قل لله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله} ، وقمت بها من المنام على لساني. ولا تنسونا من الدعاء، ودمتم بخير، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
في ذي الحجة سنة 1327 حافظ ودكم . محمد المكي بن عزوز التونسي " .
(/6)
انتهت رسالة ابن عزوز للبيطار . ( نقلتها من كتاب : الرسائل المتبادلة بين القاسمي والألوسي ، للأستاذ محمد العجمي ، صفحة 101-110 ) .
***********************
فأجاب الألوسي على رسالة القاسمي السابقة بقوله : " سرّني ما كان من المراسلة بين السيد محمد المكي وبين السلفيين في دمشق. وهذا الرجل أعرفه منذ عدة سنين ؛ فإن كتابه "السيف الرباني" لما طُبع في حضرة تونس أرسل منه لنقيب بغداد عدداً كثيراً من نسخه، فأعطاني النقيب يومئذ نسخة منه، فطالعتها فرأيت الرجل من الأفاضل، غير أنه لم يقف على الحقائق، فلذلك استحكمت الخرافات في ذهنه فتكلم على السلفيين، وصحح بعض الأكاذيب التي يتعلق بها مبتدعة الصوفية ، وغير ذلك من تجويز الاستغاثة، والتوسل بغير الله، وإثبات التصرف لمن يعتقد فيهم الولاية، والاستدلال بهذيان ابن دحلان ونحوه... كما ترى بعضاً من ذلك في الورقة المنقولة عن كتابه. فأرسلت له كتاب "منهاج التأسيس" مع التتمة المسماة "بفتح الرحمن"، وذلك سنة اثنتي عشرة وثلاثمائة وألف، وكان إذ ذاك في تونس لم يهاجر بعد، ولم أعلمه بالمرسل، ويخطر لي أني كتبت له كتاباً أيضاً التمست منه أن يطالع الكتاب كله مع التمسك بالإنصاف، ولم أذكر أسمي ولا ختمته بختمي، وأرسلت كل ذلك إليه مع البريد الإنكليزي. وبعد ذلك بمدة هاجر إلى القسطنطينية، وكان يجتمع كثيراً مع ابن العم علي أفندي ويسأله عن كتب الشيخين ويتشوق إليها.
وقد اجتمع به ابن العم في هذا السفر الأخير وأخبرني عنه أنه الآن تمذهب بمذهب السلف قولاً وفعلاً وأصبح يجادل أعداءه، ويخاصم عنه . ولم يزل يتحفني بسلامه، ويتفضل علي بالتفاته". ( المرجع السابق ، صفحة 113-115 ) .
***********************
(/7)
قلت : وقد أرسل ابن عزوز بعد هدايته للسلفية رسالة إلى الشيخ الكويتي عبد العزيز الرشيد صاحب مجلة "الكويت" قال فيها : " دخل علي السرور ما الله به عليم في التعرف بكم وظفري بصاحب مثلكم، وذلك أن قلبي موجع من غربة العلم والدين وأهله وقلة أنصاره. وإيضاح هذا: أني لست أعني بالدين الدين الذي قنع به أكثر طلبة العصر والمنتسبين إلى العلم في الشرق والغرب من كل مذهب من مذاهب أهل السنة.
سارت مشرِّقة وسرت مغرباً ***** شتان بين مُشرِّق ومغرِّب
ولكني أعني بالعلم والدين علم السنة، وما الدين إلا اتباعها وإيثارها على عصارات الآراء وهجومة المتفقهة، وما التوحيد إلا توحيد السلف الصالح، وأما غيره فأشبه بالضلالات وزلقات الهفوات... إننا نجد فقيهاً تقياً محباً للسنة ومبغضاً للبدعة، متعففاً من تناول الحرام، واقفاً موقف النصح والإرشاد للخلق، حسن النية، لكنه جاهل بعبادات النبي صلى الله عليه وسلم، وما كان عليه في شؤونه كلها.
(/8)
وقد يكون عارفاً بها أو ببعضها، ويترك المتابعة النبوية عمداً، لأنها خالفت قول فقهائه، ولو تخبره بإصلاح عبادة أو تحرير حكم شرعي بنص نبوي ينفر منك نفرته من العدو، ورآك مخادعاً ، ولربما اتخذك عدواً مبيناً بعد المحبة والصحبة ويحكم بضلالك ، كل ذلك لغلوه في التقليد، ولا يخفى أن أولئك لا يقال لهم علماء إلا مجازاً خلاف في ذلك كما قاله ابن عبد البر وغيره، وتجد آخر متفنناً بعدة علوم، وربما يكون مطلعاً على دواوين الحديث نبيهاً، له همة تنبو به عن التقليد، يبالغ في تتبع الأدلة، فينقلب عن الدين وغيرته في اعتقاد تأثير الطبيعة، حتى ينكر معجزات الأنبياء، وينكر كونها خارقة للعادة ونحو ذلك من القول بنفي حشر الأجساد في الآخرة ونفي تناسل البشر من آدم وحواء. الخ. وإياها أعني في عدة مباحث من (العقيدة الإسلامية) التي رأيتموها بجدة، وبعض هؤلاء أيضاً لهم حسن نية في تعديهم الحدود، فهذان الفريقان اللذان هما على طرفي نقيض، أحدهما مُفرط، والآخر مُفَرط، كلاهما يعدهما المغفلون من علماء الدين، ولكل منهما أتباع وأنصار. (انعق بما شئت تجد اتباعاً) .
(/9)
والقسم الثالث: وهم الأوسطون الذين تفقهوا بفقه الأئمة رضوان الله عليهم، واعتنوا بالحديث الشريف مع تفنن في الأصول والعلوم العربية، ودققوا مسائلهم الدينية، فما كان من الفقه سالماً من مصادمة سنة بقوا عليه، وما صادمها نبذوه وعذروا قائله بعدم بلوغ الخبر له، هذا فيما يتعلق بالعلم العملي، وأما الاعتقادي فهو معذور في الابتداء في كتب المتكلمين، ثم يترقى بطريقة السلف ، ولا تؤخذ حقيقتهما إلا من كتب شيخ الإسلام ابن تيمية وصاحبه الذي هو نسخة صحيحة لا تحريف فيها الشمس ابن القيم، فيعتقد ما هناك بأدلة متينة وإيمان راسخ، فيصبح من الفرقة الناجية التي عرّفها النبي صلى الله عليه وسلم بأنهم على ما كان عليه المصطفى صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وهذا القسم الثالث الذي هو على الصراط المستقيم، المدعو بالهداية إليه في الفاتحة بكل ركعة، قليل في الوجود مع الأسف، قال الله تعالى: {وقليل من عبادي الشكور} فأنا أنظر شرقاً وغرباً فأرى كما قيل:
ما أكثر الناس لا بل ما أقلهم **** الله يعلم أني لم أقل فندا
إني لأفتح عيني حين أفتحها **** على كثير ولكن لا أرى أحداً
وربما أجد في مليون من الخلق واحداً، فأنا أشد فرحاً من ولادة ولد ذكر لابن الستين الفاقد البنين، ولهذا سررت بكم بعدما تتبعت كتابكم الذي أهديتموه لي، لأني طالما انخدعت للمدعين بطريقة السلف اعتقاداً وتحري السنة تفقهاً، فأجد من آثارهم عند إمعان النظر، أنهم ليسوا الذين أريد، ولذلك وقفت النظر في كتابكم، وأنا معذور، إذ لم يسبق بيننا تعارف ولا مذاكرة، فوجدتكم والحمد لله من الضالة التي أنشدها، وأيده كتابكم الخصوصي الذي أرسلتموه لي، فجزى الله علامة العراق خيراً السيد شكري، حيث دلكم على إجراء وسيلة التعارف بيننا، وكذلك صديقنا الكامل السني السيد محمد نصيف في اطلاعكم على رسالتنا التوحيدية، وهذا كله يظهر مصداق الحديث الشريف ((الأرواح جنود مجندة)) الخ..
(/10)
(ومنها بعد كلام طويل وسطور كثيرة) .. أحبابنا غرّوكم بالعاجز، فكما أنه لا يقبل قدح العدو في عدوه، فكذلك لا يقبل إطراء الحب لحبيبه، والذي نفسي بيده إني لخال مما تظن ويظنون فلا علم ولا عمل ولا صلاح ولا إخلاص، ووالله ما هو من هضم الأفاضل أنفسهم تواضعاً بل الإنسان على نفسه بصيرة، وأحمق الناس من ترك يقين نفسه لظن الناس، وأنا أحكي لكم مقدار بضاعتي تحقيقاً كأنكم ترونني رأي العين، والله على ما نقول وكيل. أما الأصل والنسب فلا نتعرض له كما قيل:
إن الفتى من يقول ها أنا ذا **** ليس الفتى من يقول كان أبي
فأنا قد ربيتُ في معهد العلم من صغري، وقد وسّع الله علينا من رزقه، ما سهل به القراءة زمان التعلم والإقراء على شيوخ عديدة على اختلاف مشاربهم وتفاوت درجاتهم تفنناً وأخلاقاً، وارتحلت إلى بلدان عديدة، فجمعت بعض ما كان متفرقاً من العلوم والحمد لله، ولكن لهو الشباب حال بيني وبين الاستكمال في العلم والتهذيب، وأيضاً لا نعرف في بلادنا المغربية إلا التقليد الأعمى، فقد كنا نعد الفتوى بحديث البخاري ومسلم ضلالاً، وكما شدد علينا شيوخنا في ذلك، شددنا على تلاميذنا هناك، فالتاجر كما اشترى يبيع ويزيد المكسب، فمن ذلك أني عند سفري إلى المشرق استعار مني ابن أختي الخضر ابن الحسين الذي لقيتموه في المدينة (نيل الأوطار) للشوكاني، فما تركته حتى أقسم لي بالله أنه لا يتبعه فيما يقول، ومن ذلك أني وجدت في عام 1300 كتاب (الروضة الندية) للسيد صديق حسن خان يباع عند كتبي في مكسرة ، اسمه الشيخ الأخضر السنوسي العقبي، فنهرته وزجرته، وقلت له: حرام عليك تبيع الروضة الندية، فصار يعتذر بمسكنة كأنه فعل خيانة، أما تصانيف ابن تيمية وابن القيم فو الله ما نظرت فيها سطراً لنفرة قلوبنا منها، ومن جهل شيئاً عاداه.
(/11)
لكن في العاجز رائحة استعداد وشوق للدليل، فلما ارتحلت إلى المشرق سنة 1316، واطلعت على كتب أهل هذا الشأن باستغراق الوقت لا واشي ولا رقيب، وأمعنت النظر بدون تعصب، فتح الله على القلب بقبول الحقيقة، وعرفت سوء الغشاوة التي كانت على بصري، وتدرجت في هذا الأمر حتى صارت كتب الشوكاني وصديق خان وشروح بلوغ المرام وما والاها أراها من أعز ما يطالع ، أما كتب الشيخين ابن تيمية وابن القيم فمن لم يشبع ولم يرو بها فهو لا يعرف العلم.
ويلحق بها كتب السفاريني، وجلاء العينين للسيد نعمان، وآثار إبراهيم الوزير ونحوهم، ومنذ عرفت الحقائق، استرذلت الحكم بلا دليل والحمد لله (وإنا لنرجو فوق ذلك مظهراً) .
ومن اللطائف أن في الشهر الأول والثاني من انفتاح البصيرة، ألقي إلي في مبشرة منامية قوله تعالى: { سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم}.
والحاصل فما ذكر لكم من تلك المناقب لم ألبس منها ثوباً قط، وإنما أنا محب لأهلها، وذاب عنهم، وناصر لهم، ولعله يشملني حديث ((المرء مع من أحب)) فمن وصفني بما زاد على ذلك، فقد استسمن ذا ورم، ونفخ في غير ضرم "
(المرجع : مجلة الكويت ، الجزء 10 العدد الأول ، ورسالة : المكي بن عزوز - حياته وآثاره ، للأستاذ على الرضا الحسيني) .
تعليق
1- رحم الله الشيخ ابن عزوز الذي حرص على معرفة الحق ، وبذل السبب في السؤال عنه ، ولم يركن إلى تقليد المغرضين ؛ حتى شرح الله صدره له ، وهكذا الموفق إذا ما تشوف قلبه للحق أدركه بحول الله .
2- ورحم الله العلماء ( البيطار والألوسي والقاسمي والرشيد ) الذين بذلوا النصح له ، وراسلوه بالأسلوب الحسن ، وأخذوه بالرفق ؛ حتى يسر الله رجوعه .
(/12)
3- في مراسلة الألوسي له فائدة ؛ وهي أن يجتهد العلماء وطلبة العلم في مراسلة المعرضين والجاهلين ؛ خاصة من الرؤوس والمشاهير ، مع إتحافهم بالهدايا من الكتب والأشرطة النافعة التي ترشدهم ، وتبين لهم الحق ، ولا يزهدوا في هذا الأمر ، فربّ رسالة أو كتاب أو شريط قادت إلى نفع عظيم للإسلام والمسلمين . والله الهادي ..
(/13)
العلامة محمد حامد الفقي
قال الشيخ حماد الأنصاري رحمه الله: عندما رأيته يدرس في مكة عند باب علي قلت هذا ضالتي وكانت حلقته أول حلقة أجلس فيها في الحرم و كان ذلك عام 1367 هـ .
و قال الشيخ أبو تراب الظاهري رحمه الله: كان رحمه الله إذا صعد المنبر لخطبة الجمعة يقول بأعلى صوته: كفرت بالطاغوت.. كفرت بالبدوي .. كفرت بكذا... ولقد كان يجتمع في حلقته في المسجد الحرام خلق كثير يجتمعون حوله ما بين قاعد و قائم .
وأما قصته تلك فيحكيها الشيخ حماد الأنصاري رحمه الله و هو أحد تلاميذه فيقول ، قلت للشيخ: يا شيخ أنا عندي سؤال؟
فقال: ما هو سؤالك يا ولدي؟
فقلتُ لهُ: كيفَ صرتَ موحداً وأنت درست في الأزهر؟ (وأنا أريدُ أن أستفيد والناس يسمعون)
فقال الشيخ: والله إن سؤالك وجيه.
قال: أنا درست في جامعة الأزهر ، ودرست عقيدة المتكلمين التي يدرِّسونَها ، وأخذت شهادة الليسانس ... وذهبت إلى بلدي لكي يفرحون بنجاحي ...
وفي الطريق مررتُ على فلاّح يفلح الأرض ، ولما وصلت عندَه .. قال: يا ولدي اجلس على الدكّة .. وكان عندهُ دكة إذا انتهى من العمل يجلس عليها ، وجلستُ على الدكة وهو يشتغل ، ووجدت بجانبي على طرفِ الدكة كتاب ، فأخذت الكتاب ونظرت إليه ... فإذا هو كتاب ((اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية)) لابن القيم ؛ فأخذت الكتاب أتسلى به ، ولما رآني أخذت الكتاب وبدأت أقرأ فيه .. تأخر عني ... حتى قدّر من الوقت الذي آخذ فيه فكرة عن الكتاب .
وبعد فترة من الوقت وهو يعمل في حقلِهِ وأنا أقرأ في الكتاب جاء الفلاّح وقال:
السلام عليكم يا ولدي ، كيف حالك؟ ومن أين جئت؟ فأجبتهُ عن سؤالهِ.
فقال لي: والله أنت شاطر، لأنك تدرجت في طلبِ العلم حتى توصلت إلى هذه المرحلة ؛ ولكن يا ولدي أنا عندي وصية.
فقلتُ: ما هي؟
قال الفلاّح: أنت عندك شهادة تعيشك في كل الدنيا في أوربا في أمريكا ، في أيِّ مكان.
(/1)
ولكنها ما علمتك الشيء الذي يجب أن تتعلمه أولاً.
قلتُ: ما هو؟!
قال: ما علمتك التوحيد!
قُلتُ لهُ: التوحيد!!
قال الفلاّح: توحيد السلف.
قلتُ لهُ: وما هو توحيد السلف؟!!
قال لهُ: انظر كيف عرف الفلاّح الذي أمامَك توحيد السلف.
هذه هي الكتب:
كتاب "السنة" للإمام أحمد الكبير.
وكتاب "السنة" للإمام أحمد الصغير.
وكتاب "التوحيد" لابن خزيمة.
وكتاب "خلق أفعال العباد" للبخاري.
وكتاب "اعتقاد أهل السنة" للحافظ اللالكائي.
وعدَّ لهُ كثيراً من كتب التوحيد.
وذكر الفلاّح كتب التوحيد للمتأخرين.
وبعد ذلك كتب شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القِّيم.
وقال لهُ: أنا أدلك على هذه الكتب إذا وصلت إلى قريتك ورأوك وفرحوا بنجاحك .. لا تتأخر ارجع رأساً إلى القاهرة .. فإذا وصلت القاهرة .. ادخل (دار الكتب المصرية) ستجد كل هذه الكتب التي ذكرتُها كلها فيها ..ولكنها مكدّسٌ عليها الغبار .. وأنا أريدك تنفض ما عليها من الغبار وتنشرها.
ثم إنني استوقفت الشيخ وسألتُهُ: كيف عرف الفلاّح كل ذلك؟!
قال الشيخ حامد: لقد عرفَهُ من أُستاذِهِ (الرمال) .. هل تسمعون بـ (الرمال)؟
قلتُ لهُ: أنا لا أعرف (الرمَّال) هذا .. ما هي قصتُهُ؟
قال: (الرمَّال) كان يفتش عن كتب سلفه .. ولما وجد ما وجد منها .. بدأ بجمع العمال والكنّاسين .. وقام يُدرّس لهم .. وكان لا يُسمح لهُ أن يُدرسَ علانية .. وكان من جُملَتِهم هذا الفلاّح .. وهذا الفلاّح يصلح أن يكون إماماً من الأئمة .. ولكنهُ هناك في الفلاحة .. فمن الذي يصلح أن يتعلم؟!
ولكن ما زال الخيرُ موجوداً في كُلّ بلدٍ حتى تقوم الساعة.
المرجع: المجموع للشيخ حماد الأنصاري (1/294-297)
تصوفه :
لماذا أقسو على الصوفية؟!
هذه الأسطر القادمة ..
هي بيان من الشيخ موجز عن خلاصة ما وصل إليه عن الصوفية وتصوفهم..
الشيخ الذي كان يوماً من الأيام مع هؤلاء الضلال الجهال ..
نزع غشاوة الظلمة بنور الاتباع قامعاً ظلمات الابتداع ..
(/2)
فهو هنا ناصحاً وموجهاً ومعلماً ومحذراً ..
وأيضاً فهو يبرر أن كان قد أحسوا منه شدة ..
فإنه قد عاش وضاق طعم المرارة ..
فأراد أن لا يذوقها غيره ..
فإلى كلماتهِ وتوجيهاته رحمه الله:
إن هذه الطرق الصوفية المنتشرة في الناس اليوم تروج الكفر والوثنية والدجل وتعمل جاهدة لتأليه الدجالين واعتصار دماء الجماهير لتتضخم جيوب شيوخها أولياء الشيطان وتنشر في الناس ظلمات الجاهلية الأولى وتحارب الله ورسوله و تهيئ الأمة الإسلامية بهذه الجاهلية العمياء وهذه التقاليد الخرافية وهذه الغباوة البهيمية لتكون لقمة سهلة الهضم للأعداء،هذه الطرق الصوفية هي المعول الذي هدم به اليهود والفرس صرح الإسلام،هذه الطرق الصوفية هي اليد الأثيمة التي مزقت رقعة الدولة الإسلامية،وشيوخ الطرق الصوفية هم الذين يمكنون المستعمرين في مراكش وتونس والجزائر والهند وفي السودان وفي مصر وفي كل مكان من البلاد الإسلامية وهم سماسرة المستعمر وخدمه المخلصون في خدمته إذلال المسلمين واستغلالهم.
ولقد كُنتُ واحداً منهم وعرفت دخائل أمورهم وخبايا زواياهم وسيء مكرهم وخبث قصدهم، فالحمد لله الذي أنقذني وهداني إلى الإسلام الحق الذي بعث الله به رسله ليخرجوا الناس من الظلمات إلى النور، وإني بكيدهم وكفرهم ووثنيتهم أعرف، ولذلك أنا أشد حرباً عليهم ولا أزال حرباً عليهم ما بقي فيَّ عرق ينبض بالحياة مُستعيناً بربي وحده، متأسياً بالرسولِ الكريم محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم صابراً على كل ما يكيد به أعداء أنفسهم من حزبِ الشيطان، أعداء الرحمن مؤمناً بأن العاقبة للمتقين وأن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون.
مُقتطف من جُملة أحاديث للمُهتدي إلى مُعتقدِ أهل السنة والجماعة بعد تركه لضلالات المبتدعة أصحاب الطُرق الصوفية..
(/3)
العلامة محمود المراكبي
خادم السنة المبرمج الكاتب الداعية المهندس العلامة محمود عوض المراكبي ، ولد في القاهرة 1945 م ، نشأ في بيئة محافظة متدينة ، وظهرت عليه علامات النبوغ منذ الصغر فكان يتفوق على أقرانه في شتى المجالات ، حبب إليه التدين فسلك في الطريقة الميرغنية الختمية لمدة تزيد على الخمسة عشر عاماً ، التزم خلالها صحبة كبار مشايخها ، حتى انتهى به المقام أن أصبح من مشايخها والدعاة لها.
شرع في الإطلاع على المكتبة الإسلامية ، وتنوعت دراساته لتشمل أهم فروع المعارف الإسلامية: القرآن والتفسير، والحديث، والتاريخ الإسلامي، والتصوف، والفرق الإسلامية ، إلى أن تبين له مخالفة كثير من معتقدات الصوفية لكتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، مما حدى به إلى تأصيل تجربة التصوف، وإصدار سلسلة الظاهر والباطن لتحذير المريدين من الانخراط في الطرق المؤدية لمخالفة الكتاب والسنة.
وتبين له انتشار مجموعة من الأفكار والمعتقدات البعيدة كل البعد عن الكتاب والسنة ، ومن ذلك التصوف المنتشر في مصر ، وغيرها من البلدان الإسلامية ، فقام بكتابة مجموعة من الكتب التي تهدف إلى تصحيح مفاهيم الفكر الباطني ، وبيان فساد الصوفية ، وعرض مفاهيمها في ضوء الكتاب والسنة، حتى أن جماعة أنصار السنة طلبت منه أن يكتب مقالات شهرية في مجلة التوحيد ، وقد ساهمت هذه المقالات في ابتعاد عدد من الصوفية عن اتباع المشايخ والابتعاد عن الأضرحة ، وتعرض القائمة التالية بعض مؤلفاته:
• أحكام تلاوة القرآن الكريم (منشور - نفذت الطبعة الأولى)
• القول المبين لنفع السالكين (منشور - نفذت الطبعة الأولى)
• (موسى والخضر علما الظاهر والباطن) (الطبعة الثانية)
• (ظاهر الدين وباطنه)
• (تسرب الفكر الباطني إلى الشرائع السماوية)
• (جذور الشيعة وجيش المهدي) (الطبعة الأولى)
• (عقائد الصوفية في ضوء الكتاب والسنة) نفذت منه 40 ألف نسخة منذ نشره عام 1995
(/1)
• (القول الصريح عن حقيقة الضريح)
• (السلوك القويم على الصراط المستقيم)
• ( أمير المؤمنين عمر بن الخطاب)
• (أحسن القصص الكريم ابن الكرام)
• (تهذيب الداء والدواء لابن القيم)
• (تهذيب صفة الصفوة لابن الجوزي) (تحت الطبع)
من هو المبرمج خادم السنة محمود المراكبي:
• (2000 – 2003) مدير تطوير جامع السنة بشركة إيجيكوم.
• (2003 – 2004) مدير عام شركة أفق للبرمجيات.
• (1988 – 1997) مدير مركز التراث المسئول عن البرمجيات الإسلامية في شركة صخر للبرمجيات (حرف حاليا)، طور خلالها ما يزيد على عشرين برنامجا من أنجح البرمجيات الإسلامية.
• من أبرز رواد تصميم وإدارة البرمجيات الإسلامية على مستوى العالم.
• لقد كان اهتمامه بالقراءة والاطلاع على مختلف العلوم الإسلامية الحافز الأول للانشغال في كيفية تسخير خبرته في مجال نظم المعلومات في خدمة العلوم الإسلامية ، وأدرك في منتصف السبعينات أهمية جمع السنة، وتطويع الحاسب الآلي لخدمتها، وبدأ يضع الخطوط العريضة لمشروع جمع السنة . وذلك في أواخر السبعينات، وما زال يحتفظ بتلك الأوراق حتى الآن.
• في سنة 1990 انتهى تطوير برنامج صحيح البخاري، وبدأت مرحلة تعريف العلماء والمهتمين بعلم الحديث بما تحقق حتى الآن، وكانت البداية مع قسم الدراسات العليا بالجامعة الإسلامية في المدينة المنورة حيث تم عرض البرنامج على أساتذة القسم، في حضور السيد العميد، والدكتور أكرم ضياء العمري، والشيخ حماد الأنصاري، والدكتور سعدي الهاشمي وغيرهم، وقد لاقى البرنامج القبول والتشجيع من الحضور على المضي.
(/2)
• عرض برنامج صحيح البخاري في مؤتمر عقد البنك الإسلامي للتنمية سنة 1989 ، باسم "استخدام الحاسوب في العلوم الشرعية" دعى إليه كل العاملين في هذا المجال على مستوى العالم، وتم تقييم ما هو متاح لدى الجميع، وحظي برنامج صحيح البخاري بأكبر تقدير بين كل ما قدم، حتى أن الأستاذ الدكتور/ أكرم ضياء العمري الحاصل على جائزة جمعية الملك فيصل الخيرية قال: "كما قام المهندس محمود المراكبي من شركة صخر بالإفادة من الحاسب الآلي لخدمة صحيح البخاري، وقد اطلعت على البرنامج، وأرى أنه يخدم صحيح البخاري، وأنه متقدم على بقية البرامج التي تخدم كتابا واحدا". (صفحة 47 - أعمال المؤتمر)
• لم يطور صاحب السيرة هذه البرامج بمعزل عن علماء الحديث، وإنما كانت تتوالى العروض أولا بأول، فقد التق ى سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله - أربع مرات، وكانت الزيارة الأخيرة لعرض مسند أحمد بن حنبل ، ويومها طلب منه الشيخ أن ببحث له عن حديث : " نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الوحدة، أن يبيت الرجل وحده أو يسافر وحده " ، وقال: إن تلاميذه يبحثون له عن هذا الحديث منذ حوالي شهرين، ولم يعثروا عليه، وأظهره البرنامج في ثوان معدودة، فما كان من سماحته إلا أن قال: " إن هذا عمل من قبيل الخوارق " .
• أثناء عمله في تطوير مصادر الحديث وضع تصميم وأدار تطوير العديد من البرامج الإسلامية لخدمة: القرآن الكريم, وإضافة ترجمات معانيه إلى اللغات: الإنجليزية ، والفرنسية، والألمانية ، والتركية، والمالاويه، والإندونيسية.
• طور برنامج المواريث على المذاهب الأربعة ليحل أي مسألة ميراث, وكتب منطق البرنامج بكل تفاصيله ، وأثناء عرض البرنامج على وكيل وزارة العدل السعودية طلب منه إضافة مسائل المناسخات على البرنامج بحد أقصى خمس مسائل متتالية ، إلا أن الله تبارك وتعالى وفقه وأصبح البرنامج يحل أي عدد من مسائل المناسخات.
كتابه عقائد الصوفية في سطور :
(/3)
يتناول الكتاب نشأة عقائد الصوفية وتطورها من صوفية السلوك إلى صوفية الفلسفة، مرورا بالوجد والغلبة، فالسكر والشطح، ثم القول بالفناء، ودور الحلاج في وضع فرية قِدَم النور المحمدي، ثم دور ابن عربي في تأسيس نظرية وحدة الوجود، التي استكملها ابن الفارض وابن سبعين بالوحدة المطلقة، ثم الجيلي في نظرية الإنسان الكامل والحقيقة المحمدية التي هي نقطة وحدة الوجود وأصل الموجودات.
يتتبع المؤلف أوراد ما يقرب من عشرين طريقة صوفية معاصرة ويحدد من نصوصها ما يشير إلى عقيدة وحدة الوجود، ومواضع الغلو وإطراء النبي صلى الله عليه وسلم، كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، مؤكدا إعجاز حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي حذر فيه أمته من اتباع انحراف أهل الكتاب، كما يكشف الكتاب جذور علاقة التصوف والتشيع.
كذلك يناقش الكتاب أركان السلوك الصوفي وهي: الشيخ ودوره في تربية المريد، وكيف يُمد الشيخ تلاميذه في الدنيا وعند الموت ويوم القيامة!!! ومكانة الأضرحة والموالد ، والتوسل والاستغاثة ، ومقامات الشيوخ من الأبدال والأقطاب ومهامهم وعلاقتهم بالخضر عليه السلام ، ومقام الغوثية وديوان التصريف والحكومة الباطنية ، ويستعرض الكتاب مكانة الذكر في الفكر الصوفي والأسماء السريانية وجاه الحروف، والتعدي في الدعاء ، كل ذلك من واقع دراسة غير مسبوقة للأوراد وعرض النصوص التي يتداولها أبناء الطرق الصوفية.
إن هذا الكتاب يمثل دراسة فريدة جمعت بين التجربة الشخصية للمؤلف ، وبين التأصيل العلمي والتحقيق على هدي من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم .
والحقيقة أن ترجمة العلامة محمود المراكبي تطول ، وقد حصل لنا مما أوردنا المطلوب ، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبة وسلم ، والحمد لله رب العالمين.
(/4)
المحدث أبو شعيب الدكالي
العلامة المحدث أبو شعيب بن عبد الرحمن الصديقي الدكالي "رحمه الله تعالى" المتوفى سنة (1356 هـ).
رحل قديماً إلى مصر والحجاز، ولقي الأكابر، وأمَّ الناس في الحرم المكي ، فتأثر بالدعوة الإصلاحية في مكة والحجاز ، عاد إلى المغرب تعظمه الملوك ، وقام بالدعوة إلى العمل بالحديث مع احترام المذهب المالكي وعدم التعصب له ، وفي العقيدة دعا إلى مذهب السلف ورد على المتكلمين ، ودعا إلى انتهاج السنة ونبذ البدعة وهاجم الطرق الصوفية بشدة ، وسفه شعائرها.
أقبل عليه الناس وتتلمذ عليه الكثيرون ، وعدوه مجدداً لدين في المغرب الأقصى.
وهو إمام جليل في علمه وغزارة درسه ، مشهور بكثرة التلاميذ والأتباع.
ترك أبو شعيب الدكالي من خلفه عدداً كبيراً من العلماء، خاصة لما استقر في رباط الفتح، فقد درس جميع كتب السنة الستة ، مع جملة وافرة من كتب الأدب ، وتفسير القرآن الذي كان من خلاله ينشر أفكاره الإصلاحية.
ومن المشاهير الذين تتلمذوا عليه وحملوا أفكاره وقاموا بمحاربة التصوف وبدعه من بعده:
الشيخ محمد بن الحسن الحجوي
الحافظ محمد المدني بن الغازي العلمي
القاضي الإمام محمد بن عبد السلام السائح الرباطي
القاضي عبد الحفيظ بن الطاهر الفاسي الفهري
العلامة الشريف محمد بن العربي العلوي
الشيخ محمد بن الحسن الحجوي
الشيخ محمد بن الحسن الحجوي كانت دعوته للإصلاح وطريقة السلف وترك الجمود مثلٌ ، ألف كتبا قيمة مفيدة ، منها "الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي". وكان يدعو إلى عقيدة السلف وترك التأويل في الصفات ، حارب الصوفية في شعائر الطريق والغلو في الصالحين، ودعا إلى تجديد الفقه الإسلامي والعودة به إلى معينه الصافي. توفي سنة 1376 هـ.
الحافظ محمد المدني بن الغازي العلمي
(/1)
القاضي الحافظ الشريف محمد المدني بن الغازي ابن الحُسْني العلمي ، كان شامة في جبين ذلك العصر، وله شرح على "المختصر" بالدليل لم يكتمل ، وشرح على "المرشد المعين" بالدليل ، وهو نفسه كان يدرس "زاد المعاد" لابن القيم في جامع السنة بالرباط. وله شرح "نصيحة أهل الإسلام" للشيخ محمد بن جعفر الكتاني في أربعة مجلدات. وكان له في الحديث والأدب اليد الطولى. توفي سنة 1378 هـ.
القاضي محمد بن عبد السلام السائح الرباطي
القاضي محمد بن عبد السلام السائح الرباطي، وله اليد الطولى في العلوم. وكان على مذهب شيخه الدكالي في دعوته للسنة ونبذ البدع. توفي سنة 1368 هـ.
القاضي عبد الحفيظ بن الطاهر الفهري
القاضي عبد الحفيظ بن الطاهر الفاسي الفهري. له المؤلفات الهامة في التراجم والإسناد، والدعوة من خلال ذلك لطريقة السلف أيضا، وترك البدع والخرافات.
العلامة الشريف محمد بن العربي العلوي
ومن أشهر أصحاب أبي شعيب الدكالي، وحاملي رايته من بعده: العلامة الشريف محمد بن العربي العلوي، رحمه الله تعالى.
لما نفي السلطانُ محمد بن يوسف سنة 1373هـ وبويع ابن عمه محمد بن عرفة ، قام في ذلك قياماً عظيماً، وأفتى بقتال المناهضين ، وجاهر المحتل بالعداوة فنفوه للصحراء ، ونالته جملة من المحن. والتف حوله الناس بعد وفاة الدكالي، وجعلوه شيخا للإسلام بالمغرب.
وقد كان ابن العربي العلوي أشد في نقده للصوفية من شيخه الدكالي. ولما استقل المغرب اعتزل بُعَيْد ذلك لكونه رأى ما لا يسره من انحراف الحكم عن الإسلام، إلى أن توفي سنة 1384، ولم يصنف شيئا.
(/2)
جعفر إدريس
جعفر شيخ إدريس محمد صالح بابكر عبد الرحمن بلل من قبيلة الشايقية بشمال السودان
ولد عام 1932 ميلادية بمدينة بورسودان .
والده شيخ إدريس من حفظة القرآن الكريم. انتقل لمدينة بورسودان بشرق السودان ليعمل شرطياً
مراحل الدراسة :
في سن السادسة حدث للشيخ حادث بقدمه عوقه عن المشي لمدة ثلاث سنوات تقريباً. لذلك بدأ تعليمه الرسمي متأخرا جدا، لكنه يرى أن هذا ربما كان من أكبر نعم الله عليه، إذ حفزه للجد في الدراسة في المدرسة وخارجها. فكان في المرحلة الأولية يدرس في المدرسة والخلوة (مدرسة تحفيظ القرآن الكريم) معاً. وفي المرحلة المتوسطة في المدرسة وعلى بعض الشيوخ فدرس عليهم الأربعين النووية وبعض كتب المذهب المالكي، وبعض كتب النحو، وكان يحضر مع والده دروس الشيخ أبو طاهر بالمسجد الكبير ببورسودان فسمع عليه قدرا كبيرا من الصحاح ولاسيما صحيح البخاري، كما درس عليه بعض مختصرات أخرى في الحديث والبلاغة والآدب. درس أيضا على بعض العلماء الشناقيط الذين كانوا يمرون على مدينة بورسودان في طريقهم إلى الحج. ولما انضم إلى جماعة أنصار السنة عرف شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وصاحبهما منذ ذلك الحين وحتى الآن.
مرحلة الدراسة الثانوية :
قبل بمدرسة حنتوب في سنة 1950 وهي حينذاك إحدى ثلاث مدارس ثانوية بالسودان وكان لا يُقبل فيها إلا المتفوقون في الدراسة. وفي المدرسة انضم إلى حركة إسلامية ناشئة هي حركة التحرير الإسلامي التي صارت فيما بعد جماعة الإخوان المسلمين، ولم يكن لها ارتباط تنظيمي بجماعة الإخوان في مصر. ثم صارت جبهة الميثاق الإسلامي واجهة لها إبان الحكم الديمقراطي الذي أعقب نظام عبود العسكري.
مرحلة الدراسة الجامعية والتعليم العالي :
(/1)
التحق بكلية الآداب بجامعة الخرطوم ثم تركها ليذهب للدراسة بمصر، ثم ترك هذه وعاد إلى جامعة الخرطوم ليدرس الفلسفة (قسم الشرف) والاقتصاد، فلم يتخرج فيها إلا عام 1961 فقبل بها معيدا وسجل لدراسة الماجستير، لكن الجامعة ابتعثته في العام التالي للدراسة بجامعة لندن.
بعد سنتين سقط نظام عبود فترك الدراسة واستقال من الجامعة ليشارك في العمل السياسي الإسلامي. وكان مرشح جبهة الميثاق بمدينة بورسودان.
عاد للجامعة مرة أخرى عام 67 فحول المشرف رسالة الماجستير إلى دكتوراة فأكملها في عام 69 لكنه لم يحصل على الشهادة إلا عام 70 بعد أن ابتعثته الجامعة إلى بريطانيا مرة أخرى.
العمل والتدريس :
قسم الفلسفة, جامعة الخرطوم. 1967 - 1973
قسم الثقافة الإسلامية, جامعة الرياض (الملك سعود حالياً )
مركز البحوث بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض
كلية الدعوة والإعلام، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
وكان يدرس طلاب الدراسات العليا بالجامعة مواد العقيدة والمذاهب المعاصرة كما أشرف على الكثير من رسائل الماجستير والدكتوراه
مدير قسم البحث بمعهد العلوم الإسلامية والعربية في أمريكا
مدير الهيئة التأسيسية للجامعة الأمريكية المفتوحة
مستشار لعدد من المؤسسات الإسلامية في أنحاء العالم
شارك في عدة لجان إسلامية عربية وعالمية
النشاط العام والمؤتمرات :
ألقى أحاديث ودروس ومحاضرات في كثير من الجامعات والمراكز الإسلامية والمساجد في كثير من بلدان العالم في أفريقيا وآسيا وأوروبا وأستراليا وأمريكا الشمالية ودول الكاريبي وأمريكا اللاتينية.
شارك في كثير من البرامج التلفازية والإذاعية في عدد من الدول.
اشرف على رسائل علمية لدرجة الدكتوراة والماجستير.
شارك ببحوث قيمة في عدد كبير من المؤتمرات الإسلامية والعالمية
(/2)
كتب مقالات كثيرة في الصحف السودانية كان من بينها باب أسبوعي في جريدة الميثاق الإسلامي بعنوان جنة الشوك ومقالات في مجلات إسلامية وأكاديمية باللغتين العربية والإنجليزية.
وهو يكتب الآن زاوية شهرية بمجلة البيان التي تصدر في لندن بعنوان: الإسلام لعصرنا.
الكتب والبحوث :
للشيخ عدد كبير من البحوث أكثرها مشاركة منه في مؤتمرات. بعض المؤتمرات ينشرون هذه البحوث وبعضهم لا ينشرونها. كما له عدد من الكتيبات المنشورة باللغتين العربية والإنجليزية.
ولمعرفة المزيد من بحوث وكتب الشيخ تصفح موقع الكتب والمقالات في هذا الموقع.
أفضل من يُعرفكم بالشيخ جعفر هو الشيخ جعفر في نص مقابلة أجرتها معه مجلة العصر الإلكترونية عام 1421 هجرية.
نص المقابلة
http://216.39.197.143/alasr/Interview/article_132.shtml
قصة الهداية يحكيها الشيخ له ولوالديه:
الشيخ جعفر:
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن سيدنا محمدا عبد الله ورسوله صلى الله عليه وآله وصحبه أجمعين.
أنا من عائلة سودانية كانت تنتمي كمعظم السودانيين آنذاك إلى طريقة صوفية، وكانت الطريقة التي ينتمي إليها الوالدان هي الختمية، وكما هو معلوم أن الطرق الصوفية ولاسيما المنتشرة في بلادنا الآن، مبتلاة بكثير من المسائل الشركية لكن ربنا سبحانه أنعم عليّ بوالدين أثرا في حياتي الدينية والخلقية، فالوالدة لم تكن امرأة عالمة ولكنها كانت شديدة التدين وحازمة جداً، وقد أثرت علي تأثيراً كبيراً في موضوع الصلاة أكثر من الوالد، فقد كانت حازمة جداً في هذا الموضوع، وأذكر أنها كانت توقظنا أحياناً لتسألنا هل صلينا العشاء؟
(/3)
وأنعم الله سبحانه علينا بالوالد وكان رجلا متسامحاً معنا ، فكان يعاملنا معاملة الكبار آنذاك، ويستشيرنا في بعض أموره، وهذا لم يكن شائعاً في السودان , ولكنهما كانا ينتميا إلى هذه الطائفة، فأول شيء أثر في حياتي تأثيرا كبيرا مازلت أحمد الله عليه وأن أحد أقاربنا كان من أول من نشر الدعوة السلفية في السودان، وكان من جماعة أنصار السنة المحمدية في بلدنا ببورسودان، وكنت آنذاك في الثانية عشر حيث تركت انتمائي إلى طائفة والديّ تحت تأثير هذا القريب، مما أحدث مشكلة بيني وبين الوالدين لاسيما أمي، حيث كانت تظن أن هذا نوع من الانحراف فقاطعتني وصارت لا تتكلم معي.
لكن ساعدني أن هؤلاء الذين تأثرت بهم كانوا من الأقارب وكان منهم رجلاً تحترمه الوالدة احتراماً كبيراً، وهو رجل بسيط يعمل خياطاً لكنه كان رجلاً عالماً، فجاء إلى أمي عند حصول هذه المقاطعة وأصلح بيننا، وبعد مدة تغير الوالد -وكان رجلاً يحفظ القرآن –حيث كنت آتي إليه وأقرأ عليه بعض الكتب....
العصر: هل تتذكر بعض عناوينها؟
الشيخ جعفر: ……… كانت كتباً صغيرة مؤلفة في مصر، وكان ضمنها كتاب غاب عني اسمه الآن كان له أثراً عظيماً آنذاك، ومازالت أقرأ على الوالد حتى اقتنع وتغيرت بعده الوالدة أيضا وأعد ذلك من نعم الله علي أن كنت السبب في إنقاذهما من الخرافات والشركيّات ولله الحمد سبحانه.حادث في الصغر:
(/4)
وكان الحادث تعرضت له في الصغر أثر في تأثيراً ليس بالضرورة فكرياً، ولكنّي لمست نتائجه فيما بعد، إذ أصبت آنذاك، وكنت ألعب على صناديق كبيرة كانت لبعض السيارات، فقفزت من فوق إحداها على مسمار يبدو أنّه أحدث كسراً في العظم بالداخل، وتألمت لذلك ألماً شديداً وتعقّدت الأمور –وكنت حينئذ في السادسة من عمري- واستمر المرض إلى السنة التاسعة تقريباً، وكان ذلك في زمن الإنجليز، وعند أن عرضت على الطبيب قرر هذا أن تُقطع رجلي، فوافق الوالد لكن الوالدة رفضت وبحزم شديد، ثم ذهبت تستشير السيد علي الميرغني –وكانت ما تزال في الطائفة حينئذ- فأجابها قائلاً: نعم.. اسمعوا كلام الطبيب.
وما كان يظن أحد أن أمي ستخالف رئيس الطائفة لكنها فعلت ورفضت قوله ذاك فقال لها الطبيب: إما أن تقطع رجله أو يموت فقالت: خلّيه يموت!!!.. يموت برجلين ولا يعيش بواحدة.
فكان من نتائج ذلك أن تأخرت في الالتحاق بالدراسة، لكن هذا التأخير أفادني جداً، إذ جئت إلى الدراسة بعد ذلك بنهم شديد، فأنا ما كنت بدأت أصلاً، وعندما بدأت الدراسة كان زملائي في السنة الرابعة، وأنا في السنة الأولى، وكان لي أخ ضمنهم، وكنا قد ذهبنا سويّة إلى المدرسة فقُبل هو ولم أُقبل لصغر سني، فكان أخي هذا يمازحني بعد ذلك فيقول: احمد الله على هذا الحادث فلولاه ما دخلت الجامعة.
وقد كانت المنافسة في الدخول إلى الثانوية كبيرة جدّاً آنذاك. إذ لم يكن في السودان وقتئذ غير ثلاث مدارس ثانوية فقط، فكان الدخول إلى أحدها في غاية الصعوبة .لكني أتيت إلى المدرسة في مرحلة نضج واجتهاد شديد، فكنت أذهب إلى الكتّاب باختياري إذ يوقظني الوالد لصلاة الفجر وأبقى في الكتّاب إلى السادسة، ثم أعود فأستعد للذهاب إلى المدرسة وعند رجوعي منها أذهب إلى الكتّاب مرة أخرى وبعد ذلك أنال شيئاً من الراحة، أعود بعدها إلى الكتّاب عند المغرب.
حلقات المساجد:
(/5)
بدأت بعد ذلك دروس كان يلقيها رجل سنّي، فكنت أذهب إليها، ومن الرسائل التي بدأت أقرأها مبكراً وأمارس حفظ بعض الأحاديث منها رسالة الأربعين النووية، ثم لما ذهبنا المدرسة المتوسطة كنت أحضر مع الوالد دروساً في السنة كان يلقيها رجل عالم بالسنة,تخرج بالأزهر وكان مشهوراً في بلدنا، يدرّس كتب السنة فقط، وفي هذه الفترة بدأت أقرأ بعض الرسائل الصغيرة لشيخ الإسلام ابن تيمية....
الشيخ جعفر إدريس: عندما انضممت إلى "الإخوان" كنت لا أقبل ما أعتقد أنه خطأ، وأسارع إلى نقده، ولم يكن هذا شيئاً محبباً عند البعض، وأذكر أن الأخوان كانوا يقرؤون "المأثورات" وكان في بدايتها أن الذكر الجماعي لا بأس به، فرفضت ذلك، وأقنعت بعض إخواني الذين كانوا معي آنذاك وكنت أنتقد أشياء في ما كانوا يسمّونه "ورد الرابطة" وكان يُقرأ بعد المغرب، لذا فقد نفعني انتمائي إلى الاتجاه السني عند الانضمام إلى الحركة، وصار النقد عندي طابعاً، ومما كتبت في نقد بعض الظواهر في العمل الإسلامي، رسالة موجودة في كتابي "نظرات في منهج العمل الإسلامي" حيث شاع عند الإخوان، والظن عند بعض الجماعات أيضاً اعتقاد أن جماعتهم هي جماعة المسلمين، وأن الذي يخرج خارج على الجماعة، فانتقدت ذلك، وقلت إننا جماعة من المسلمين ولسنا جماعة المسلمين وأنه ليس في الإسلام شيئ اسمه الالتزام الفكري بقرارات التنظيم، وقد ناقشت الشيخ المودودي في ذلك وكنت التقيت به في لندن، كما التقيت بغيره من الدعاة من الباكستان وتونس والمغرب والجزائر خاصة بعد ذهابي إلى السعودية، لذلك أظن أن المعيار النقدي هذا هو الذي جعلني أكشف الترابي في وقت مبكر.
العصر: هل تتذكرون ما دار بينكم وبين الشيخ المودودي؟
(/6)
الشيخ جعفر إدريس: نعم لا أزال أذكر بعض ما دار بيننا، مثلاً كان ينتقد حركة "الأخوان" قائلاً: أنتم في العالم الإسلامي جماعات مستقلة لكنكم كلكم تطلقون على أنفسكم "الإخوان المسلمون" بينما ينبغي أن يكون عكس ذلك، أن تكونوا جماعة واحدة لكن بأسماء مختلفة حتى لا يؤخذ بعضكم بجريرة البعض الآخر.
وتناقشنا في مسألة الالتزام بالتنظيم فقلت له: أنا لا أعلم في الدين أن الإنسان يلتزم برأي الجماعة، لكن يلتزم بالعمل، فالحاكم مثلاً إذا أمرني بشيء أخالفه الرأي فيه أعمله ما دام لا يخالف كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم، لكن ليس من حق الحاكم أ ن يقول اذهب إلى الناس وأخبرهم أن هذا هو الرأي الصحيح. فأجابني: أننا إذا لم نلتزم تصير الأمور فوضى، فقلت له: لا يحدث ذلك إذا نحن ربينا الناس على العمل سوية وإن اختلفت الآراء، لكن ما حدث هو أننا أدخلنا إلى أذهان الناس أن من خالف رأي الجماعة منشق عنها فكان ما نراه اليوم من أوضاع مؤسفة.
ولقد كنت أقول لبعض الأخوان هذه صحيفتنا لماذا لا ننتقد أنفسنا بأنفسنا، فالصحابة كانوا ينتقدون بعضهم البعض وكانوا أخواناً متحابين. ثم في الأخير شرح لي الشيخ نظامهم ووجدته أقرب شيء إلى الصورة المثالية فقد قال لي: نحن لا نصدر كثيراً من القرارات، إلا في مسائل مهمة جداً، وما عدى ذلك فالناس أحرار، وإذا اجتمعنا لا أكاد أذكر أننا مرَّرنا شيئاً بالأغلبية، ولكن حتى إذا خالف البعض أرجأنا الاجتماع حتى نقنعهم فقلت له نفرض أنكم كلكم اتفقتم وأنا في باكستان الغربية، وكانت باكستان آنذاك شرقية وغربية قبل الانفصال.
(/7)
فقال لي: تكون فوضى فأجبته بالنفي فأنا ألتزم بالعمل، فمثلاً قلتم أن المرأة تدخل البرلمان أو لا تدخل وأنا رأيي مخالف، فإذا كنت أرى أنها مسألة اجتهادية أوافق من الناحية العملية لكن إذا سألت أجيب بما أراه، وما زلت أرى أن هذه واحدة من آفات التنظيمات الإسلامية المعاصرة، وهذا شيء أخذناه –للأسف- من أسوأ الحركات الغربية وهي الشيوعية فالحركة الشيوعية تنظر إلى قرار الحزب أنه قرار باسم الشيوعية فمن يخالفه يخالف الفكر الشيوعي ونحن ليس لدينا شيئاً من هذا، عندنا الكتاب والسنة والإجماع، إذاً فالذي يخالف في التنظيم لا يخالف هذه الأصول بل يخالف رأي التنظيم لا غير.
وقد ألقيت محاضرة ضمنتها ما ذكرته سابقا، ونشرت وهي نفس الرسالة التي أشرت إليها سابقاً، وبعد انتهائي من المحاضرة أتاني شاب في اليوم التالي وقال لي أنه من حركة أخرى، لكنه وجد كل العيوب التي ذكرتها في المحاضرة موجودة في حركته، فكان هذا شيئاً مخيفاً لا يطمئن بالنسبة لي. لذلك نحن مازلنا بحاجة إلى أسلمة الفكر التنظيمي، مثلاً كيف يختار القائد وما مدى مسؤولياته وصلاحياته، وما مقدار التزاماته وحريته في التنظيم.
العصر: بما أن الشيء بالشيء يذكر نسألكم عن رجل عرفتموه، وعلمتم عيوبه في وقت مبكر، وانتقدتموه مبينين أخطاءه هذا هو الدكتور حسن الترابي ماذا لدى الشيخ جعفر عن هذا الرجل؟
(/8)
الشيخ جعفر إدريس: ذهبت والترابي إلى نفس المدرسة وكنا نسكن في نفس الداخلية (سكن الطلاب)، وكان الترابي أمامي في الدراسة سنتين، ولم يكن معنا في الجماعة آنذاك، وعندما كنت في السنة الأولى بالجامعة سمعنا أنه انضم إلى الجماعة وفرحنا بذلك، ثم عرفته عن قرب وصحبته في الجامعة، لكني بدأت ألمس فيه عيوباً في الفكر والسلوك، والبعض يظن أن دافع نقدي له هوا لتنافس، ولكني لاحظت عليه ذلك وأنا مسؤول عن التنظيم ولم يكن هو آنذاك شيئاً يذكر، وانتقدته وقتها ولم تكن بيننا أي منافسة. ورغم تحفظاتي التي في قلبي عليه فقد تعاونت معه بعد أن صار مسؤولاً وكنت اسمع منه فلتات فمثلاً في وقت مبكر جداً كان يكره أهل السنة ويشمئز من ذكر البخاري وابن كثير وغيرهما، وليس عنده توقير للصحابة وقد قلت لبعض إخواننا الذين إذا انتقد أحداً رماه بالاعتزال، قلت لهم لا تظلموا المعتزلة فهؤلاء كانوا عبّاداً ومخلصين، وكان ما يدعون إليه فكراً بالنسبة لهم وكان دافعهم إليه حسناً وهو اعتقاد تنزيه الله سبحانه فكثير ممن يسمّى اليوم معتزلة لو رآهم المعتزلة لتبرّؤوا منهم، أو يقول لك أشعري حتى الأشاعرة لم يكونوا كذلك، لذا أقول أن هؤلاء أقرب إلى ما يسمّى بالزنادقة أو الفلاسفة الذين لم يكونوا متدينين ولا أقول عقلانيين فقد تتبعت آيات القرآن الكريم التي ورد فيها ذكر العقل فما وجدت الله سبحانه يذم فيها العقل بل يجعل الله العقل مع الإيمان وعدم العقل مع الكفر، وأهل الأهواء يختلفون فمنهم صاحب هوى في الاعتقاد ومنهم في السلوك، ومنهم من جمع بين الأمرين.
العصر: بعد هذا العمر المديد –بارك الله في عمر شيخنا- هلاَّ استعرض لنا الشيخ جعفر خلاصة التجربة الطويلة يفيد بها أجيالاً تنشد إرشاد أصحاب التجارب والخبرات أمثالكم؟
الشيخ جعفر إدريس:
أولاً كما قلت لك أنّنا بحاجة إلى أسلمة الفكر التنظيمي.
(/9)
ثانيا: أنّني وجدت أنّ من أكبر مشكلات الحركة الإسلامية غياب قيادة العلماء لها، لذلك أقول دائماً ويستغرب البعض من قولي ذلك: أنني استفدت من الشيخ ابن باز الكثير حتى في الجانب السياسي وموقفي من الحكومات ما لم أستفده من كتب الحركة الإسلامية، وأقول لك كيف؟
فقد تأتي الفائدة أثناء شرح لحديث ما، وصرت أكثر مرونة، فمثلا أذكر أنه مرة أثناء حديثه عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قال: أن من أكبر وسائل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الاتصال بالحكومات ولو كانت كافرة، فاستغرب الناس من ذلك، فضرب لهم مثلا أنك إذا أردت إدخال مادة الدين الإسلامي في المدارس في بريطانيا، كيف سيتم لك ذلك إلا بالاتصال بالحكومة هناك، واستفدت منه أن الإنسان لا يكون معارضاً طوال الوقت، بل يقف مع الشيء الحسن ولو كانت الحكومة منحرفة وهذا يلين قلب الحكام ويشعرهم أن المعارضة ليست همك دائماً.
ثالثا: وهذا شيء يحزن النفس ويحز في القلب، أنني وجدت الجماعات الإسلامية كلها تقريباً ابتلت بالتدهور في الأخلاق، فحسن الخلق شيء تتوقعه من العامي فضلاً عمّن يمثل الإسلام، وسوء الخلق داء انتشر وللأسف في أوساط الجماعات الإسلامية فتجد منهم من يكذب ويغش بكل سهولة، وغياب الإنصاف عند بعضهم فهذا شيء لا بد من معالجته وتذكير الناس بأنّ العمل الإسلامي عبادة أساسها الخلق، وأن الهدف منه إنقاذ النفس والمجتمع، وليس تغيير المجتمع فحسب، وأن مبدأ الشيوعية في أن المعتبر في الأخلاق هو ما ساعد على تقدم الحزب بغض النظر عن سوءه شيء مرفوض في الإسلام.
رابعا: ضرورة الطاعة مع النقد، فالجماعات تهتم بالطاعة وتغفل النقد، والطاعة ضرورة فيما وافق الدين لأجل التنظيم ,لكنّ النّبي صلّى الله عليه وآله وسلّم الذي أمر بالطاعة بايعه الصحابة أيضاً على قول الحق لا يخشون في ذلك لومة لائم.
(/10)
إذاً ففي غياب النقد تحضر الديكتاتورية والتسلّط . وأن يكون هناك تسامح بين الحركات الإسلامية و إلا لكانت هذه الحركات كالشيوعية فالشيوعية تضيق بالمفكرين، وقد قارن أحد الغربيين بينها وبين الكاثوليكية إذ خرج منها كثير من المفكرين لغياب التسامح، وقد ابتلت بعض الحركات الإسلامية بهذا كما حصل عندنا في السودان في عهد الترابي حيث اعتبرت الحركة هي الترابي مما جعل الكثيرين يخرجون وإن لم يحدثوا ضجة كما فعلت أنا.
وأحب أن يكون لنا معرفة أكثر بالغرب، لأنه مؤثر في السياسة العالمية اليوم، وصورتنا عند الغرب مشوّهة، والعالم اليوم صار كما يقولون قرية صغيرة لذلك كله لا بدّ من زيادة معرفتنا بالغرب والمشاركة في القضايا العالمية حتى تُعرف مشاركة المسلمين في ذلك وجزء من هذا العبء يتحمله الذين في الغرب من المسلمين.
لذلك أقول دائماً أن الكثير من الكتب الإسلامية المؤلفة للغربيين بلغتهم هي للمبتدئين، ويمكن أن أكبر كتاب ظهر لأحد الإسلاميين بشكل أكاديمي مؤخراً هو كتاب زرابوزو في شرح الأربعين النووية، لذلك يلزمنا كمسلمين أن نشارك في القضايا التي يواجهها الشعب الأمريكي إذ أن هذا شكل من أشكال الدعوة إلى الإسلام، كالكلام على مشاكل المخدرات والإجهاض والعولمة والمشاكل الاقتصادية وغيرها من قضايا المجتمع الغربي حتى يظهر لدينا مفكرون معروفون للمجتمع الغربي .
(/11)
جمال الدين القاسمي
الشيخ جمال الدين القاسمي ، شيخ الشام في وقته ، ولد "رحمه الله" سنه: (1283 هـ) وبدأ بطلب العلم منذ الصغر ، جد واجتهد ، وتفوق على أقرانه ، وسلك الطريقة النقشبندية على يد شيخه في ذلك الوقت الشيخ محمد الخاني شيخ الطريقة النقشبندية ومرجعها في ذلك الوقت.
شغل الشيخ القاسمي عدة مناصب في التدريس والدعوة ، وما إن أعلن مخالفته لأرباب الطرق والخرافة حتى انهالت عليه الإشاعات والافتراءات من مشايخ الطرق في دمشق ، وبدأت الوشاية به عند السلطات في دمشق فاستدعي وحقق معه فأثبت للجميع علمه وانصافه والتزامه القواعد والنصوص الشرعية ، فقام من استدعاه بالاعتذار إليه وعاد إلى بيته معززاً مكرماً ، ولكنه بقي في بيته منعزلاً للتأليف والتدريس.
وكان يصف شيوخ التصوف بقوله: ((هم كالعمود الكهربائي، يبث الجنون في رؤوس الناس، ويلجئهم إلى الإتيان بمظاهر مرض الصرع العام والذهول العقلي)) (1) أي حالات الذكر الخاصة بهم.
وكان ينهى عن الاختلاط بهم ولو من أجل الاطلاع على أحوالهم؛ فقد زجر تلميذاً له مرة حينما أحب الذهاب لمشاهدة حلقاتهم والسماع لأناشيدهم وموسيقاهم، وقال له : "لا تكثر سواد المبتدعة، ولاتكن قدوة سيئة لغيرك" (2) .
(/1)
وقد آلمه كثيراً تصرفات مشايخ الطرق في دمشق وأعمالهم وادعاءاتهم وكثرة بدعهم، فهاجمهم وبيَّن ضلالهم ، وقد وصف ما يفعلون من منكرات تضر بالدين ، ننقل منها حديثه عن مواكبهم التي كانت تخرج في الربيع ، فيقول (3) : ((لا تزال هذه الطوائف تبتدع أموراً تُضحك السفهاء وتُبكي العقلاء وتحتال لمطامعها البهيمية ما جلب العار على الأمة وسلط عليها الأجنبي يهزأ بديننا ويقبح أعمالنا ظناً منه أن ما يجريه هؤلاء الجهلة من الدين. فهلا رجع هؤلاء الجهلة عن بدعهم ، والتزموا طريق أشياخهم الذين يدّعون أنهم على آثارهم وما هم إلا في أيدي الشياطين يلعبون بهم كيف يشاؤون. أين تصفية الباطن التي هي مدار الطريق، وأين الخمول مع هذا الظهور، وأين التواضع مع ركوب الخيل والبغال يقدمها الطبل والمزمار، وأين البعد عن الناس مع هذا المزاحمة الدنيوية، وأين البعد عن الرياء مع الوقوف بين مئات الألوف يتمايل ويتلوى، وأين الإرشاد مع هذه البدع وأين الأشياخ إذا أردنا السلوك. فلعمري لا نرى إلا رجالاً اتخذوا الطريق وسيلة معاشية. أما آن لهذه البدع أن تموت ولهؤلاء الجهلة أن ينتبهوا ويعلموا أنهم بين أمم ينظرون أعمالهم وينتقدون أجوالهم ويكتبون عنهم ما يكتب عن الهمج وسكان البوادي.
إنّ الطريق المسلوك للقوم مبني على الإخلاص في العمل وحب الخلوة والبعد عن الناس والصمت عن اللغو وملازمة الذكر ومداومة السهر فيه وفي التهجد والزهد فيما في أيدي الناس والتمسك بالسنة والإرشاد إلى الطريق المستقيم، وأين هذه الأصول الشريفة مما نراه الآن من الخروج عن الحدود واستبدال السنة البدعة وترك الشرع بهوى النفس.
(/2)
والطامة الكبرى دعوة بعض الأشياخ وانتحاله ما يضر بالعقيدة وإضلاله العامة بما ينقله إليهم عن الإنسان الكامل ونحوه من كتب الصوفية مدعياً فهمه لإشاراته من طريق الفتح أو الإلهام، فقد كثرت النحل والبدع، وسمعنا من أقوالهم ما ليس من ديننا ولا يقول به أهل دين آخر.
وقد اتفق أن أحد مُعْتَبرِي الأجانب دخل أحد الأماكن وقد اجتمع فيه جماعة من أهل الأهواء ، فرآهم يرقصون ويصيحون صياح جنون فقال لترجمانه : ما هذه الغوغاء ونحن نعلم أن صلاة المسلمين في غاية الخشوع والآداب وهذه أمور ليست إلا هذياناً. فقال له ترجمانه : "إن هذه أكبر صلاة عندهم" يريد تنفيره من الدين الإسلامي ولا حول ولا قوة إلا بالله.
فالدين برئ من نسبة هذه البدع إليه؛ فإن سيرة النبي صلى الله عليه وسلم معلومة محفوظة، إذ لم يترك الحفاظ وكتاب السير شيئاً من أقواله وأفعاله وحركاته وسكناته إلا دونوه، وجاء الخلفاء الراشدون ومن عاصرهم على أثره صلى الله عليه وسلم وكذلك جاء الصوفية المتقدمون على هذا الأثر. فلما تشيخ الجهلاء في الطريق التزموا البدع وجاء من لهم إلمام بكتب القوم فانتحلوا أقوالاً لا يعرفون معناها، وعلّموها لجهلةٍ لا يفقهون، فضلُّوا وأضلوا، إنا لله وإنا إليه راجعون.
ومن المصائب الفظيعة تركهم الذكر الشرعي وقولهم "اللام إلا الله" "لوالوها إلا الله" و "ال" بلام مغلظة و"اه" و"ههِ" ثم الرقص وأكل النار وضرب الدف أو الناي والنقارات والنقرزان ووضع الدبوس في الذراع والسيخ الحديد في الحنك والشيش وغيرها من المفتريات القبيحة. فحق شيخ المشائخ منع هؤلاء الجهلاء من إعطاء العهود، حتى يعرفوا العقيدة والآداب الشرعية والفروع الفقهية، ففي ذلك خدمة الأمة والدين، وتأييد لكلمة الحق المتين)).
توفي الشيخ القاسمي "رحمه الله تعالى" سنة (1332 هـ) .
______________________________
(1) جمال الدين القاسمي وعصره: ظافر القاسمي، ص353.
(/3)
(2) شيخ الشام: لمحمود الإستانبولي، ص 91.
(3) اصلاح

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق