الرد على الصوفية àç
ة
|
وقال بعض السادة الصّوفيَّة * مقالةً جليلةً صفيَّة
إذا رأيت رجلاً يطير * أو فوق ماء البحر قد يسير
ولم يقف عند حدود الشرع * فإنه مستدرجٌ وبدعي
والشرع ميزان الأمور كلها * وشاهد بفرعها وأصلها
يا صاح لا تعبأ بهؤلاء * ذوي الخنا والزور والأهواء
باؤا بسخطٍ وضلالٍ وقلى * لم يبلغوا مراتب المجد إلى
أن تنظر البهموت بالعرش يناط * أو يلج الجمل في سم الخياط
هذا زمانٌ كثرت فيه البدع * واضطربت عليه أمواج الخدع
والدين قد تهدمت أركانه * والزور طابَقَ الهوى دخانه
لم يبق من دين الهدى إلا اسمه * ولا من القرآن إلا رسمه
هيهات قد غاضت ينابيع الهدى * وفاض بحر الجهل والزيغ بدا
أين دعاة الدين أهل العلم * قد سلفوا والله قبل اليوم
وهاجت الطائفة الدجاجلة * السالكون للطريق الباطلة
وكثرت أهل الدعاوى الكاذبة * وصارت البدعة فيهم غالبة
فالقوم إذ زاغوا أزاغ الله * قلوبهم فانسلخوا وتاهوا
وجاء في الحديث عن خير الورى * لن يخرج الدجال أعني الأكبرا
حتى تقوم قبله دجاجلة * كل يلوذ بطريقٍ باطلة
إلى أن قال وهو يذكر الطرق السليمة فأطال فيها ولم نذكر منها سوى اليسير اليسير:
فهذه طريقة الرجال * وآل أمرها إلى الزوال
وكثر الملبسون فيها * وصار ذو البدعة يدَّعيها
وآ أسفاً على الطريق السابله * أفسدها الطائفة الدجاجلة
قد أحدثوا طريقةً بدعية * وأفسدوا الطريقة الشرعية
يا عجباً لرافض الشريعة * ويدعي درجةً رفيعة
وكيف يرقى سلم الحقيقة * مخالفاً لسيد الخليقة
وا حسرتا على الطريق المستقيم * قد ادَّعاه كلُّ أفاكٍ أثيم
قد أشرفوا على كهوف الكفر * وستروا بدعتهم بالفقر
واتخذوا مشايخاً جهالا * لم يعرفوا الحرام والحلالا
فنفروهم من دعاة الدين * أولي التقى والعلم واليقين
فأعرضوا عن سبل الرحمن * واتبعوا مسالك الشيطان
وهدموا قواعد الإسلام * واعتبروا خرائف الأوهام
وعكسوا حقائق الأمور * ونصبوا حبائل الفجور(/2)وجعلوا ملء البطون أصلهم * بنوا عليه أمرهم وسبلهم
بعداً لقومٍ ألحدوا في الدين * واشتغلوا بطاعة اللعين
وأولعوا بالإفك والتلبيس * تأسياً بشيخهم إبليس
وا أسفاه على حماة الدين * أولي الذكا والعم والتمكين
آه على طريقة الكمال * أفسدها طوائف الضلال .(/3)العلامة الفقيه أحمد حماني
يقول فضيلة الشيخ العلامة الفقيه أحمد حماني (رحمه الله) رئيس المجلس الإسلامي
الأعلى سابقا بالجزائر، رداً على سؤال ورده:
فحوى السؤال :
كنّا نزور المشايخ بنّية خالصة ونتبرك بآثار الصالحين ونتمسّح بقبورهم ونتوسّل بهم
ونقيم الزردات والوعدات كلّما اشتدّت بنا المحن فنظفر بالمنن وتفرج علينا، حتّى
جاء البادسيّون وقطعوا علينا هذه الاحتفالات البهيجة وغابت علينا وغضب علينا ديوان
الصالحين.
أفليس من الخير أن نعود إلى الزردة والوعدة ونحيي ما اندثر، فإنّ ذلك عادات الآباء
والأجداد، زيادة على الرجاء في تبديل الأحوال، وانصراف الأهوال وإرضاء الرجال وعسى
أن تنفرج عنّا المحن وتكثر المنن.
هذا ما يقوله بعض الناس ويودّ أن تُسَبِّح الأمّة فتذهب الغمّة وما علينا في
الزردة والوعدة وقضاء زمن كثير في الأفراح والأيّام والليالي الملاح والقَصْبَة
والبَنْدِير، والتهويل والشخير والنحير، وما رأيكم دام فضلكم ؟
الجواب:
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اتّبع هداه.
أوّلا : سؤال محيّر لا ندري أصاحبه جادّ به أم هازل ؟ فإن كان جادّا أجبناه بعلمنا
ولا عتب علينا وإن كان هازلا بنا فإنّا نعوذ بالله أن نكون من الهازلين.(/1)فقول السائل : "كنا نزور المشايخ بنية صالحة"
الصواب كنّا نزورهم بغفلة فاضحة، أعيننا مغفلة وعقولنا معطّلة. فالشيوخ كانوا
عاطلين عن كلّ ما يؤهّلهم للزيارة ! فلا علم ولا زهد ولا صلاح ولكن نسب مرتاب في
صحّته فكنّا – كما قيل – نعبدهم ونرزقهم. والزيارة الشرعية تكون للشيخ إذا كان من
ذوي العلم والفهم والصلاح فيكتسب منه الزائر العلم والدين والصلاح ويأخذ منه
المنقول والمعقول ويرجع بفوائده جمّة، كما كان عالم المدينة بها وأبو حنيفة في
العراق، هذه الزيارة هي المأذون فيها وكانت تضرب إليه آباط الإبل، فأمّا إذا كان
الشيخ كالصنم فماذا يستفيد منه الزائر ؟ أعلما أم زهدا أم صلاحا أم نصيحة وعقلا ؟
إنّ المشايخ كانوا خلوا من كلّ ذلك، وفاقد الشيء لا يعطيه. والذين كان لا يمكن
الاستفادة من علمهم لم يَرِدُوا في سؤالكم ولا يمكن أن يخطروا ببالكم مثل ابن
باديس والتبسي رحمهما الله، فقد كان يزورهم الطلاب ويرجعون من عندهم بعلم وفير
ونصائح جمّة أفادت الوطن والأمّة.
وإنّما حكمت بأنّك لا تريد هذا الصنف المقيّد من العلماء لأنّك ذكرت مع زيارتهم،
البركة والتمسّح بالقبور والزردة والوعدة ونسيت الهردة والوخدة والفجور والخمور،
فقد أنقذوا الأمة من هذه الشرور وخلّصوها من قبضة مشايخ الطرق، فكان ذلك مقدمة
لتحريرها ورفع رايتها، ولم يكن لغالب مشايخ الطرق إلا قضية النسب الشريف وهو
مظنون، وإن صحّ ففي الحديث : "من بطّأ به عمله لم يسرع به نسبه" (رواه
مسلم)، وأمّ الشرفاء قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : "يا فاطمة لا
أغني عنك من الله شيئا" (رواه البخاري ومسلم) فإذا أردت أخذ البركة من
المشايخ فاقصدهم للعلم والفضل والصلاح والزهد واقتد بهم واعمل عملهم تنتفع وتحصل
لك أنواع من البركة الحقيقية لا المتخيّلة.(/2)ثانيا : وأمّا قولك "نتمسّح بقبورهم" فإنّ مثل
هذا التمسّح نوع من الشرك ولا يكون إلاّ للحجر الأسود بالكعبة فقط مع التوحيد
الخالص لله وقد قال له عمر يخاطبه : "والله ما أنت إلا حجر لا تنفع ولا تضر
ولولا أنّي رأيت رسول الله يقبلك ما قبلتك" (متفق عليه). فإن كنت مع الحجر
الأسود كما قال عمر فلا بأس أن تقبّله، أمّا غيره فلا يجوز لك التمسّح به فإنّ
التمسّح به وتقبيله شرك يتنَزّه عنه المؤمن الموحّد. إنّ المؤمن يعلم – كما علم
عمر – أنّه حجر والله يقول في مثله من الجماد الذي كان يفتن العباد : "إنْ
تَدْعُوهُمْ لاَ يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ
وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشركِكُمْ وَلاَ يُنَبِّئُكَ مِثْلُ
خَبِيرٍ" [فاطر: 14]. فالبركة المستفادة من هذا التمسّح هي الرجوع إلى عهد
الجاهلية والشرك بالله.
هذا هو التمسّح بالقبور، فإنّها أجداث، فإن قصدت ساكني القبور فإنّ ذلك منك أضلّ
ألم تر أنّ صاحب القبر كان حيّا يرزق ثم جاءه الموت، والموت كريه لا يحبّ زيارته
أحد من الأحياء، فلم يستطع دفعه عن نفسه واستسلم مكرها ولو استطاع أن يفتدي منه
لبذل له الدنيا وما فيها.(/3)فمن رجا الخير من ميّت أو دفع الضرّ المتوقّع فلا أضلّ منه،
فادع في كلّ ما يصيبك الحيّ الذي لا يموت فإنّه النافع الضّار وحده والله يوصي
عباده فيقول : "ومِنْ آيَاتِِهِ اللَّيْلُ والنَّهَارُ والشَّمسُ والقَمَرُ
لاَ تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلاَ لِلْقَمَرِ واسْجُدُوا لله الذي خَلَقهُنَّ إنْ
كُنتُمْ إيَّاهُ تَعْبُدُون" [فصلت: 37]. ثالثا : فأمّا قولك "كنّا
نتوسّل بهم" فإنّ التوسّل الشائع بين الناس وهو الدعاء – الدعاء هو مخ
العبادة – شرك محض، فالتوحيد أن تدعو الله الذي خلقك – ولو عظمت ذنوبك – فإنه معك
يسمع دعاءك فإن كان لا بدّ من التوسّل فتوسّل بصالح أعمالك كما فعل الثلاثة أصحاب
الغار حينما نزلت عليهم الصخرة وسدّته عليهم، فاستجاب لهم من يعلم شدّتهم. هذا هو
التوسّل الصحيح وغيره قد يوقع صاحبه في الشرك، فلا تحم حوله.(/4)رابعا : وأمّا قولك "كنّا نقيم الزردات والوعدات كلما
اشتدّت بنا المحن" فإنّ هذه الزردات كانت من آثار غفلتنا منافية ليقظتنا وكان
علماؤنا رحمهم الله يسمونها (أعراس الشيطان)، لما يقع فيها من سفه وتبذير وعهر
وخمر واختلاط وفجور، وإنّما كان يشّد إليها الرحال من تونس حتّى المغرب الغافلون
منّا المستهترون بالدين والأخلاق ممن نامت ضمائرهم وكانت من أعظمها زردة (سيدي
عابد) بناحيتكم، يأتيها الفسّاق من تونس والمغرب وما بينهما، وسل الشيوخ عن
الأحياء ينبئونك، وكانت هذه الزردة كثيرة لأنّ لكلّ قوم لإلههم من أصحاب القبور من
حدود تبسة إلى مغنية، كانت القبور تعبد من دون الله ولكلّ قوم من يقدسونه. فـ(سيدي
سعيد) في تبسة، و(سيدي راشد) في قسنطينة و(سيدي الخير) بالسطيف و(سيدي بن حملاوي)
بالتلاغمة، و(سيدي الزين) بسكيكدة و(سيدي منصور) بولاية تيزي وزو و(سيدي محمد
الكبير) في البليدة، و(سيدي بن يوسف) بمليانة و(سيدي الهواري) بوهران و(سيدي عابد)
بغليزان و(سيدي بومدين) بتلمسان و(سيدي عبد الرحمن) بالجزائر ويزاحمه (سيدي امحمد)
وليعذرني الإخوة ممن لم أذكر آلهة بلدانهم وهم ألوف.
ففعل هؤلاء القوم مع هؤلاء المشايخ يشبه فعل الجاهلية مع هبل واللات والعزّى
وخصوصا إقامة الزردة حولها والذبح لها والتمسح بالقبور،أفترانا نحيي آثار الشرك
ونحن الموحدون ؟
لقد وقف العلماء وقفة صادقة ضدّ هذه المناكير في الزرد، لا فرق بين علماء الإصلاح
وغيرهم ممن كان يناصر جمعية العلماء ومن كان خارجها حتّى قضوا على الزردة وساء ذلك
الدوائر الاستعمارية فأرادت أن تحييها وتحافظ عليها، وفي علمي أنّ آخر زردة
قسنطينة، أقامها سياسي فشل في سياسته الإدماجية فعادى العلماء واتّهمهم وأقام زردة
بثيران المعمون وأخرافهم وأين مدينة قسنطينة عرين أسد الإصلاح لكنّه دفن نفسه ولم
تقم له قائمة.(/5)فمن يريد أن يسير اليوم بإحياء الزردة والوعدة فبشره بخيبة
تصيبه مثل خيبة الأمس فاحذر يا صاحب السؤال.
خامسا : ثم إنّ الطعام واللحم المقدّم في الزردة لا يحلّ أكله شرعا لأنّه مما نصّ
القرآن على حرمة أكله فإنه سبحانه وتعالى يقول : "حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ
الْمَيْتَةُ والدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ الله
بِهِ" [المائدة: 3]. فاللحم من القسم الرابع أي مما أهل لغير الله، أي ذبح
لغير الله بل للمشايخ.
فزردة (سيدي عابد) أقيمت له وهكذا (سيدي أحمد بن عودة) و(سيدي بومدبن)الخ.. أقيمت
له الزردة ليرضى وينفع ويدفع الضّر، وتقول إنّ هذه الذبائح قد ذكر اسم الله عليها،
فأقول : ولو ذكر اسم الله فإنَّ النّية الأولى وهي تقديمها إلى صاحب المقام،
يجعلها لغير الله.
برهان ذلك، فعل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، مع والد الفرزدق
وسحيم، فإنّ سحيما علم أنّ غالبا نحر ليطعم الناس فنحر، فسمح به غالب فنحر عشرات،
فغالبه سحيم ونحر مثله وكثر المنحور حتىّ عدّ بالمئات، يريدان به الفخر، فلما جاء
الأمر إلى علي رضي الله عنه نهى الناس على أكل لحمها واعتبرها مما أهلّ لغير الله،
ولا شكّ أنّ ناحريها قد ذكروا عند نحرها اسم الله، لكنّ الناحرين قصدا بذلك
التباهي والافتخار، فكانت مما أهل به لغير الله.(/6)فلحم الزردة حرام، وطعامها حرام لأنّه صنع بذلك اللحم
والحضور في الزردة حرام، لأنه تكثير لأهل الباطل ولو كان الذي حضر إماما أو رئيس
أئمة أو دكتور أو عالما فإنّه عار أن نزرد بأموال الدولة ونحن غارقون في الديون،
وقد شاهدنا في تلفزتنا ما يحبّ الأوروبيون أن نكون عليه من اللعب بالثعابين. فكلّ
من أحيا فينا الغفلة التي كنّا فيها بالأمس ليس بناصح لنا بل غاشّ ولن يفلح في
مقاصد وسيكون كما قال الله في مثله ممن جعلوا المال للكيد بالمسلمين :
"فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ
يُغْلَبُونَ" [الأنفال: 36].
وهذا وعد من الله صادق ولن يخلف وعده.
سادسا : وأمّا قولك "حتى جاء البادسيّون" فالحق أنّ ابن باديس وأصحابه
إنّما دقّوا الجرس فاستيقظ الشعب ورأى الخطر المحدق به فانفضّ عنهم ولم يأت ابن
باديس بدين جديد ولا بطريق جديد وإنما تلا كتاب الله وحدّث بكلام رسول الله صلى
الله عليه وسلم، وسار بسيرة السلف الصالح رضي الله عنه أجمعين وكفى ابن باديس أن
أيقظ المسلمين.
سابعا : إذا أردنا أن تزول المحن عنّا فلنجتنبها ونخالف طريقها : نعبد الله وحده
ونطيع الله ورسوله ونوحّد الكلمة فيما بيننا ونعتصم بحبل الله المتين ونجتنب
الخلاف والنزاع ونؤمن بالله ونستقيم ونعمل الصالحات فلا بدّ من العمل المتواصل
لأنّ الله يأمر به "وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرى الله عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ
والْمُؤْمِنُونَ" [التوبة: 105]، هذه وسائل النجاح وليست إقامة الوعدات
والزردات ودعاء غير الله فهذا عمل الخاسرين. فإن طلبنا النجاح وزال المحن بغير هذه
الطريقة فنحن في ضلال وخسران كما أقسم على ذلك ربّ الناس.
{وَالعَصْرِ إنْ الإنْسَانَ لفِي خُسْرٍ إلاَّ الذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا
الصَّالِحَاتِ وتَوَاصَوْا بِالحَقِّ وتَواصَوْا بِالصَّبْرِ}
أحمد حماني (رحمه الله)
(من جريدة الشعب اليومية : الاثنين 18/11/1991 رقم 9 – رياض الإسلام)(/7)العلامة صالح بن المهدي المقبلي
يقول العلامة صالح بن المهدي المقبلي اليمني ، في كتابه العلم الشامخ في تفضيل
الحق على الآباء والمشايخ:
(واعلم أن من أشد الخلاف ظلالا وأعمه بلاء وأدقه ممسكا وأكثره هلكه ومعتركا ،أنه
تزهد جماعة من الصحابة –رضي الله عنهم – برفض الدنيا فقط تابعين لنصيحة الله وسنة
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ،مع كونهم من آحاد عصابة المسلمين وماتوا طيبين
،ثم نشأ بعدهم زهاد كذلك لكنهم قالوا :لا سلامة إلا بالعزلة عن الناس ،هربا من
الفتن وصيانة للقلوب من العوارض ،ومضوا لسبيلهم ،وقد صوروا صورة العزلة وليست مطلق
العزلة وليست مطلق العزلة ببدعة إن لم تشابه الرهبانية المنهي عنها ،ولكن ماجاوز
حده جانس ضده ،ثم صار مسلكا متميزا ،حتى قيل :صوفيه ،وصار اسم مدح قد تقصده بعض
النفوس ،ثم أثارت لهم تلك الخلوات مواعظ وكلمات أسرع في جذب القلوب من خطاطيف
الحديد ،ثم اخترعت طرائق السلوك ،واصطلحت اصطلاحات ،وابتدعت رموزا وإشارات ،ثم
قالوا :هاهنا شريعة وطريقة ،ورسوم وحقيقة ،وتفسير وتأويل ،وظاهر وباطن ،ثم ترأس
قوم في هذا المعنى وابتلوا بحظ في الوعظ شهرهم
ثم ظهر منهم كلمات ودعاوى قال قائلهم:
خضت بحرا وقف الأنبياء بساحله.
أسرجت وألجمت.
وطفت في أقطار البسيطة ثم ناديت ،هل من مبارز؟! فلم يخرج إلي أحد.
رجلي على رقبة كل ولي.
لو تحركت نملة سوداء فوق صخرة صماء في ليلة ظلماء في أقصى الصين ،ولم أسمعها لقلت:
إني مخدوع.
ما الجنة هل هي إلا لعبة صبيان ؟
سبحاني.
إلى طامات لا تحصى ،الأخرى أكبر من الأولى ،يزداد الهول في كل قرن إلى أن انتهى
الشأن إلى ابن الفارض وابن سبعين وأضرا بهم لم يقنعوا بتلك الدعاوى الشنيعة
ولا ساغ لهم احترام الشريعة وهذه كتبهم (الفتوحات) و(الإنسان الكامل ) و(الفصوص )
وأشعار ابن الفارض التائية والخمريات وغير ذلك ) 456
ثم يقول –رحمه الله-:(/1)(وهب أنك رجل حسن الظن بهم أو تظن أنك متورع ،زن حال هؤلاء
بميزان الصحابة –رضي الله عنهم- فما وجدته من أخلاق الصحابة فأبقه عليهم ،وما لم
يكن من أخلاقهم فاعلم أنه ظلالة إن كنت قد استيقنت اصابة الصحابة ،وإلا فقد زللت
بأول قدم وجف في شقاوتك القلم )457
ثم يقول -رحمه الله-: (ولما من الله علينا بالمجاورة في مكة المشرفة وجدنا الأمر
فيها هو شطر الدين ،بل هو الدين كله ،فإنك إنما ترى وتسمع الرقص والتغريد بالأصوات
في الصوامع وجوانب المسجد ،وأما رباط عبد القادر ومشهد العيدروس واجتماع الإخوان
فأمر عجيب ،ولقد مكثت مدة أظن أن الذي أسمع في هذه المواطن لهو لكثر اللهو وعمومه
للأحوال والأشخاص حلاله وحرامه عند علمائهم وجهالهم ،فصبيانهم في العقل مثل شيوخهم
حتى نبهتني بعض الجواري وقالوا ما تفرق بين الذكر واللعب
وذلك أنهم يسيرون مع أنا مخصوصين من بيوت الصوفية من ذوي الرياسة جماعة جماعة
بالطار والغناء في المسجد الحرام إلى مولد النبي صلى الله عليه وسلم ليلة المولد
الذي جعله عيداأعم من البدع فشوا ،وكان الصحابة –رضي الله عنهم- أشد فرحا بما من
ألله عليهم من وجود النبي صلى الله عليه وآله وسلم،ولم يجعلوا ذلك عيدا لأنه لم
يشرعه لهم وهم واقفون على الحد ) 468
باختصار يسير من كتاب العلم الشامخ في تفضيل الحق على الآباء والمشايخ.(/2)العلامة صنع الله الحنفي
العلامة الفقيه صنع الله بن صنع الله الحلبي الحنفي المتوفى سنة (1120 هـ)
"رحمه الله" قال في كتابه "سيف الله على من كذب على أولياء الله":
((هذا وإنه قد ظهر الآن فيما بين المسلمين ، جماعات يدعون أن للأولياء تصرفات في
حياتهم ، وبعد الممات ، ويستغاث بهم في الشدائد والملمات ، وبهم تكشف المهمات ،
فيأتون إلى قبورهم ، وينادونهم في قضاء الحاجات ، مستدلين على أن ذلك منهم كرامات.
وقرّرهم على ذلك من ادعى العلم بمسائل، وأمدهم بفتاوى ورسائل، وأثبتوا للأولياء –
بزعمهم- الإخبار عن الغيب بطريق الكشف لهم بلا ريب، أو بطريق الإلهام أو منام!
وقالوا: منهم أبدال ، ونقباء ، وأوتاد ، ونجباء ، وسبعة وسبعون ، وأربعة وأربعون ،
والقطب هو الغوث للناس ، وعليه المدار بلا التباس ، وجوزوا لهم الذبائح والنذور،
وأثبتوا لهم فيهما الأجور.
وهذا الكلام فيه تفريط وإفراط ، بل فيه الهلاك الأبدي ، والعذاب السرمدي ، لما فيه
من روائح الشرك المحقق ، ومضادة الكتاب العزيز المصدق ، ومخالف لعقائد الأئمة ،
وما اجتمعت عليه الأمة)). اهـ
((سيف الله على من كذب على أولياء الله ، صفحة: 15-16)).(/1)العلامة عباس بن منصور السكسكي
المتوفى سنة (683هـ)، له كتاب اسمه: البرهان في معرفة عقائد أهل الأديان .
يقول في آخر الكتاب: ((قد ذكرتُ هذه الفرقة الهادية المهديَّة -أي: أهل السنة -
وأنَّها على طريقةٍ متَّبعةٍ لهذه الشريعة النبويَّة... وغير ذلك مما هو داخل تحت
الشريعة المطهرة، ولم يشذ أحدٌ منهم عن ذلك سوى فرقة واحدةٍ تسمَّت بالصوفية ،
ينتسبون إلى أهل السنة ، وليسوا منهم، قد خالفوهم في الاعتقاد، والأفعال،
والأقوال.
أمَّا الاعتقاد: فسلكوا مسلكاً للباطنية الذين قالوا: إن للقرآن ظاهراً، وباطناً،
فالظاهر: ما عليه حملة الشريعة النبويَّة، والباطن: ما يعتقدونه، وهو ما قدَّمتُ
بعض ذكره.
فكذلك أيضاً فرقة الصوفية ، قالت: إنَّ للقرآن والسنَّة حقائق خفيَّة باطنة غير ما
عليه علماء الشريعة مِن الأحكام الظاهرة التي نقلوها خَلَفاً عن سلف، متصلة
بالنَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالأسانيد الصحيحة، والنقلة الأثبات،
وتلقته الأمَّة بالقبول، وأجمع عليه السواد الأعظم، ويعتقدون أنَّ الله عز وجل
حالٌّ فيهم!! ومازج لهم!! وهو مذهب الحسين بن منصور الحلاج المصلوب في بغداد في
أيام المقتدر -الذي قدمتُ ذكره الروافض في فصل فرقة الخطابيَّة - ولهذا قال: أنا
الله -تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً- وأنَّ ما هجس في نفوسهم، وتكلموا به في
تفسير قرآنٍ، أو حديثٍ نبويٍّ، أو غير ذلك مما شَرَعوه لأنفسهم، واصطلحوا عليه:
منسوب إلى الله تعالى، وأنَّه الحق، وإِنْ خالف ما عليه جمهور العلماء، وأئمَّة
الشريعة، وفسَّرتْه علماء أصحابه، وثقاتهم، بناءً على الأصل الذي أصَّلوه مِن
الحلول، والممازجة، ويدَّعون أنَّهم قد ارتفعت درجتُهم عن التعبدات اللازمة
للعامَّة، وانكشفت لهم حجب الملكوت، واطَّلعوا على أسراره، وصارت عبادتهم بالقلب
لا بالجوارح.(/1)وقالوا: لأنَّ عمل العامة بالجوارح سُلَّمٌ يؤدِّي إلى علم
الحقائق، إذ هو المقصود على الحقيقة، وهي البواطن الخفيَّة عندهم، لا عملٌ
بالجوارح، قد وصلنا، واتصلنا، واطَّلعنا على علم الحقائق الذي جهلته العامَّة،
وحملة الشرع، وطعنوا حينئذٍ في الفقهاء والأئمَّة والعلماء، وأبطلوا ما هم عليه،
وحقَّروهم وصغَّروهم عند العوام والجهَّال، وفي أحكام الشريعة المطهرة، وقالوا:
نحن العلماء بعلم الحقيقة، الخواص الذين على الحق، والفقهاء هم العامة؛ لأنَّهم لم
يطلعوا على علم الحقيقة، وأعوذ بالله من معرفة الضلالة، فلمَّا أبطلوا علم
الشريعة، وأنكروا أحكامها: أباحوا المحظورات، وخرجوا عن إلزام الواجبات، فأباحوا
النظر إلى المردان، والخلوة بأجانب النسوان، والتلذذ بأسماع أصوات النساء
والصبيان، وسماع المزامير والدفاف والرقص والتصفيق في الشوارع والأسواق بقوة
العزيمة، وترك الحشمة، وجعلوا ذلك عبادة يتدينون بها، ويجتمعون لها، ويؤثرونها على
الصلوات، ويعتقدونها أفضل العبادات، ويحضرون لذلك المغاني من النساء، والصبيان،
وغيرهم مِن أهل الأصوات الحسنة للغناء بالشبابات، والطار، والنقر، والأدفاف
المجلجلة، وسائر الآلات المطربة، وأبيات الشعر الغزلية التي توصف فيها محاسن
النِّسوان، ويذكر فيها ما تقدم من النساء التي كانت الشعراء تهواها، وتشبب بها في
أشعارها، وتصف محاسنها كليلى، ولبنى، وهند، وسعاد، وزينب، وغيرهنَّ، ويقولون: نحن
نكنِّي بذلك عن الله عز وجل!! ونَصرف المعنى إليه )). ( الدر النضيد في إخلاص كلمة
التوحيد 59 / 60 ) .(/2)العلامة عبد الحيّ اللّكنوي
سُئِلَ العلاّمة الشيخ عبد الحيّ اللّكنوي "رحمه الله" ؛ فخرُ متأخّري
المذهب الحنفي ، المتوفّى سنة 1304هـ صاحب التّصانيف الكثيرة الشهيرة ، عن
الإستغاثات الصوفية والتي فيها قولهم: يا عبد القادر الجيلاني شيئاً لله.
فقال رحمه الله : (( إنّ الاحترازَ عن مثلِ هذا الوِرد لازم.
أولاً ـ لأنّ هذا الورد متضمّن كلمة "شيئاً لله" وقد حَكَمَ بعضُ
الفقهاء بكفرِ من قاله ،
وثانياً ـ لأنّ هذا الورد يتضمّنُ نداء الأموات مِنْ أمكنة بعيدة ، ولم يثبت شرعاً
أنّ الأولياء لهم قدرةٌ على سماع النداء من أمكنة بعيدة ، إنما ثبَتَ سماع الأموات
لتحيّة من يزور قبورهم ، ومَنْ اعتقدَ أنّ غير الله سبحانه وتعالى حاضرٌ وناظر ،
وعالمٌ للخفيّ والجليّ في كلّ وقت وفي كلّ آن ، فقد أشرك ، والشيخ عبد القادر وإن
كانت مناقبه وفضائله قد جاوزت العدّ والإحصاء ، إلاّ أنه لم يثبت أنه كان قادراً
على سماع الاستغاثة والنداء من أمكنة بعيدة ، وعلى إغاثة هؤلاء المستغيثين ،
واعتقادُ أنه رحمه الله كان يعلم أحوالَ مريديه في كلّ وقت ، ويسمع نداءهم ، مِنْ
عقائد الشِّرك ، والله أعلم )).
مجموع فتاوى العلاّمة عبد الحي اللّكنوي (ج1/264).(/1)العلامة عبد الرحمن بن إسماعيل المعروف بأبي
شامة
هو العلامة شهاب الدين عبد الرحمن بن إسماعيل المعروف بأبي شامة ، كان من أئمة
الفقهاء الشافعية في بلاد الشام ، درّس وصنف وسارت باسمه الركبان.
توفي "رحمه الله" في دمشق سنة: (665 هـ) ، من مؤلفاته كتاب "الباعث
على إنكار البدع والحوادث" والذي رد فيه على بدع الصوفية وغيرهم ، وعدد فيه
الكثير من بدعهم وانحرافهم ، ومن أهم ما يميز هذا الكتاب أن صاحبه رحمه الله من
المتقدمين ، حيث عاش في القرن السابع الهجري ، وهو ما يفيد من قدم الانحراف والبدع
في الأمة.
قال في الكتاب المذكور صفحة: (100-101): فصل (البدع المستقبحة)
((ثم هذه البدع والمحدثات المستقبحة، تنقسم إلى قسمين: قسم تعرفه العامة والخاصة
أنه بدعة، إما: محرمة وإما مكروهة. وقسم يظنه معظمهم ـ إلا من عصم ـ عبادات وقرباً
وطاعات وسنناً.
فأما القسم الأول: فلا نطول بذكره، إذ كفينا مؤنة الكلام فيه، لاعتراف فاعله أنه
ليس من الدين لكن نبين من هذا القسم ما قد وقع فيه جماعة من جهال العوام، النابذين
لشريعة الإسلام، التاركين للاقتداء بأئمة الدين من الفقهاء، وهو ما يفعله طوائف من
المنتمين إلى الفقر ـ إي إلى التصوف ـ الذي حقيقته الافتقار من الإيمان ، من
مؤاخاة النساء الأجانب والخلوة بهن، واعتقادهم في مشايخ لهم ضالّين مضلّين، يأكلون
في نهار رمضان من غير عذر، ويتركون الصلاة، ويخامرون النجاسات، غير مكترثين لذلك،
فهم داخلون تحت قوله تعالى: {أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين مالم يأذن به الله}.
وبهذه الطرق وأمثالها، كان مبادىء ظهور الكفر من عبادة الأصنام وغيرها.(/1)ومن هذا القسم أيضاً: ما قد عم الابتلاء به من تزيين
الشيطان للعامة تخليق الحيطان والعمد، وسرج مواضع مخصوصة في كل بلد، يحكي لهم حاك
أنه رأى في منامه بها أحداً ممن شهر بالصلاح والولاية، فيفعلون ذلك، ويحافظون عليه
مع تضييعهم فرائض الله تعالى وسننه، ويظنون أنهم متقربون بذلك، ثم يتجاوزون هذا
إلى أن يعظم وقع تلك الأماكن في قلوبهم، فيعظمونها،ويرجون الشفاء لمرضاهم، وقضاء
حوائجهم بالنذر لها، وهي من بين عيون وشجر وحائط وحجر.
وفي مدينة دمشق - صانها الله تعالى من ذلك- مواضع متعددة: كعوينة الحمى خارج باب
توما، والعمود المخلّق داخل باب الصغير، والشجرة الملعونة اليابسة خارج باب النصر
في نفس قارعة الطريق سهّل الله قطعها واجتثاثها من أصلها، فما أشبهها بذات أنواط
الواردة في الحديث الذي رواه محمد بن إسحاق وسفيان ابن عيينة عن الزهري عن سنان بن
أبي سنان عن أبي واقد الليثي رضي الله عنه قال:"خرجنا مع رسول الله صلى الله
عليه وسلّم إلى حنين" وذكر بقية الحديث)).
وقال في موضع آخر : ((ومن زعم من جهلة الصوفيه أنه يرى النبي صلى الله عليه وسلم
في اليقظة أو أنه يحضر المولد أو ما شابه ذلك فقد غلط أقبح غلط ولبس عليه غاية
التلبيس ووقع في خطأ عظيم وخالف الكتاب والسنة وإجماع أهل العلم لأن الموتى إنما
يخرجون من قبورهم يوم القيامة لا في الدنيا كما قال الله سبحانه وتعالى {ثم إنكم
بعد ذلك لميتون ثم إنكم يوم القيامة تبعثون} ......))(/2)العلامة محمد بن الأمين بوخبزة
العلامة الشيخ محمد بن الأمين بوخبزة ، مد الله في عمره وأمتع به ، أحد كبار علماء
المغرب العربي ، ومرجع طلبة العلم فيه ، له اليد الطولى في نشر العلوم الشرعية ،
وإحياء ما فقد منها في بطون مكتبات المخطوطات ، كان للشبكة الإسلامية هذا الحوار
الممتع مع الشيخ حفظه الله .
- فضيلة الشيخ ؛ ...............
- .................
- من خلال أبوتكم الروحية لكثير من طلبة العلم في المغرب والعالم الإسلامي ؛ هل
لكم أن تنصحوا طلبة العلم حول أهم ما يجب أن يلتزموه مع مشايخهم وعلمائهم ومربيهم
؟
- أهم ما يجب أن يلتزمه الطلبةُ مع مَشايخهم وعلمائهم عموماً: هو الاعتدال وعدمَ
الغلُو، فإذا عَلم الطالب أن شيخَه وغيره من العلماء ، غيرُ معصومين، وأنه يُتوقع
منهم الخطأُ والجهلُ والنسيان ، وربما تَبدُر منهم بوادرُ لا يجوز السكوتُ عنها ،
ففي هذه الحالة يَجب الجهرُ بالحق والتنبيهُ على الخطأ، مع مراعاة الحمد والأدب،
أما إذا كان الطالبُ ينظر إلى شيخه نظرةَ تقديس، وأنه فوق النقد اللاّزم، فهذا قد
اختار الضلال ونالتْه لوثةُ صوفية.
- لكم جهاد كبير ـ شيخناـ في محاربة التصوف الغالي والبدعة بكل أنواعها ؛ فهل
تعتقدون أن المحيط الإسلامي يستجيب لدعاة الإصلاح والالتزام بنهج النبي صلى الله
عليه وسلم؟ وهل ترون الدعاة قد قاموا بواجبهم تجاه نصرة السنة ؟(/1)- التصوف ، هذا الأخطبُوط والسرطان الفتَّاك، هو المسؤول
الأول ـ بعد فشل كلّ محاولة في محاربته والقضاء عليه – عن تأخُّر المسلمين وقعودهم
عن اللَّحاق بركب الحضارة السليمة الصالحة، والتقدم العلمي الذي لا حياةَ كريمة
بدونه ، بما بثَّه ويبثُّه في النفوس والعقول من الخنوع والخضوع والخمولِ والذل،
وإلغاءِ وظيفةِ العقل، والغُلو في البشر وتألِيهِهم وما إلى ذلك مما تطفح به
مصادرُه القديمة والحديثة من مصائبَ وتعاليمَ وثنية على رأسها: عقيدة الاتحاد
والحلول، ووحدة الوجود، التي لا تصوفّ بدونها، والتي يُدَندِنُ حولها جميعُ مشايخ
الصوفية المشهورين، وزاد الطينَ بَلَّةً سكوتُ العلماء عن هذا البَلاء الماحق، بل
وتأييدُ عدد كبير منهم لهم ـ شفقةً من الإرهاب الفكري الذي يمارسه عليهم الصوفية
ويتواصون به ـ ومن الكلمات الشائعة بين العامة في هذا المجال قولُهم:" سلَّم
للخَاوي تنْج من العَامِر ".
واستجابةُ الناس ـ ولا سيما الشباب ـ للدُّعاة الصالحين محدودةٌ لأسباب كثيرة على
رأسها تأييدُ بعض ذوي الشأن للصوفية لحاجة في نفس يعقوبَ، وفيما يتعلق بالشباب:
غِِرَّتُه والبطالةُ واستيلاءُ اليأْس عليه، فهو بين أمرين: إما الثورة على الكُل
والإلحادُ والتحررُ من الدين والقيمِ ، أو الارتماء في أحضان الزوايا والشيوخ الذين
يبشرونَه بنعيم الولاية والعرفان، ولكن بعد الخلوة وفقدان العقل والإيمان، ولله
عاقبة الأمور..
وأنا أقول هذا بعد تجربة شخصية، ودراسة ميدانية، ومعرفة كافية بالتصوف، ومخالطة
لطرق شتَّى منه ولأهلها، ولا يغرنَّك ما يردده المغفلون من التحلية والتخلية،
والأحوال الربانية، فإن الصالح من ذلك هو مقام الإحسان الذي جاء في حديث جبريل،
وهو من الدين الإسلامي الخالص، وقد كان هذا مضمن البعثة المحمدية قبل أن يُخلق
التصوف اللَّقيط.
الأحد : 26/01/2003 م(/2)العلامة محمود شكري الألوسي
العلامة محمود الألوسي مفتي بغداد الذي كشف أن الصوفية أصحاب كذب وتدجيل، عندهم
تقية كتقية الروافض، فيقول كم في تفسيره 11/72-73 في تفسير آية {لهو الحديث} :
(( وأشنع من ذلك ما يفعله أبالسة المتصوفة ومردتهم، ثم إنهم -قبحهم الله تعالى-
إذا اعترض علهم بما اشتمل عليه نشيدهم من الباطل يقولون: نعني بالخمر: المحبة
الإلهية، أو بالسكر: غلبتها، أو بميّة وليل وسعدى مثلاً: المحبوب الأعظم وهو الله
عز وجل!
وفي ذلك من سوء الأدب ما فيه {ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون
في أسمائه } .
وفي صفحة ((75)) قال: (( ومن السماع المحرم سماع متصوفة زماننا؛ وإن خلا عن رقص،
فإنَّ مفاسده أكثر من أن تحصى، وكثير ما ينشدون من الأشعار من أشنعِ ما يتلى، ومع
هذا يعتقدونه قُربة، ويزعمون أنَّ أكثرهم رغبة فيه أشدهم رغبة أو رهبة، قاتلهم
الله أنى يؤفكون )) .(/1)القاضي أبو اليسر البزدوي
قال الحافظ الذهبي في ترجمة الإمام البزدوي: القاضي الصدر العلامة شيخ الحنفية بعد
أخيه الكبير أبو اليسر محمد بن محمد بن الحسين بن المحدث عبد الكريم بن موسى
النسفي البزدوي.
قال عمر بن محمد: كان أبو اليسر إمام الأئمة على الإطلاق والموفود إليه من الآفاق
ملأ الكون بتصانيفه في الأصول والفروع وولي قضاء سمرقند أملى الحديث مدة.
توفي ببخارى في تاسع رجب سنة ثلاث وتسعين وأربع مائة. وكان مولده سنة إحدى وعشرين
وأربع مائة.
(سير أعلام النبلاء: 19ـ49).
تلقى البزدوي العلم على يد أبيه، الذي أخذه عن جده عبد الكريم تلميذ أبي منصور
الماتريدي، قرأ كتب الفلاسفة أمثال الكندي، وغيره، وكذلك كتب المعتزلة أمثال
الجبائي، والكعبي، والنّظام، وغيرهم، وقال فيها: "لا يجوز إمساك تلك الكتب
والنظر فيها؛ لكي لا تحدث الشكوك، وتوهن الاعتقاد". كما اطلع على كتب
الأشعري، وكذلك اطلع على كتابي التأويلات، والتوحيد للماتريدي ، فعمد إلى إعادة
ترتيبه وتبسيطه مع ذكر بعض الإضافات عليه في كتاب أصول الدين.
أخذ عن الشيخ أبو اليسر البزدوي جمٌّ غفير من التلاميذ؛ ومن أشهرهم: ولده القاضي
أبو المعاني أحمد، ونجم الدين عمر بن محمد النسفي صاحب العقائد النسفية، وغيرهما.
من أقوله في الصوفية:
كلام القاضي البزدوي له أهمية كبيرة نظراً لمكانته العلمية ، وكونه من المتقدمين
الذين تكلموا في انحراف الصوفية ببسط وتفصيل.
قال البزدوي "رحمه الله" في كتابه (أصول الدين) عند التعريف بالتصوف:
((وأما الصوفية فأكثرهم من أهل السنة والجماعة ، وفيهم من يكون صاحب الكرامة ، إلا
أنه قد ظهر فيهم مذاهب ردية أكثرها ضلال وبدعة.(/1)منهم (الحبية) يقولون: إن الله تعالى إذا أحب عبداً رفع عنه
الخطاب فيحل له كل النعم ويسقط عنه العبادات ولا يبقى في حقه حظر فلا يصلون ولا
يصومون ولا يسترون العورة، ولا يمنعون عن الزنا وشرب الخمر، ولا عن اللواطة ولا عن
محظور ما.
ومنهم (الأوليائية) يقولون: إن الولي أفضل من النبي والرسول من الآدميين والملائكة
جميعاً. ويقولون: إن الرسول دون المرسل إليه ودون المرسل، على هذا رأينا عادات
الأكابر.
وهؤلاء يقولون أيضاً: إذا بلغ الإنسان في العبادة الدرجة القصوى وفي الولاية الرتبة
العليا لا يبقى في حقه خطاب الإيجاب ولا خطاب الحظر ويحل له كل شيء.
ومنهم (الإباحتية) يقولون: الأموال كلها على الإباحة، وكذا الفروج وليس للملاك إلا
مجرد الاكتساب، ويستبيحون أموال الناس وفروج نسائهم.
ومنهم (الحلولية) وهم قوم يستبيحون الرقص والغناء والنظر إلى الشاب الأمرد المليح
الصبيح، ويقولون قد حلت بهذا الأمرد الصبيح صفة من صفات البارئ، فنحن نحبه ونعانقه
لأجل تلك الصفة.
ومنهم (الحورية) يقولون باستباحة الرقص والغناء والمبالغة في الرقص حتى يسقطون على
الأرض من كثرة الإتعاب في الرقص، ثم يقومون ويغتسلون ويقولون إن الحور العين يحضرن
ونجامعهن وكأن إبليس جامعهم لشر صنيعتهم.
وفي الصوفية قوم يدعون الإلهام يقولون: حدثني قلبي عن ربي، ثم يذكرون بعض ما وضعه
القرامطة من الإشارات الفاسدة بالألفاظ الهائلة يغرون بهم العامة، وجعلوا ذلك
مكسبة لأنفسهم وأنكروا الشرائع أجمع ، شر خليقة الله تعالى، وواحد من هؤلاء
الصوفية حضر بلدة بخارى سنة ثمان وسبعين وأربع مائة، وجمع الصوفية وبعض أصحاب
الشافعي على نفسه.(/2)وقد أخبرني واحد من فقهائنا أنه سأل هذا المبتدع لم تركت
مذهب أبي حنيفة وترفع اليدين عند الركوع وعند رفع الرأس من الركوع، فقال: إني رأيت
رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بأصحابه صلى الله عليه وسلم وغيرهم ويرفعون
أيديهم عند الركوع وعند رفع الرأس من الركوع فقال: قلت له رأيت في المنام قال: بل
في اليقظة)).(/3)القاضي ابن العربي
قال القاضي أبو بكر بن العربي المالكي رحمه الله:
(( وكذلك نقطع بتكفير كل من كَذّب ، وأنكر قاعدة من قواعد الشرع ... ثم قال: وأجمع
فقهاء بغداد أيام المقتدر من الماليكة وقاضي قضاتها أبو عمرو المالكي على قتل
الحلاّج وصلبه لدعواه الإلهية ، والقول بالحلول ، وقوله: أنا مع الحق. مع تمسّكه
في الظاهر بالشريعة ، ولم يقبلوا توبته )) . انتهى.
وقال رحمه الله: ((شيخُنا أبو حامد ـ يعني الغزالي ـ: بَلَعَ الفلاسفةَ، وأراد أن
يتقيَّأهم فما استطاع))
(سير أعلام النبلاء: 19/327).(/1)القاضي عياض
الإمام العلامة الحافظ شيخ الإسلام القاضي أبو الفضل عياض بن موسى اليحصبي
الأندلسي المالكي ، ولد سنة (476 هـ). وتوفي "رحمه الله" سنة (544 هـ).
كان "رحمه الله" محباً للعلم مشتغلاً به ، محباً للسنة شديداً على
الصوفية ، منكراً عليهم، لم تمنعه مكانة الشيخ أبي حامد الغزالي العلمية وديانته
وقبوله عند العامة من أن يحذر الناس من انحرافه في جانب التصوف ، فقال: (( الشيخ
أبو حامد ذو الأنباء الشنيعة ، والتصانيف الفظيعة غلا في طريق التصوف وتجرد لنصر
مذهبهم وصار داعية في ذلك وألّف فيه تواليفه المشهورة . أُخذ عليه فيها مواضع
وساءت به ظنون أمّة ، والله أعلم بسره. ونفذ أمر السلطان عندنا بالمغرب وفتوى
الفقهاء بإحراقها والبعد عنها فامتثل ذلك )) .
(سير أعلام النبلاء: 19ـ327)
وفي شرح المدونة قال "رحمه الله" شارحاً قول الإمام مالك: "
وأكرَهُ الإجارة على تعليم الشعر والنوح وعلى كتابة ذلك".
قال القاضي عياض "رحمه الله" : معناه نوحُ المُتَصوِّفة وإنشادهم على
طريق النوح والبكاء ، فمن اعتقد في ذلك أنّه قُرْبة لله تعالى فهو ضالٌ مُضِلّ ،
وَلا يعْلَمُ المسكين أنّ الجنّة حُفّت بالمكاره ، وأنّ النار حُفّت بالشهوات ،
والله تعالى لم يَبعَث أحداً منَ الأنبياء باللهو والرّاحة والغِناء ، وإنّما
بُعِثوا بالبِرِّ والتقوى وما يُخالف الهوى . قال تعالى : {وأمّا مَنْ خَافَ مقامَ
رَبِّهِ ونهى النَّفْسَ عنِ الهوى فإنَّ الجنّة هي المأوى} . فالباطل خفيفٌ على
النفوس ، ولذلك خفّ في الميزان ، والحقُّ ثقيلٌ ، ولذلك ثَقُلَ في الميزان ، قال
تعالى : {إنّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قوْلاً ثَقيلاً}.(/1)وقال الفقيه الصالح أبو عبد الله الحفار المالكي : إن هذه
الطائفة المنتمية للتصوف في هذا الزمان وفي هذه الأقطار ، قد عظُم الضرر بهم في
الدين ، وفشت مفسدتهم في بلاد المسلمين ولا سيما في الحصون والقرى البعيدة عن
الحضرة هنالك ، يُظهرون ما انطوى عليه باطنهم من الضلال ، من تحليل ما حرم الله،
والافتراء عليه وعلى رسوله . وبالجملة فهم قوم استخلفهم الشيطان على حَلِّ عُرى
الإسلام وإبطاله ، وهدم قواعده)). انتهى
(المعيار المعرب للونشريسي: 11 ـ42).
وروى القاضي عياض "رحمه الله" في كتابه "ترتيب المدارك وتقريب
المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك" (2ـ54) عن الإمام مالك "رحمه
الله" عن عبد الله بن يوسف التنيسي ، وكان أحد الحاضرين لهذه القصة ، وهو من
مشاهير أصحاب الإمام مالك.
قال التنيسي: كنا عند مالك وأصحابه حوله فقال رجل من أهل نصيبين: يا أبا عبد الله
عندنا قوم يقال لهم الصوفية يأكلون كثيراً ثم يأخذون في القصائد ثم يقومون
فيرقصون.
فقال مالك: أصبيان هم? قال: لا.
قال: أمجانين? قال: لا ، قوم مشائخ وغير ذلك عقلاًء.
قال مالك: ما سمعت أن أحداً من أهل الإسلام يفعل هذا.
قال الرجل: بل يأكلون ثم يقومون فيرقصون نوائب ويلطم بعضهم رأسه وبعضهم وجهه. فضحك
مالك ثم قام فدخل منزله.
فقال أصحاب مالك للرجل: لقد كنت يا هذا مشؤوماً على صاحبنا، لقد جالسناه نيفاً
وثلاثين سنة فما رأيناه ضحك إلا في هذا اليوم.(/2)القرطبي أبو عبد الله ، صاحب التفسير
يقول الإمام القرطبي رحمه الله: فأما طريقة الصوفيّة أن يكون الشيخ منهم يوماً
وليلة، وشهراً، مفكّراً، لا يفتر، فطريقةٌ بعيدة عن الصواب، غير لائقة بالبشر، ولا
مستمرة على السنن.
الجامع لأحكام القرآن: (4/315).
ويقول رحمه الله: وهذا السجود المنهيّ عنه، قد اتخذه جُهَّالُ المتصوّفة، عادةً في
سماعهم، وعند دخولهم على مشايخهم واستغفارهم، فيرى الواحد منهم إذا أَخذه الحال
بزعمه، يسجد للأقدام لجهله، سواء أكان للقبلة أم غيرها، جهالة منه، ضَلَّ
سَعْيُهم، وخاب عملهم.
الجامع لأحكام القرآن: (1/293-294).
قال ابن عطيّة: استدلَّ العُبَّادُ في تأديب أَنفسهم بالبأساء في تفريق الأَموال،
والضراء في الحمل على الأَبدان بالجوع والعُري بقوله تعالى: { وَلَقَدْ أَرْسَلنَا
إِلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء
لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (42)} .
قُلتُ- أي الإمام القُرطبي -:
هذه جهالة ممن فعلها، وجعل هذه الآية أصلاً لها، هذه عقوبة من الله لمن شاء من
عباده أن يمتحنهم بها، ولا يجوز لنا أن نمتحن أَنفسنا ونكافئها قياساً عليها،
فإنها المطية التي نبلغ عليها دار الكرامة، ونفوز بها من أَهوالِ يومِ القيامة،
وفي التنزيل: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً}
.
وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ
وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَلاَ تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ
تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ وَاعْلَمُواْ أَنَّ
اللّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ } (267) .
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ }
يقول الإمام القرطبي رحمه الله: فأما طريقة الصوفيّة أن يكون الشيخ منهم يوماً
وليلة، وشهراً، مفكّراً، لا يفتر، فطريقةٌ بعيدة عن الصواب، غير لائقة بالبشر، ولا
مستمرة على السنن.
الجامع لأحكام القرآن: (4/315).
ويقول رحمه الله: وهذا السجود المنهيّ عنه، قد اتخذه جُهَّالُ المتصوّفة، عادةً في
سماعهم، وعند دخولهم على مشايخهم واستغفارهم، فيرى الواحد منهم إذا أَخذه الحال
بزعمه، يسجد للأقدام لجهله، سواء أكان للقبلة أم غيرها، جهالة منه، ضَلَّ
سَعْيُهم، وخاب عملهم.
الجامع لأحكام القرآن: (1/293-294).
قال ابن عطيّة: استدلَّ العُبَّادُ في تأديب أَنفسهم بالبأساء في تفريق الأَموال،
والضراء في الحمل على الأَبدان بالجوع والعُري بقوله تعالى: { وَلَقَدْ أَرْسَلنَا
إِلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء
لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (42)} .
قُلتُ- أي الإمام القُرطبي -:
هذه جهالة ممن فعلها، وجعل هذه الآية أصلاً لها، هذه عقوبة من الله لمن شاء من
عباده أن يمتحنهم بها، ولا يجوز لنا أن نمتحن أَنفسنا ونكافئها قياساً عليها،
فإنها المطية التي نبلغ عليها دار الكرامة، ونفوز بها من أَهوالِ يومِ القيامة،
وفي التنزيل: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً}
.
وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ
وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَلاَ تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ
تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ وَاعْلَمُواْ أَنَّ
اللّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ } (267) .
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ }(/1)فأمرَ المؤمنين بما خاطب بهِ سيد المرسلين، وكان رسول الله
صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأَصحابه يأكلون الطيبات، ويلبسون أحسنَ الثياب،
ويتجمّلونَ بها، وكذلك التابعون بعدهم إلى هلمّ جراً.
ولو كان كما زعموا واستدلوا، لما كان في امتنان الله تعالى بالزّروع والجنّات
وجميع الثمار والنبات والأنعام التي سخرها، وأَباح لنا أكلها وشرب ألبانها والدفء
بأصوافها،إلى غير ذلك مما امتنّ به، كبير فائدة، فلو كان ما ذهبوا إليه فيه الفضل
لكان أولى به رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأصحابه ومن بعدهم من
التابعين والعلماء.
الجامع لأحكام القرآن: (6/424-425) .(/2)الكاتب الأمريكي استودارد
يقول الكاتب الأمريكي لوثرب استيوارد في كتابه "حاضر العالم الإسلامي"
عن واقع المسلمين الذي ظهرت الصوفية فيه: ((وأما الدين فقد غشيته غاشية سوداء،
فألبست الوحدانية التي علمها صاحب الرسالة للناس -وهو النبي صلى الله عليه وسلم-
سجفاً من الخرافات وقشور الصوفية ، وخلت المساجد من أرباب الصلوات، وكثر عدد
الأدعياء الجهلاء، وطوائف الفقراء والمساكين يخرجون من مكان إلى مكان يحملون في
أعناقهم التمائم والتعاويذ والسبحات، ويوهمون الناس بالباطل والشبهات، ويرغبونهم
بالحج إلى قبور الأولياء، ويزينون للناس التماس الشفاعة من دفناء القبور.
وغابت عن الناس فضائل القرآن. فصار يشرب الخمر والأفيون في كل مكان وانتشرت الرذائل
وهتكت ستر الحرمات على غير خشية ولا استحياء.
ونال مكة المكرمة والمدينة المنورة ما نال غيرهما من سائر مدن الإسلام ، فصار الحج
المقدس الذي فرضه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ على من استطاعه ضرباً من
المستهزءات.
وعلى الجملة فقد بدل المسلمون غير المسلمين وهبطوا مهبطاً بعيد القرار فلو عاد
صاحب الرسالة إلى الأرض في ذلك العصر ورأى ما كان يدهي الإسلام لغضب وأطلق اللعنة
على من استحقها من المسلمين كما يلعن المرتدون وعبدة الأوثان)).
حاضر العالم الإسلامي ، ترجمة: منيرا البعلبكي ، تعليق: الأمير شكيب أرسلان ، دار
الفكر (ج 1 ـ 259).(/1)برهان الدين البقاعي المتوفي سنة 885هـ:
ألف هذا الإمام كتاباً فذاً فريداً سماه (تنبيه الغبي بتكفير عمر بن الفارض وابن
عربي) قال في خطبة هذا الكتاب عن ابن عربي:
"وكان كفره في كتابه الفصوص أظهر منه في غيره، أحببت أن أذكر منه ما كان
ظاهراً، حتى يعلم حاله، فيهجر مقاله، ويعتقد انحلاله، وكفره وضلاله، وأنه إلى
الهاوية مآله ومآبه، امتثالاً لما رواه مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: أن
النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع
فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان)). "
ألف هذا الإمام كتاباً فذاً فريداً سماه (تنبيه الغبي بتكفير عمر بن الفارض وابن
عربي) قال في خطبة هذا الكتاب عن ابن عربي:
"وكان كفره في كتابه الفصوص أظهر منه في غيره، أحببت أن أذكر منه ما كان
ظاهراً، حتى يعلم حاله، فيهجر مقاله، ويعتقد انحلاله، وكفره وضلاله، وأنه إلى
الهاوية مآله ومآبه، امتثالاً لما رواه مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: أن
النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع
فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان)). "(/1)تقي الدين الحصني الشافعي
تقي الدين بن أبي بكر بن محمد الحسيني الدمشقي الشافعي ، من كبار علماء الشافعية
في القرن التاسع الهجري.
قال رحمه الله تعالى في كتابه " كفاية الأخيار " ج1 صـ 159 وهو من الكتب
المعتمدة في المذهب، في كتاب الزكاة ؛ عند بيان الأصناف التي تُدفع إليهم الزكاة:
" ... الأراذل من المتصوّفة الذين قد اشتهر عنهم أنهم من أهل الصلاح
المنقطعين لعبادة ربّهم ، قد اتخذ كل منهم زاوية أو مكاناً يُظهر فيه نوعاً من
الذكر ، وقد لفَّ عليهم من له زي القوم وربّما انتمى أحدهم إلى أحد رجال القوم
كالأحمدية والقادرية ، وقد كذبوا في الانتماء ، فهؤلاء لا يستحقّون شيئاً من
الزكوات ، ولا يحلُّ دفع الزكاة إليهم ، ومَنْ دفعها إليهم لم يقع الموقع وهي
باقية في ذمّته ، وأمّا بقيّة الطوائف وهم كثيرون كالقلندرية والحيدرية فهم أيضاً
على اختلاف فرقهم فيهم الحلولية والملحدة ، وهم أكفر من اليهود والنصارى ، فمن دفع
إليهم شيئاً من الزكوات أو من التطوعات فهو عاصٍ بذلك ، ثم يلْحَقُه بذلك من الله
العقوبة إن شاء ، ويجب على كل من يقدر على الإنكار أن يُنكر عليهم ، وإثمهم متعلّق
بالحكام الذين جعلهم الله تعالى في مناصبهم لإظهار الحق ، وقمع الباطل وإماتة ما
جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بإماتته والله أعلم " .انتهى
وقال رحمه الله أيضاً في كفاية كتاب الوصية: لو أوصى مسلم ببناء بقعة لبعض المعاصي
كما إذا أوصى شخص بشراء بقعة ليقام فيها سماع فقراء الرجس الذي يتضلعون من أموال
الظلمة ويتقربون إلى اللَّه تعالى بالرقص على آله اللَّهو مع الأحداث والنساء
ويتواجدون بسبب ذلك فهذه الوصية باطلة كما لو أوصى ببناء كنيسة حتى لو حكم بصحة
ذلك نقض.(/1)وقال في أحكام الوقف: يشترط في صحة الوقف انتفاء المعصية
لأن الوقف معروف وبر والمعصية عكس ذلك فيحرم الوقف على شراء آلة لقطع الطريق وكذا
الآلات المحرمة كسائر آلات المعاصي كما يصنعه أهل البدع من صوفية الزوايا بأن
يوقفوا آلة لهو لأجل السماع ويقولون: لا سماع إلا من تحت قناع ولا يأتي ذلك إلا
فاسد الطباع وهؤلاء قد نص القرآن على إلحادهم وليس في كفرهم نزاع.
وقال رحمه الله أيضاً في كفاية الأخيار ج2 صـ225 كتاب الأقضية عند ذكر من لا
تُقبَل شهادتهم: " ... فلا تُقبل شهادة القمّام ، وهو الذي يجمع القمامة أي
الكناسة ويحملها ، وكذا القيّم في الحمّام ، ومَنْ يلْعب بالحمام يعني يُطيّرها
لينظر تقلّبها في الجو ، وكذا المغنّي سواء أتى الناس أو أتوه ، وكذا الرّقاص كهذه
الصوفيّة الذين يسعون إلى ولائم الظلمة والمكسة ، ويُظهرون التواجد عند رقصهم ،
وتحريك رؤوسهم ، وتلويح لحاهم الخسيسة كصنع المجانين ، وإذا قُرئ القرآن لا
يستمعون له ، ولا يُنصتون ، وإذا نعق مزمار الشيطان صاح بعضهم على بعض بالوسواس
قاتلهم الله ما أفسقهم وأزهدهم في كتاب الله ، وأرغبَهم في مزمار الشيطان وقرن
الشيطان ، عافانا الله من ذلك " . انتهى(/2) ؟
أجاب الدكتور الشيخ يوسف عبد الله ق فقال:
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.
التصوف: اتجاه يوجد في كل الأديان تقريبًا . . اتجاه إلى التعمق في الجانب الروحاني،
وزيادة الاهتمام به.
يوجد هذا في بعض الأديان أكثر منه في أديان أخرى.
في الهند . . هناك فقراء الهنود، يهتمون بالناحية الروحية اهتماما بالغًا، ويجنحون
إلى تعذيب الجسد من أجل ترقية الروح وتصفيتها بزعمهم.
وكذلك في المسيحية . ولا سيما في نظام الرهبانية.
وفي فارس، كان هناك مذهب ماني.
وعند اليونان ظهر مذهب الرواقيين.
وفي بلاد أخرى كثيرة، ظهرت النزعات الروحية المتطرفة، على حساب الناحية الجسدية أو
المادية.
والإسلام حينما جاء، جاء بالتوازن بين الحياة الروحية والحياة الجسدية والحياة
العقلية.
فالإنسان - كما يتصوره الإسلام - جسم وعقل وروح . ولابد للمسلم أن يعطي كل جانب من
هذه الجوانب حقه.
وحينما رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - أن من أصحابه من يغالي في ناحية من
النواحي زجره، كما حدث لعبد الله بن عمرو بن العاص، فقد كان يصوم ولا يفطر، ويقوم
فلا ينام، وترك امرأته وواجباته الزوجية . فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -:
" يا عبد الله إن لعينك عليك حقًّا، وإن لأهلك عليك حقًا، وإن لزوجك عليك
حقًا، وإن لبدنك عليك حقًا، فأعط كل ذي حق حقه ".(/1)وحينما ذهب فريق من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -
يسألون أزواجه عن عبادته، فكأنهم تقالوها، فقال بعضهم لبعض " وأين نحن من
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال
أحدهم: أما أنا فأصوم الدهر ولا أفطر، وقال الثاني: وأنا أقوم الليل فلا أنام،
وقال الثالث: وأنا أعتزل النساء فلا أتزوج . فبلغ النبي - صلى الله عليه وسلم -
مقالتهم فجمعهم وخطب فيهم وقال: " أما إني أعلمكم بالله وأخشاكم له، ولكني
أقوم وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء . فمن رغب عن سنتي فليس مني ".
فمن هنا جاء الإسلام بالتوازن في الحياة، يعطي كل ناحية حقها، ولكن الصوفية ظهروا
في وقت غلب على المسلمين فيه الجانب المادي والجانب العقلي.
الجانب المادي، نتج عن الترف الذي أغرق بعض الطبقات، بعد اتساع الفتوحات، وكثرة
الأموال، وازدهار الحياة الاقتصادية، مما أورثت غلوا في الجانب المادي . مصحوبًا
بغلو آخر في الجانب العقلي، أصبح الإيمان عبارة عن " فلسفة " و"
علم كلام " " وجدل "، لا يشبع للإنسان نهمًا روحيًا، حتى الفقه
أصبح إنما يعني بظاهر الدين لا بباطنه، وبأعمال الجوارح . لا بأعمال القلوب وبمادة
العبادات لا بروحها.
ومن هنا ظهر هؤلاء الصوفية ليسدوا ذلك الفراغ، الذي لم يستطع أن يشغله المتكلمون
ولا أن يملأه الفقهاء، وصار لدى كثير من الناس جوع روحي، فلم يشبع هذا الجوع إلا
الصوفية الذين عنوا بتطهير الباطن قبل الظاهر، وبعلاج أمراض النفوس، وإعطاء
الأولية لأعمال القلوب وشغلوا أنفسهم بالتربية الروحية والأخلاقية، وصرفوا إليها
جل تفكيرهم واهتمامهم ونشاطهم . حتى قال بعضهم: التصوف هو الخلق، فمن زاد عليك في
الخلق فقد زاد عليك في التصوف.
وكان أوائل الصوفية ملتزمين بالكتاب والسنة، وقافين عند حدود الشرع، مطاردين للبدع
والانحرافات في الفكر والسلوك.(/2)ولقد دخل على أيدي الصوفية المتبعين كثير من الناس في
الإسلام وتاب على أيديهم أعداد لا تحصى من العصاة وخلفوا وراءهم ثروة من المعارف
والتجارب الروحية لا ينكرها إلا مكابر، أو متعصب عليهم.
غير أن كثيرًا منهم غلوا في هذا الجانب، وانحرفوا عن الطريق السوي، وعرفت عن بعضهم
أفكار غير إسلامية، كقولهم بالحقيقة والشريعة، فمن نظر إلى الخلق بعين الشريعة
مقتهم، ومن نظر إليهم بعين الحقيقة عذرهم . وكان لهم كلام في أن الأذواق والمواجيد
تعتبر مصدرًا من مصادر الحكم . . أي أن الإنسان يرجع في الحكم إلى ذوقه ووجدانه
وقلبه . . وكان بعضهم يعيب على المحدّثين، لأنهم يقولون: حدثنا فلان قال وحدثنا
فلان . . . ويقول الصوفي: حدثني قلبي عن ربي .
أو يقول: إنكم تأخذون علمكم ميتًا عن ميت، ونحن نأخذ علمنا عن الحي الذي لا يموت .
. أي أنه متصل - بزعمه - بالسماء مباشرة.
فهذا النوع من الغلو، ومثله الغلو في الناحية التربوية غلوا يضعف شخصية المريد
كقولهم: إن المريد بين يدي شيخه كالميت بين يدي غاسله، ومن قال لشيخه: لم ؟ لا
يفلح . ومن اعترض " انطرد ".
هذه الاتجاهات قتلت نفسيات كثير من أبناء المسلمين، فسرت فيهم روح جبرية سلبية
كاعتقادهم القائل: أقام العباد فيما أراد . . . دع الملك للمالك، واترك الخلق
للخالق ..
يعني بذلك أن يكون موقفه سلبيًا أمام الانحراف والفساد وأمام الظلم والاستبداد،
وهذا أيضًا من الغلو والانحرافات التي ظهرت عند الصوفية.(/3)ولكن كثيرًا من أهل السنة والسلف قوّم علوم الصوفية،
بالكتاب والسنة، كما نبه على ذلك المحققون منهم، ووجدنا رجلاً كابن القيم يزن علوم
القوم بهذا الميزان الذي لا يختل ولا يجور، ميزان الكتاب والسنة . فكتب عن التصوف
كتابًا قيمًا، هو كتاب: " مدارج السالكين إلى منازل السائرين " . ومدارج
السالكين هذا عبارة عن شرح لرسالة صوفية صغيرة اسمها " منازل السائرين إلى
مقامات: إياك نعبد وإياك نستعين " لشيخ الإسلام إسماعيل الهروي الحنبلي.
هذا الكتاب من ثلاثة مجلدات، يرجع فيه إلى الكتاب والسنة، ونستطيع أن نقرأه
ونستفيد منه باطمئنان كبير ..
والحقيقة أن كل إنسان يؤخذ من كلامه ويترك، والحكم هو النص المعصوم من كتاب الله
ومن سنة رسوله.
فنستطيع أن نأخذ من الصوفية الجوانب المشرقة، كجانب الطاعة لله . وجانب محبة الناس
بعضهم لبعض، ومعرفة عيوب النفس، ومداخل الشيطان، وعلاجها، واهتمامهم بما يرقق
القلوب، ويذكر بالآخرة.
نستطيع أن نعرف عن هذا الكثير عن طريق بعض الصوفية كالإمام الغزالي مع الحذر من
شطحاتهم، وانحرافاتهم، وغلوائهم، ووزن ذلك بالكتاب والسنة، وهذا لا يقدر عليه إلا
أهل العلم وأهل المعرفة.
ولهذا أنصح الرجل العادي بأن يرجع في معارفه إلى المسلمين العلماء السلفيين
المعتدلين الذين يرجعون في كل ما يقولون إلى كتاب الله وإلى سنة رسوله - صلى الله
عليه وسلم -. والله أعلم. ، وأنبه أن كلمة الصوفية كانت تطلق على
الزهاد المتعبدين الصالحين ، واليوم كلمة الصوفية تطلق على أتباع الطرق والتي لم
تكن معروفة قبل القرن الخامس الهجري ، وشتان بين الفضيل والجنيد .... وبين
الطرقيين الذين يسمون اليوم بالصوفية، فاحذر أخي المسلم وتنبه ، والله المستعان.(/4)شرف الدين الزواوي
شرف الدين عيسى الزواوي المالكي المتوفى عام 743هـ قال:
(( ويجب على ولي الأمر إذا سمع بمثل هذا التصنيف (أي مؤلفات ابن عربي كالفصوص
والفتوحات المكية) البحث عنه وجمع نسخه حيث وجدها وإحراقها، وأدب من اتهم بهذا
المذهب (يعني مذهب ابن عربي) )) (العقد الثمين 2/176-177).(/1)ظهير الدين قاضي السَّلّاميَّة
ظهير الدين أبو إسحاق إبراهيم بن نصر بن عسكر ظهير الدين قاضي السَّلّاميَّة في
الموصل ، المتوفى سنة (610) هـ
قال عنه الحافظ ابن كثير: الفقيه الشافعي الأديب ، ذكره العماد في الجريدة وابن
خلكان في الوفيات وأثنى عليه. البداية والنهاية [جزء 13- صفحة 66].
كان دائم التصدي للصوفية وانحرافها ، وكان يجد منهم الأذى ، وحصل له يوماً أن هجا
مكي شيخ زاوية الصوفية بالبوازيخ، البلدة القريبة من السَّلّاميَّة،
فقال:[المتقارب]
أَلا قُل لِمَكّي قَوْلَ النَّصُوحِ **** فَحقُّ النصيحة أن تُستَمَعْ
متى سمع النَّاسُ في دِيِنهم **** بأَنَّ الغِنا سُنّةٌُ تُتَّبعْ
وَأَنْ يَأْكُلَ المَرْءُ أَكلَ البَعِيْرِ **** وَيَرْقُصَ في الجَمْع حتَّى
يَقَعْ
وَلَوْ كَانَ طاوي الحَشَا جائعاً **** لما دار من طَرَبٍ واسْتَمعْ
وقَالوا سَكُرْنا بحبُّ الإِلهِ **** وَمَا أسْكَرَ القَوْمَ إلا القِصَع
كذاك الحميرُ إذا أخصْبتْ **** يُهَيِّجُها رِيّها وَالشَّبَعْ
تراهم يهزوا لحاهم إذا **** ترنم حاديهم بالبدع
فيصرخُ هذا وهذا يئنُ **** ويبسَ لو تلين ما انصدع
البداية والنهاية [جزء 13- صفحة 66].(/1)عبد الرحمن بن محمد أبو يزيد المعروف بابن
خلدون المالكي
يقول ابن خلدون "رحمه الله" في معرض كلامه عن المهدي واعتقاد الصوفية
فيه: ((ثم حدث أيضاً عند المتأخرين من الصوفية الكلام في الكشف وفيما وراء الحس.
وظهر في كثير منهم القول على الإطلاق بالحلول والوحدة، فشاركوا فيها الإمامية
والرافضة لقولهم بألوهية الأئمة وحلول الإله فيهم.
وظهر منهم أيضاً القول بالقطب والأبدال، وكأنه يحاكي مذهب الرافضة في الإمام
والنقباء.
وأشربوا أقوال الشيعة، وتوغلوا في الديانة بمذاهبهم، حتى لقد جعلوا مستند طريقهم
في لبس الخرقة، أن علياً رضي الله عنه ألبسها الحسن البصري وأخذ عليه العهد
بالتزام الطريقة. واتصل ذلك عنهم بالجنيد من شيوخهم. ولا يعلم هذا عن علي من وجه
صحيح.
ولم تكن هذه الطريقة خاصة بعلي كرم الله وجهه، بل الصحابة كلهم أسوة في طرق الهدى،
وفي تخصيص هذا بعلي دونهم رائحة من التشيع قوية، يفهم منها ومن غيرها مما تقدم
دخولهم في التشيع، وانخراطهم في سلكه.
وظهر منهم أيضاً القول بالقطب وامتلأت كتب الإسماعيلية من الرافضة، وكتب المتأخرين
من المتصوفة بمثل ذلك في الفاطمي المنتظر.
وكان بعضهم يمليه على بعض ويلقنه بعضهم من بعض، وكأنه مبني على أصول واهية من
الفريقين.
وربما يستدل بعضهم بكلام المنجمين في القرانات، وهو من نوع الكلام في الملاحم،
ويأتي الكلام عليها في الباب الذي يلي هذا.
وأكثر من تكلم من هؤلاء المتصوفة المتأخرين في شأن الفاطمي، ابن عربي الحاتمي في
كتاب عنقاء مغرب ، وابن قسي في كتاب خلع النعلين ، وعبد الحق بن سبعين ، وابن أبي
واطيل تلميذه في شرحه كتاب خلع النعلين.
وأكثر كلماتهم في شأنه ألغاز وأمثال)).
مقدمة ابن خلدون (صفحة: 178)(/1)وقال أيضاً: ((وأما حكم هذه الكتب المتضمنة لتلك العقائد
المضلّة، وما يوجد من نسخها بأيدي الناس، مثل (الفصوص) و(الفتوحات) لابن عربي،
و(البُدّ) لابن سبعين، و(خلع النعلين) لابن قسي، و(عقد اليقين) لابن بَرَّجان، وما
أجدر الكثير من شعر ابن الفارض، والعفيف التلمساني ، وأمثالهما، أن تُلحق بهذه
الكتب،وكذا شرح ابن الفرغاني للقصيدة التائية من نظم ابن الفارض، فالحكم في هذه
الكتب كلها وأمثالها، إذهاب أعيانها متى وجدت التحريق بالنار والغسل بالماء، حتى
ينمحي أثر الكتابة، لما في ذلك من المصلحة العامة في الدين، بمحو عقائد المضلة)).
(العقد الثمين للفاسي: 2ـ180).
وقال ابن خلدون: ((هذا العِلم - السِّحْر - حَدث في المِلَّة بعد صدر منها ،
وَعنْد ظُهور الغُلاَة من المتصوفة ، الحلاَّج ، ابن عربي ، العَفيف التِّلِمْساني
، ابْن سَبعين ، ابن الفارض
وجنوحهم إلى كشف حجاب الحس ، وظهور الخوارق على أيديهم والتصرفات في عالم العناصر
، وتدوين الكتب والاصطلاحات ومزاعمهم في تنزل الوجود عن الواحد وترتيبه. وزعموا أن
الكمال الأسمائي مظاهر أرواح والأفلاك والكواكب وأن طبائع الحروف وأسرارها سارية
في الأسماء فهي سارية في الأكوان )).
مقدمة ابن خلدون (صفحة:930)
ويقول ابن خلدون في مقدمته: (( ...... وتبعهم ابن عربي وابن سبعين وتلميذهما ابن
العفيف وابن الفارض والنجم الإسرائيلي في قصائدهم. وكان سلفهم مخالطين للإسماعيلية
المتأخرين من الرافضة الدائنين أيضا بالحلول وإلهية الأئمة مذهبا لم يعرف لأولهم
فأشرب كل واحد من الفريقين مذهب الآخر.
واختلط كلامهم و تشابهت عقائدهم. وظهر في كلام المتصوفة القول بالقطب ومعناه رأس
العارفين. يزعمون أنه لا يمكن أن يساويه أحد في مقامه في المعرفة حتى يقبضه الله.
ثم يورث مقامه لآخر من أهل العرفان.(/2)وقد أشار إلى ذلك ابن سينا في كتاب الإشارات في فضول التصوف
منها فقال: جل جناب الحق أن يكون شرعة لكل وارد أو يطلع عليه إلا الواحد بعد
الواحد. وهذا كلام لا تقوم عليه حجة عقلية، ولا دليل شرعي ، وإنما هو من أنواع
الخطابة ، وهو بعينه ما تقوله الرافضة ودانوا به.
ثم قالوا بترتيب وجود الأبدال بعد هذا القطب كما قاله الشيعة في النقباء. حتى إنهم
لما أسندوا لباس خرقة التصوف ليجعلوه أصلا لطريقتهم ونحلتهم رفعوه إلى علي رضي
الله عنه وهو من هذا المعنى أيضا. وإلا فعلي رضي الله عنه لم يختص من بين الصحابة
بتخليه ولا طريقة في لباس ولا حال. بل كان أبو بكر وعمر رضي الله عنهما أزهد الناس
بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأكثرهم عبادة. ولم يختص أحد منهم في الدين بشيء
يؤثر عنه في الخصوص بل كان الصحابة كلهم أسوة في الدين و الزهد و المجاهدة. تشهد
بذلك سيرهم و أخبارهم، نعم إن الشيعة يخيلون بما ينعلون من ذلك اختصاص علي رضي
الله عنه بالفضائل دون من سواه من الصحابة ذهابا مع عقائد التشيع المعروفة لهم.
والذي يظهر أن المتصوفة بالعراق، لما ظهرت الإسماعيلية من الشيعة، وظهر كلامهم في
الإمامة وما يرجع إليها ما هو معروف، اقتبسوا من ذلك الموزانة بين الظاهر والباطن
وجعلوا الإمامة لسياسة الخلف في الانقياد إلى الشرع، وأفردوه بذلك أن لا يقع
اختلاف كما تقرر في الشرع. ثم جعلوا القطب لتعليم المعرفة بالله لأنه رأس
العارفين، وأفردوه بذلك تشبيها بالإمام في الظاهر وأن يكون على وزانه في الباطن
وسموه قطبا لمدار المعرفة عليه، وجعلوا الأبدال كالنقباء مبالغة في التشبيه فتأمل
ذلك.
مقدمة ابن خلدون: (صفحة: 473).(/3)عبد الله بن موسى الفشتالي
روى الإمام راشد بن أبي راشد الوليدي المالكي ، المتوفي سنة (675 هـ) ، في كتابه
الحلال والحرام ، أنه سمع الإمام عبد الله بن موسى الفشتالي المالكي يقول: ((إن
التائب إذا اقتصر على ما عند علماء الظاهر أولى وأسلم له ، بل لا يجوز اليوم اتخاذ
شيخ لسلوك طريق المتصوفة أصلاً ، لأنهم يخوضون في فروعها ويهملون شروط صحتها ، وهو
باب التوبة إذ لا يصح بناء فرع قبل تأسيس أصله. قال: وسمعته يقول: لو وجدت تآليف
القشيري لجمعتها وألقيتها في البحر ، قال: وكذلك كتب الغزالي. قال: وسمعته يقول:
إني لأتمنى على الله أن أكون يوم الحشر مع أبي محمد بن أبي زيد ـ أي القيرواني ـ
لا مع الغزالي)). (نيل الابتهاج بتطريز الديباج: 117)(/1)عبد المجيد الزنداني
يقول الشيخ عبد المجيد الزنداني "حفظه الله": ((ولقد وقع بعض المسلمين
فيما وقع فيه مَنْ قبلهم من الأمم ، الذين أخذوا يرفعون من مقام الأولياء
والأنبياء والصلحاء ، من درجة العبودية لله تعالى إلى درجة تقارب الألوهية ، وتصل
إلى مقامها ، وذلك باعتقاد أن الأولياء أو الأنبياء أو الصلحاء يتصفون بصفات لا
تكون إلا لله: مثل القدرة على الإعانة الغيبية ، وكشف الضر ، ومنح الأولاد ، والإغاثة
بقوة غيبية تخرج عن السنن والقوانين التي يسير عليها الكون ، مما يدفعهم ذلك إلى
القيام بين أيديهم ، أو على قبورهم بشعائر التكريم أو التعظيم مما يكاد يكون
تألهاً وقنوتاً ، ولقد نعى القرآن الكريم على الذين يسلكون هذا المسلك الباطل ،
قال تعالى: {ويوم يحشرهم وما يعبدون من دون الله فيقول أءنتم أضللتم عبادي هؤلاء
أم هم ضلوا السبيل* قالوا سبحانك ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء}
[الفرقان: 17-18]
ولقد قال الطبري في تفسيره لهذه الآية: يقول تعالى ذكره: ويوم نحشر هؤلاء المكذبين
بالساعة العابدين الأوثان ، وما يعبدون من دون الله من الملائكة والإنس والجن ..
ولا يغيبنّ عن ذهنك أن أولياء الله أول من يرفض هذه المكانة التي يرفعهم إليها ،
كما أنهم يجب أن يكونوا قدوة لنا نتبع طريقهم ، وننهج نهجهم في عبادتهم لربهم فإن
لأولياء الله الدرجة العالية عند الله ولهم البشرى في الحياة الدنيا ويوم القيامة
وهو السالمون من الخوف والحزن ، قال تعالى: {ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا
هم يحزنون * الذين آمنوا وكانوا يتقون * لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة
لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم} [يونس : 62-64]
وأنت ترى من الآية أن الولي هو المؤمن حقاً ، والمتقى حقاً ، والإيمان هو ما وقر
في القلب وصدقه العمل ، والعمل هو اتباع ما أمر الله به واجتناب ما نهى عنه.(/1)المصدر: كتاب توحيد الخالق للشيخ عبد المجيد الزنداني
(2/63-64)(/2)فتوى العلامة الدكتور وهبة الزحيلي
زعم أحد مشايخ الطرق الصوفية في مدينة الباب قرب مدينة حلب السورية أن هناك من
رجالات وأولياء الطرق الصوفية من يقول للشيء كن فيكون.
فكتب فضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور وهبة الزحيلي "حفظه الله" رسالة يرد
فيها عليه ، مضمونها:
السلام على من اتبع الهدى وبعد:
فإن الله تعالى في قرآنه حصر بأداة الحصر ((إنما)) نفسه في الخلق والإيجاد
والإبداع التكويني ليس لغيره سبحانه وتعالى ، ودون أن يشاركه أحد من المخلوقات
بهذا ، لا نبي ولا ملك ولا ولي ، فقال: {إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن
فيكون} وآيات كثيرة في معناها ، فاستغفر الله وتب أيها الأخ من سوء الفهم وضلال
الاعتقاد والكفر بالله ، هذه نصيحتي ، فإن أصررت على غير ذلك بتأويلات صوفية غير
مقبولة ، فقد خسرت الدنيا والآخرة والله يهديك إلى سواء السبيل.
13 من صفر 1418
23 ـ 6 ـ 1997
الأستاذ الدكتور وهبة الزحيلي
رئيس قسم الفقه الإسلامي ومذاهبه بجامعة دمشق.(/1)فتوى مجموعة من العلماء
السؤال:
(السلام عليكم ورحمة الله وبركاته: فإن في بلادنا قبور رجال صالحين، مرفوعة ببناء
فوق الأرض، فيها حفرة صغيرة، بداخلها تراب يتبرك به ويستشفى به، وتقام لهذه القبور
زيارات سنوية موسمية في شهر رجب الحرام وغيره، يُذبح فيها الكباش لأصحاب القبور،
ويجتمع عندها الرجال والنساء والباعة والألعاب، ويحتفل بهذه الزيارات كالاحتفال
بيوم العيد، وتهان فيها القبور أيما إهانة.
فما هو قول السادة العلماء والأئمة الفضلاء في رفع القبور بالبناء؟ وما حكم هذه
الزيارات؟ وهل هي الزيارات الشرعية التي حث عليها أبو القاسم محمد صلى الله عليه
وسلم؟ أفتونا مأجورين. نفع الله بكم الإسلام والمسلمين.
وقد تفضل أصحاب الفضيلة العلماء بالإجابة على هذه الاستفتاء، ننشر هنا خلاصة
إجاباتهم:
(( أولاً: أوضح العلماء في فتاواهم على أنه لا أحد من الخلق لا ملك ولا نبي ولا
ولي يضر أو ينفع، وأن الأموات لا ينفعون الأحياء ولا يغنون عنهم من الله شيئاً ،بل
الأموات بحاجة إلى دعاء الأحياء لهم، والاستغفار لهم، وإذا كان سيد الأولين
والآخرين نبينا محمد صلى الله عليه وسلم لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً، فكيف يملك
ذلك غيره ممن هو دونه، وعليه فلا يجوز اعتقاد النفع والضر في أصحاب القبور مطلقاً؛
لأنه من الشرك الأكبر المخرج من ملة الإسلام .
ثانياً: أوضح العلماء أن شد الرحال إلى القبور بدعة محدثة منكرة وقد جاء الشرع
بالنهي عن شد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد، كقول النبي صلى الله عليه وسلم:
"لا تُشد الرحال إلا إلى ثلاثة مسجدي هذا والمسجد الحرام والمسجد
الأقصى". أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما.
ثالثاً: أكد العلماء على حرمة رفع القبور أكثر من شبر لقول النبي صلى الله عليه
وسلم لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه : "لا تدع تمثالاً إلا طمسته ولا قبراً
مشرفاً إلا سويته". أخرجه مسلم.(/1)رابعاً: أكد العلماء على حرمة البناء على القبور مطلقاً،
وتجصيصها، والكتابة عليها، والقعود عليها، لحديث جابر بن عبدالله: "نهى رسول
الله صلى الله عليه وسلم أن يقعد على القبر، وأن يجصص أو يبنى عليه". أخرجه
أحمد وأبو داود والنسائي وفي رواية: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن
يُكتب على القبر شيء". أخرجه أبو داود وابن ماجه.
خامساً: بيّن العلماء الفرق بين الزيارة الشرعية للقبور، التي تكون للعظة،
والاعتبار، وتُذكر الآخرة، والدعاء والاستغفار للميت. وبين الزيارات البدعية
والشركية التي يُتقرب فيها إلى أصحاب القبور، بالذبائح والنذور، والاستغاثات، وما
إلى ذلك من أمور الشرك الأكبر المخرج عن ملة الإسلام، وأن هذه الأمور لا تكون إلا
لله عز وجل وحده لا شريك له، لقوله تعالى: (قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله
رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين) ولقوله تعالى: (فصل لربك
وانحر) ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: "لعن الله من ذبح لغير الله"
أخرجه مسلم.
سادساً: أكد العلماء على أن وضع حفرة على القبر وجعل التراب فيها للتبرك
والاستشفاء به من وسائل الشرك الأكبر المخرج عن ملة الإسلام.
سابعاً: أكد العلماء على تحريم، وخطورة ما يجري في هذه الزيارات، من الاختلاط بين
الرجال والنساء، وخروج الباعة، والطبول، وما يجره من الفتن، والفواحش والموبقات،
علماً أن النبي صلى الله عليه وسلم: "لعن زوَّرات القبور" أخرجه أحمد
والترمذي.
ثامناً: أوضح العلماء تحريم تخصيص شهر من السنة، لزيارات قبور الأولياء، خاصة في
شهر رجب الحرام، وأن ذلك وسيلة من وسائل الشرك، الذي لا يغفره الله عز وجل، إن مات
صاحبه عليه ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تجعلوا قبري عيداً"
أخرجه أبو داود.
وإليك أسماء بعض العلماء والمشايخ الذين أفتوا ووقعوا على هذه الفتوى.(/2)(1) محمد بن إسماعيل العمراني (2) مقبل بن هادي الوادعي (3)
د. إبراهيم القريبي (4) د. عبد الوهاب الديلمي (5) محمد الصادق مغلس (6) عبدالمجيد
الزنداني (7) عبدالعزيز الدبعي (8) عبد المحسن ثابت (9) عبد المجيد الريمي
(10)عقيل المقطري (11) محمد بن عبدالوهاب الوصابي (12) د. أحمد محمد زبيلة (13)
أحمد حسن المعلم (14) إسماعيل العنسي (15) محمد المهدي (16)عبدالرحمن بن عبد الله
شميلة (17) حسين بن محفوظ (18) عمر أحمد سيف (19) عبدالقادر الشيباني (20) صالح
الوادعي (21) طارق عبد الواسع (22) عبدالله الحاشدي (23) ناصر الكريمي (24) عيسى
شريف (25) أحمد حسان (26) علي بارويس ( 27) علي بن فتيني ( 28) عبدالله الحميري (
29) أحمد أهيف (30) أمين جعفر (31) عمار ناشر (32) محمد الوادعي (33) عارف أنور
(34) علي مقبول الأهدل (35) محمد سالم الزبيدي (36) محمد سعد الحطامي (37) حسن
صغير الأهدل ( 38) مراد القدسي ( 39) إسماعيل عبدالباري (40) حسن الزومي ( 41)
حاكم زبيد : عبدالكريم النعماني (42) محمد المعمري ( 43) عبدالله فيصل الأهدل (
44) عمر سقيم .(/3)محمد
يقول الشيخ محمد ((وفي الجاهلية يأنس الناس للوسطاء ؛ لأنهم – في هبوطهم
وانغلاقهم – يحسون بالوحشة من الإله المنزه الذي لا تدركه الأبصار ، فيأنسون
للكائنات الوسيطة ، التي يتصورنها ذات طبيعة مزدوجة: ناسوت ولاهوت ، جانب بشري
وجانب إلهي ، يلتقون مع البشر بجانبهم البشري ، ويلتقون بجانبهم الإلهي مع الإله !
ويكونون "محطة" في الطريق ، يتزود الناس فيها بالطاقة اللازمة لرحلة
"الفضاء" ، إلى الأزلي اللانهائي الذي لا تدركه الحواس ولا تحده الحدود
!!
من أجل هذه الانحرافات كلها، التي تشمل العقيدة والشعيرة والشريعة ، ركز المنهج
القرآني على تحديد هذه القضية تحديداً حاسماً ، وتنزيه العبادة من كل لون من ألوان
الشرك يمكن أن يهجس في بال الإنسان.
وقد رأينا – من تجربة الواقع – أن هذه الهواجس قد ألمت بالأمة الإسلامية ذاتها ،
بعد فترة من تنزيه العبادة ، والارتفاع بها إلى المستوى اللائق بجلال الله ،
واللائق بالإنسان الذي خلقه الله في أحسن تقويم.
فقد جاءت الصوفية ببدع كثيرة تفسد صفاء العقيدة وصفاء العبادة.
ولا نتحدث هنا عن الخبل الواضح في فكرة الإتحاد ، والحلول ، ووحدة الوجود ، مما
يتنافى تنافياً كاملاً مع التوحيد الذي جاء به الرسل جميعاً ، وعلى رأسهم رسول
الله صلى الله عليه وسلم ، وهذا التفكير – في حقيقته – نتاجٌ وثني صريح جاء من
الهند أو من فارس أو من أي مكان في الأرض.
إنما نتحدث عن بدع أخرى نشأت مع الصوفية ، هي عبادة الأضرحة والأولياء ، وتضخيم
الشيخ في حس المريد حتى يصبح وسيطاً بينه وبين الله ، وتوجيه ألوان من العبادة إلى
أولئك "المشايخ" أحياء وأمواتاً لا يجوز توجيهها لغير الله.
إنها ردة جاهلية.(/1)صحيح أن الناس لا يعبدون صنماً منحوتاً كما كان يفعل
المشركون يوم ذاك ، ولكن كيف نسمي التمسح بالأضرحة التماساً للبركة ، والدعاء عنده
رجاء الاستجابة ، وطلب المعونة من صاحب الضريح ، والاستغاثة به من الكرب ،
والإيمان بأنه ذو حظوة عند الله ، يستطيع بها أن يغير مجرى الأقدار ؟ ! أو الإيمان
بأن الله قد عهد إلى الأقطاب والأبدال أن يتصرفوا في ملك الله ، فإذا استعطفهم
مريدهم وتضرعوا إليهم صرّفوا الأمور لصالحهم ، وحموهم من الأخطار.
ألم يكن مشركو الجزيرة يقولون: {ما نعبدهم إلا ليقربونا إلا الله زلفى} الزمر:3.؟
! أي: لا نعبدهم لذواتهم ولكن لما لهم من حظوة عند الله ؟!
أما الشيخ والمريد فبدعة أخرى من بدع الصوفية الخطيرة.
ولا يعنينا هنا أن نذكر كيف بدأت البدعة ، ولا أن العامة قد ارتموا في أحضان
الصوفية لقلة العلماء المربين الذين يعلمون الناس دينهم على المنهج القرآني الواضح
السهل البليغ المؤثر ، وعلى منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يقرب الحقائق
للناس حتى يتشربوها في يسر ، وترسخ في نفوسهم فلا يمحى أثرها ، إنما وجد العامة
بدلاً من ذلك من يتكلم عن العقيدة كأنها معاظلات ذهنية تجريدية - وخاصة فيما يتعلق
بالذات الإلهية والأسماء والصفات – تجهد الذهن ولا تحرك القلب ، ووجدوا المتخصصين
في الفقه يتحدثون فيه لا على أنه "دين" نزل لينظم حياة البشر على الأرض
، ويربط قلوبهم بالله وهم يأتمرون بأمره وينفذون تعاليمه ، ولكن كأنه قضايا جافة
مبتوتة الصلة بالوجدان الحي ، لذلك هرب العامة من معاظلات علم الكلام في العقيدة ،
ومن جفاف الدراسات الفقيهة ، إلى الملجأ الذي رأوه يشبع وجدانهم الروحي الظامئ ،
وجدوا راحتهم النفسية التي افتقدوها هنا وهناك.
ذلك يفسر ولا يبرر ، فلا شيء يبر الانحراف عن طريق الله القويم: {وأن هذا صراطي
مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله} الأنعام: 153.(/2)جاء الإسلام ؛ ليلغي كل واسطة بين البشر وربهم ، وليعقد
الصلة مباشرةً بين العبد والرب: {وقال ربكم ادعوني استجب لكم} غافر: 60.{وإذا سألك
عبادي عنى فإني قريب أجيب دعوة الداعِ إذا دعان} البقرة: 186.
وجاءت الصوفية ؛ لتجعل بين العبد وربه وسطاء وشفعاء ، سواء كانوا من الأموات أو
الأحياء ، وجاء الإسلام ؛ ليخرج من هذه الأمة علماء وفقهاء يعلمون الناس أمر
دينهم: {إنما يخشى الله من عباده العلماء} فاطر: 28.{وما كان المؤمنون لينفروا
كافة * فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا
رجعوا إليهم لعلهم يحذرون} التوبة: 122.
وجعل أولئك العلماء والفقهاء أئمة ومعلمين ومربين ، وقدوة للناس ، ولم يجعلهم كهنة
يختصون بالطقوس ، ذلك أنه لم يكن عقيدة وشعائر فحسب ، إنما كان عقيدة وشريعة
ومنهجاً كاملاً للحياة ، لذلك يحتاج الناس في ظله إلى علماء وفقهاء يعلمونهم أصول
دينهم ومحتوياته ومتطلباته. أما حين يكون عقيدة فحسب ، وطقوساً تتعلق بالعقيدة ،
فهنا يظهر الكهنة ؛ ليكونوا وسطاء بين الناس وربهم ويظل الوسيط يتضخم في حسهم حتى
يخرج عن طبيعته البشرية الخالصة ، ويصبح حسهم مزدوج الطبيعة فيه ناسوت ولاهوت!
جاء الإسلام ؛ ليجعل الدين خالصاً لله ، وجاءت الصوفية ؛ لتحوّل الشيخ في حس
المريد إلى وسيط بين الناس وربهم ، بحجة أنه مبارك عند الله ، ترجى بركته ؛ ليقرب
الناس إلى الله زلفى ، وليجعل الله يحيطهم برحمته ، فكأنما له شركة في الأمر مع
الله ، مع أن الله قال لرسوله الحبيب صلى الله عليه وسلم: {ليس لك من الأمر شيء}
آل عمران: 128.(/3)وجاء الإسلام ؛ ليقرر بشرية الرسول صلى الله عليه وسلم ،
بشرية خالصة ، لا يخالطها شيء من "اللاهوت"، فغلت الصوفية في حبه
وتعظيمه ، حتى جعلت كأنما خلق الله الخلق ؛ ليشاهدوا الأنوار المحمدية ، وليس أن
الله بعث رسوله صلى الله عليه وسلم لهداية البشرية: {وما أرسلناك إلا رحمة
للعالمين} الأنبياء: 107.
المصدر: كتاب "لا إله إلا الله عقيدة وشريعة ومنهاج حياة" صفحة: (57 –
60)
ويقول الشيخ محمد ((حين أهمل الناس "الدنيا" بتأثير الصوفية أهملوا
كذلك "العلم" المتعلق بالحياة الدنيا، من طب، وفلك، ورياضيات، وفيزياء،
وكيمياء، فتأخرت الصناعة تبعاً لذلك، وتأخرت كذلك فنون الحرب وأدواته . . فمنذ
القدم كانت فنون الحرب تعتمد في جانب مهم منها على التقدم العلمي والصناعي .
وحين كان المسلمون يهملون علومهم وصناعاتهم، ويتأخرون في فنون القتال، كانت أوربا
- بما تعلمته من علوم المسلمين - تتقدم علميًّا، وصناعيًّا، وتستجد للحرب أدوات
جديدة لا يعرفها المسلمون .
وحين كانت أوربا "تتخذ الأسباب" للتمكين في الأرض، كانت الأمة الإسلامية
"تتخذ الأسباب" لإهمال الحياة الدنيا والبعد عن التمكين!
وحين تلاقت الفئتان كانت النتيجة معروفة!
بدأت الدول الصليبية تنهش في جسم الدولة العثمانية، وتبتلع من الأرض الإسلامية
قطعة وراء قطعة، والأمة مشغولة "بالذكر" لا على المنهج القرآني الذي
يذكّر بمقتضيات لا إله إلا الله، فيدفع إلى القوة والتمكين، ولكن على منهج الصوفية
الذي يهرب من المواجهة في عالم الشهادة زاعماً أنه يتوغل في عالم الغيب . . يتوغل
حتى يصل إلى " الفناء"!!
وبدأ "الرجل المريض" يترنح من توالي الضربات . .(/4)هزيمة هنا وفتنة هناك . . وما يكاد يقضي على فتنة في أحد
الأرجاء حتى تكون قد برزت فتنة جديدة في مكان جديد . . والصليبية الصهيونية تخطط
وتُحْكِمُ الكيد، والأمة مشغولة بأضرحتها وأوليائها ومشايخها تستغيث بهم ليكشفوا
عنها الضر، ويصدوا عنها العدو الذي يكتسح في كل يوم جزءاً من الأرض التي رواها
الأجداد بالدماء .
ا
وقال أيضاً: والعامة بصفة خاصة – حين يفقدون إشباع وجدانهم الديني عند الفقهاء،
وعند علماء العقيدة العقلانيين – ما أسهل أن ينزلقوا إلى الصوفية يجدون عندها ما
يخيل إليهم أنه مهرب دافئ من برودة الدراسات ذات الصبغة العقلية الجافة، وبرود من
يتصدون لتعليم العقيدة من خلال قضايا علم الكلام ومعاظلاته الذهنية . .
وأيا كانت الأسباب التي أدت إلى انتشار الصوفية فهي انحراف من أخطر ما وقع في
العالم الإسلامي من انحرافات، سواء من ناحية الأفكار الإلحادية الهندية والفارسية
التي تسربت إليها كنظرية الحلول ووحدة الوجود، أو من ناحية سلبيتها وتواكلها
وقعودها عن العمل الإيجابي في واقع الحياة.
وحين تراكمت هذه الانحرافات وبلغت مداها خلال أربعة قرون أو خمسة، جاء الصليبيون،
ثم جاء التتار !
المصدر: 1(/5)أبو الوفا علي بن محمد بن عقيل العقيلي
الحنبلي
كان صوفياً وصاحباً للغزالي ((وقعت له قضايا منها ترداده إلى أبي الوليد وأبي
البيان شيخي المعتزلة ، وكان يعظمهم ويترحم على الحلاج ، ثم بعد ذلك أظهر التوبة ,
وكتب بخطه: إن الحلاج قتل بإجماع آلاف علماء المسلمين ، وأصابوا في ذلك وأخطأ هو ،
و إني أستغفر الله تعالى وأتوب إليه من مخالطة المعتزلة والمبتدعة)). (المقصد
الأرشد: 2ـ245)
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: ((في يوم الخميس حادي عشر المحرم حضر إلى الديوان
أبو الوفا علي بن محمد بن عقيل العقيلي الحنبلي ، وقد كتب على نفسه كتابا ، يتضمن
توبته من الاعتزال ، وأنه رجع عن اعتقاد كون الحلاج من أهل الحق والخير ، وأنه قد
رجع عن الجزء الذي عمله في ذلك ، وأن الحلاج قد قتل بإجماع علماء أهل عصره على
زندقته ، وأنهم كانوا مصيبين في قتله وما رموه به ، وهو مخطئ واشهد عليه جماعة من
الكتاب ، ورجع من الديوان إلى دار الشريف أبي جعفر فسلم عليه وصالحه واعتذر إليه
فعظمه)). (البداية والنهاية: 12ـ105)
وبعد أن خبر حال الصوفية قال: ((ما على الشريعة أضر من المتكلمين والمتصوفين ,
فهؤلاء (المتكلمون) يفسدون عقائد الناس بتوهمات شبهات العقول , وهؤلاء ـ المتصوفة
ـ يفسدون الأعمال ، ويهدمون قوانين الأديان. فالذي يقول: حدثني قلبي عن ربي فقد
استغني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم , وقد خبرت طريقة الفريقين فغاية هؤلاء ـ
المتكلمين ـ الشك, وغاية هؤلاء ( المتصوفة ) الشطح)).
( تلبيس إبليس لابن الجوزي: 375 )
وقال رحمه الله: ((كفى الله شر هذه الطائفة الجامعة بين دهثمة في اللباس وطيبة في
العيش وخداع بألفاظ معسولة ليس تحتها سوى إهمال التكليف وهجران الشرع ، ولذلك
خفّوا على القلوب ، ولا دلالة على أنهم أرباب باطل أفضح من محبة طباع الدنيا لهم ؛
كمحبتهم أرباب اللهو والمغنيات)). (تلبيس إبليس لابن الجوزي: 374).(251/1)ونقل ابن الجوزي في كتابه تلبيس إبليس في الباب العاشر قول
ابن عقيل واصفاً الصوفية ورقصهم وغنائهم: ((إنما خدعكم الشيطان فصرتم عبيد شهواتكم
ولم تقفوا حتى قلتم هذه الحقيقة وأنتم زنادقة في زي عباد شرهين في زي زهاد مشبهة
تعتقدون أن الله عز وجل يُعشق ويُهام فيه ويؤلف ويؤنس به وبئس التوهم)).
وقال: ((والمتكلمون عندي خير من الصوفية لأن المتكلمين قد يزيلون الشك ، والصوفية
يوهمون التشبيه)) ( المصدر السابق : 375 ) .
وقال: ((إنما هم زنادقة جمعوا بين مدارع العمال ، ومرقعات الصوف ... ولم تتجاسر
الزنادقة أن ترفض الشريعة حتى جاءت المتصوفة فجاؤا بوضع أهل الخلاعة)) ( المصدر
السابق : 374 )
وقال: ((والناس يقولون: إذا أحب الله خراب بيت تاجر عاشر الصوفية. قال: وأنا أقول:
وخراب دينه لأن الصوفية قد أجازوا لبس النساء الخرقة من الرجال الأجانب ، فإذا
حضروا السماع والطرب فربما جرى في خلال ذلك مغازلات واستخلاء بعض الأشخاص ببعض))
(المصدر السابق: 376 ).(251/2)الدكتور أحمد حجازي السقا المصري
يقول الدكتور عن نفسه:
(( كنت ... ضد المذهب السلفي لدرجة أنني سخرت من الشيخ ابن تيمية في كتابي
(الله وصفاته في اليهودية والنصرانية والإسلام) .. وكنت ضد المذهب السلفي لأن
جمهور المسلمين ضده ، الشيعة والمعتزلة والخوارج وطائفة من أهل السنة تلقب
"بالخلف" تميزاً لها عن "السلف" كل هؤلاء ضد المذهب السلفي.
وذات ليلة كنت جالساً أتأمل في السماء وما فيها من عجائب فأدى ذلك التأمل إلى
البحث في ذات الله وصفاته ، وهداني الله -عز وجل- إلى أن المذهب السلفي في ذات
الله وصفاته هو الحق المبين ، وسوف إن شاء الله أُفرد بحثاً خاصاً في كتاب)
( الخوارج الحروريون ومقارنة مبادئهم بمبادئ الفرق الإسلامية ص77)
وبعد عودة الدكتور للحق أثبت شهادته الحقيقية لعلماء المملكة العربية السعودية
فقال:
(( وأنا أشهد أن علماء الدين في المملكة العربية السعودية على تقوى من الله ورضوان
.. أنهم يخشون الله ويعملون على إرضائه دائماً ويراقبونه في السر و العلانية ))
ثم يبكي ويرثي حال العلماء في أقطار العالم فيقول:
(( وليت علماء الدين في العالم كعلماء الدين في السعودية ، إذاً تصلح الحياة
الدنيا ))
( الخوارج الحروريون ومقارنة مبادئهم بمبادئ الفرق الإسلامية ص81)(252/1)الدكتور الشيخ تقي الدين الهلالي
يقول الدكتور الهلالي عن نفسه: (( نشأت في بلاد سجلمانة، وحفظت القرآن وأنا ابن
اثنتي عشرة سنة، ورأيت أهل بلادنا مولعين بطرائق المتصوفة لا تكاد تجد واحداً منهم
لا عالماً ولا جاهلاً إلا وقد انخرط في سلك إحدى الطرق، وتعلق بشيخها تعلق الهائم
الوامق، يستغيث به في الشدائد ويستنجد به في المصائب، ويلهج دائماً بشكره والثناء
عليه فإن وجد نعمة شكره عليها، وإن أصابته مصيبة اتهم نفسه بالتقصير في محبة شيخه
والتمسك بطريقته، ولا يخطر بباله أن شيخه يعجز عن شيء في السماوات ولا في الأرض
فهو على كل شيء قدير، وسمعت الناس يقولون: من لم يكن له شيخ فالشيطان شيخه.
وينشدون قول ابن عاشور في أرجوزته التي نظمها في عقيدة الأشعرية، وفي فروع
المالكية، وفي مبادئ التصوف:
يصحب شيخاً عارف المسالك يقيه في طريقه المهالك
يذكره الله إذا رآه ويوصل العبد إلى مولاه
ورأيت الطرق المنتشرة في بلادنا قسمين:
1- قسم ينتمي إليه العلماء وعلية القوم.
2- وقسم ينتمي إليه السوقة وعامة الناس.
فمالت نفسي إلى القسم الأول، وسمعت أبي وهو من علماء بلدنا مراراً يقول: لولا أن
الطريقة التجانية تمنع صاحبها من زيارة قبور الأولياء والاستمداد منهم وطلب
الحاجات إلا قبر النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة، وإلا قبر الشيخ التجاني،
وقبور من ينتمي إلى طريقته من الأولياء، قال أبي: لولا ذلك لأخذت ورد الطريقة
التجانية، لأني لا أستطيع أن أترك زيارة جدنا عبد القادر بن هلال، وجدنا كان
مشهوراً بالصلاح وله قبر يزار وهو معدود من جملة الأولياء في ناحية الغرفة من
القسم الشرقي الجنوبي في بلاد المغرب.(253/1)والطريقة التجانية، والدرقاوية، والكتانية، وإن كان أهلها
في بلادنا قليلاً، تؤلف القسم الأول، فاشتاقت نفسي إلى أخذ ورد الطريقة التجانية
وأنا قد ناهزت البلوغ فذهبت إلى المقدم وقلت له: يا سيدي أريد منك أن تعطيني ورد
الطريقة التجانية، ففرح كثيراً، وقال لي: تأخذ الورد على صغر سنك؟ قلت: نعم، فقال:
بخ بخ أفلحت ونجحت، فأعطاني الورد وهو:
ذكر لا إله إلا الله ، مائة مرة، والاستغفار مائة مرة، والصلاة على النبي صلى الله
عليه وسلم بأي صيغة مائة مرة، لكن صيغة الفاتح لما أغلق هي أفضل الصيغ، وسيأتي إن
شاء الله ذكر فضلها ( الفضل المزعوم عندهم ) في هذا الكتاب بعون الله وتوفيقه،
وأعطاني كذلك الوظيفة وهي ( أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم
ثلاثين مرة) وصلاة الفاتح لما أغلق خمسين مرة، ولا إله إلا الله مائة مرة، وجوهرة
الكمال وهي: اللهم صل وسلم على عين الرحمة الربانية.. الخ، وسيأتي ذكر ألفاظها
اثنتي عشر مرة، وهذه الصلاة لا تذكر إلا بطهارة مائية، فمن كان فرضه التيمم فعليه
أن يذكر بدلها صلاة الفاتح عشرين مرة، قال: وإنما اشترطت الطهارة المائية على
ذاكرها لأن النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين يحضرون مجلس كل من يذكرها
ولا يزالون معه ما دام يذكرها.
ويجب ذكر الورد مرة في الصباح ومرة في المساء بطهارة تامة كما يشترط في الصلاة،
ويكون الذاكر جالساً كجلسة التشهد على الأفضل مغمضاً عينيه مستحضراً صورة الشيخ
أحمد التجاني وهو رجل أبيض مشرب بحمرة ذو لحية بيضاء، ويتصور في قلبه أن عموداً من
النور يخرج من قلب الشيخ ويدخل في قلب المريد.
أما الوظيفة فيجب أن تذكر جماعة بصوت واحد، إن كان للمريد إخوان في بلده، فإن لم
يكن له إخوان تجانيون في بلاده جاز له أن يذكرها وحده مرة في كل يوم.(253/2)وأخبرني المقدم الشيخ عبد الكريم المنصوري ببعض فضائل هذا
الورد وسأذكرها فيما بعد إن شاء الله واستمررت على ذكر الورد والوظيفة بإخلاص
ملتزماً الشروط مدة تسع سنين، وهناك ذكر آخر يكون يوم الجمعة متصلاً بغروب الشمس
وهو: لا إله إلا الله ألف مرة، والأفضل أن يكون معه سماع قبله أو بعده، وهو إنشاد
شيء من الشعر بالغناء والترنم جماعة ثم يقولون جميعاً: الله حي، والمنشد ينشدهم
وهم قيام حتى يخلص عند تواجدهم إلى لفظ آه، آه، آه، ويسمون هذه الحالة العمارة،
وقد تركوها منذ زمان طويل لأن أبناء الشيخ التجاني لا يستعملون هذه العمارة، وهم
يأتون من الجزائر إلى المغرب وقد أشاروا على المغاربة أن يتركوا العمارة لأنهم لا
يستحسنونها، ولكن في كتب الطريقة أنها فعلت أمام الشيخ أحمد التجاني وبرضاه
وإقراره.(253/3)وكنت كلما أصابتني مصيبة أستغيث بالشيخ فلا يغيثني، فمن ذلك
أني كنت في الجزائر مسافراً من ناحية (بركنت) بقرب حدود المغرب إلى (المشرية)،
وكان لي رفيق له جمل فعقله وأوصاني بحراسته وتركني في خيمة وكنا فيها من خيام أهل
البادية، فانحل عقال الجمل وانطلق في البرية فتبعته فأخذ يستهزئ بي، وذلك أنه يبقى
واقفاً إلى أن أكاد أضع يدي على عنقه ثم يجفل مرة واحدة ويجري مسافة طويلة ثم يقف
ينتظرني إلى أن أكاد أقبضه ثم يهرب مرة أخرى وذلك في نحر الظهيرة وشدة الحر، فقلت
في نفسي: هذا وقت الاستغاثة بالشيخ فتضرعت إليه وبالغت في الاستغاثة أن يمكنني في
قبض الجمل و إناخته فلم يستجب، فعدت على نفسي باللوم واتهمتها بعدم الإخلاص
والتقصير في خدمة الطريقة ولم أتهم الشيخ البتة بعجز عن قضاء حاجتي، ومع أن شيوخ
الطريقة يوصون المريد أن لا يطالع شيئاً من كتب التصوف إلا كتب الطريقة التجانية
وقع في يدي مجلد من كتاب (الإحياء) للغزالي فطالعته فأثر في نفسي واجتهدت في
العبادة والتزمت قيام الليل في شدة البرد، فبينما أنا ذات ليلة أصلي قيام الليل
أمام خيمتي الصغيرة التي كنت جالساً فيها يكاد رأسي يمس سقفها إذ رأيت غماماً أبيض
سد الأفق كالجبل المرتفع من الأرض إلى السماء وأخذ ذلك الغمام يدنو مني آتياً من
جهة الشرق -وهي قبلة المصلي في المغرب والجزائر- حتى وقف بعيداً مني وخرج منه شخص
وتقدم حتى قرب مني ثم شرع يصلي بصلاتي مؤتماً بي، وثيابه تشبه ثياب جارية بنت خمس
عشرة سنة، ولم أستطع أن أميز وجهه بسبب الظلام.(253/4)ولما شرع يصلي معي كنت أقرأ في سورة ألم السجدة ففزعت وخفت
خوفاً شديداً، فخرجت منها إلى سورة أخرى أظنها سورة سبأ، ولم أستطع قراءة القرآن
مع شدة حفظي له بسبب الرعب الذي أصابني، فتركت السور الطوال وأخذت أقرأ بالسور
القصار التي لا تحتاج قراءاتها إلى رباطة جأش واستحضار فكر. فصلى معي ست ركعات،
ولم أرد أن أكلمه، لأن كتب الطريقة توصي المريد أن لا يشتغل بشيء مما يعرض له في
سلوكه حتى يصل إلى الله، وتنكشف له الحجب فيشاهد العرش والفرش، ولا يبقى شيء من
المغيبات خافياً عليه، ولما طال علي زمان الاضطراب دعوت الله في سجود الركعة
السادسة فقلت: يا رب إن كان في كلام هذا الشخص خير فاجعله هو يكلمني، وإن لم يكن
في كلامه خير فاصرفه عني، فلما سلمت من التشهد بعد الركعة السادسة سلم هو أيضاً،
ولم أسمع له صوتاً ولكني رأيته التفت عند السلام إلى جهة اليمين كما يفعل المصلي
المنفرد على مذهب المالكية، فإنه يسلم مرة واحدة عن يمينه، السلام عليكم دون أن
يضيف إليها رحمة الله وبركاته، وإن كان مؤتماً بإمام يسلم ثلاث تسليمات إن كان
بيساره مصل تسليمة عن يمينه وهي تسليمة التحليل وتسليمة أمامه للإمام، وتسليمة
ثالثة عن شماله للمصلي الذي يجلس عن شماله وقد ثبت في الحديث الذي رواه أبو داود
وصححه الحافظ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسلم عن يمينه السلام عليكم ورحمة
الله وبركاته وعن يساره السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وهذا هو الذي ينبغي لكل
مصل أن يعتمد عليه سواء أكان إماماً أو مأموماً أو منفرداً.
(253/5)
وبعد السلام انصرف ومشى على مهل حتى دخل في الغمام الأبيض
الذي كان قائماً في مكانه الذي كان ينتظره، وبعد دخوله في الغمام فوراً أخذ الغمام
يتقهقر إلى جهة الشرق حتى اختفى عن بصري وكان في قبيلة (حميان) شيخ شنقيطي صالح ما
رأيت مثله في الزهد والورع ومكارم الأخلاق وسأذكره فيما بعد، فسافرت إليه وحكيت له
تلك الحادثة فقال لي: يمكن أن يكون ذلك شيطاناً لو كان ملكاً ما أصابك فزع ولا
رعب، فظهر لي أن رأيه صواب.
وبعد ذلك بزمن طويل أخذت أدرس علم الحديث، فرأيت كتاب (صحيح البخاري) ما وقع للنبي صلى الله عليه وسلم حين جاءه جبريل وهو في غار حراء، فظهر لي أن رأي ذلك الشيخ رحمه الله غير صحيح وبقيت المشكلة بلا حل إلى الآن وكنت حينئذ مشركاً أستغيث بغير الله وأخاف غير الله. ومن هذا تعلم أن ظهور الخوارق وما في عالم الغيب ليس دليلاً على صلاح من ظهرت له تلك الخوارق ولا على ولايته لله ألبتة فإن كل مرتاض رياضة روحية تظهر له الخوارق على أي دين كان وقد سمعنا وقرأنا أن العباد الوثنيين من أهل الهند تقع لهم خوارق عظام.
وبعد ذلك بزمن طويل أخذت أدرس علم الحديث، فرأيت كتاب (صحيح البخاري) ما وقع للنبي صلى الله عليه وسلم حين جاءه جبريل وهو في غار حراء، فظهر لي أن رأي ذلك الشيخ رحمه الله غير صحيح وبقيت المشكلة بلا حل إلى الآن وكنت حينئذ مشركاً أستغيث بغير الله وأخاف غير الله. ومن هذا تعلم أن ظهور الخوارق وما في عالم الغيب ليس دليلاً على صلاح من ظهرت له تلك الخوارق ولا على ولايته لله ألبتة فإن كل مرتاض رياضة روحية تظهر له الخوارق على أي دين كان وقد سمعنا وقرأنا أن العباد الوثنيين من أهل الهند تقع لهم خوارق عظام.
(253/6)
وبعد ذلك بأيام رأيت في المنام رجلاً نبهني وأشار إلى الأفق
فقال لي: انظر فرأيت ثلاثة رجال فقال لي إن الأوسط منهم هو النبي صلى الله عليه
وسلم فذهبت إليه فلما وصلت إليه انصرف الرجلان اللذان كانا معه فأخذت يده وقلت يا
رسول الله خذ بيدي إلى الله فقال لي اقرأ العلم ففكرت وعلمت أني في بلاد الجزائر
وكان الفرنسيون مسؤولين عليها وكان فقهاء بلدنا يكفرون كل من سافر إلى الجزائر
وإذا رجع من سفره يأمرونه بالاغتسال والدخول في الإسلام من جديد ويعقدون له عقداً
جديداً على زوجته فقلت في نفسي هذا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرني بطلب
العلم، وأنا في بلاد يحكمها النصارى، فإما أن أكون عاصياً أو كافراً فكيف يجوز لي
أن أطلب فيها العلم. هذا كله وقع في لحظة وأنا لا أزال واقفاً أمام النبي صلى الله
عليه وسلم فقلت في بلاد المسلمين أم في بلاد النصارى، فقال لي البلاد كلها لله،
فقلت يا رسول الله ادع الله أن يختم لي بالإيمان فرفع إصبعه السبابة إلى السماء
وقال لي عند الله.
(253/7)
وبعدما خرجت من الطريقة التجانية على أثر المناظرة التي
سأذكرها فيما بعد إن شاء الله بزمان رأيت النبي صلى الله عليه وسلم مرة أخرى في
المنام على صورة تخالف الصورة التي رأيته عليها في المرة المذكورة، ففي الأولى كان
طويلاً أبيض نحيفاً مشرباً بحمرة، لحيته بيضاء، أما في هذه المرة فكان ربعة من
الرجال إلى الطول أقرب ولم يكن نحيفاً، ولحيته سوداء، وبياض وجهه وحمرته أقرب إلى
ألوان العرب من المرة الأولى، وكانت رؤيتي له في فلاة من الأرض وكنت بعدما خرجت من
الطريقة التجانية توسوس نفسي أحياناً بما في كتاب جواهر المعاني مما ينسب إلى
الشيخ التجاني أنه قال: (من ترك ورده وأخذ وردنا وتمسك بطريقتنا هذه الأحمدية
المحمدية الإبراهيمية الحنفية التجانية فلا خوف عليه من الله ولا من رسوله ولا من
شيخه أياً كان من الأحياء أو من الأموات أما من أخذ وردنا وتركه فإنه يحل به
البلاء وأخرى ولا يموت إلا كافراً قطعاً وبذلك أخبرني سيد الوجود صلى الله عليه
وسلم يقظة ومناماً) وقال لي سيد الوجود صلى الله عليه وسلم : فقراؤك فقرائي
وتلاميذك تلاميذي وأنا مربيهم. وسيأتي من هذه الأخبار وأمثالها إن شاء الله كثير
في ذكر فضائل الأوراد والأصحاب فكنت أدفع هذا الوسواس بأدلة الكتاب والسنة، وأرجم
شيطانه بأحجارها فيخنس ثم يخسأ ويدبر فأراً منهزماً فلما رأيت النبي صلى الله عليه
وسلم في هذه المرة خطر ببالي ذلك فعزمت على أن أبدأ الكلام مع النبي صلى الله عليه
وسلم بأن أسأله أن يدعو الله لي أن يختم لي بالإيمان، وأظن القارئ لم ينس أني
سألته في المرة الأولى فلم يدع لي ولكنه رفع إصبعه السبابة إلى السماء وقال عند
الله، فقلت يا رسول الله، ادع الله أن يختم لي بالإيمان، فقال لي ادع أنت وأنا
أؤمن على دعائك، فرفعت يدي وقلت اللهم اختم لي بالإيمان، فقال النبي صلى الله عليه
وسلم آمين وكان رافعاً يديه فزال عني ذلك الوسواس ولكني لم آمن مكر الله تعالى
(253/8)
فإنه لا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون، والرؤيا تبشر
ولا تغر، وبين هذه الرؤيا التي دعا لي فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يختم
الله لي بالإيمان بتأمينه على دعائي والرؤيا التي قدمت ذكرها ولم يدع لي فيها،
عشرون سنة، وتأولت اختلاف الصورة وعدم الدعاء في الرؤيا الأولى والدعاء في الرؤيا
الثانية بما كنت عليه من الشرك في العبادة وبما صرت إليه من توحيد الله تعالى و
اتباع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم والله أعلم.
سبب خروجي من الطريقة التجانية:
سبب خروجي من الطريقة التجانية:
(253/9)
لقد كنت في غمرة عظيمة، وضلال مبين، وكنت أرى خروجي من
الطريقة التجانية كالخروج من الإسلام. ولم يكن يخطر لي ببال أن أتزحزح عنها قيد
شعرة، وكان الشيخ عبد الحي الكتاني عدواً للطريقة التجانية لأنه كان شيخاً رسمياً
للطريقة الكتانية، وإنما قلت رسمياً لأن أهل (سلا) أعني الكتانيين أنصار الشيخ
محمد بن عبدالكبير الكتاني، مؤسس الطريقة الكتانية، لا يعترفون به أي بالشيخ عبد
الحي ويقولون إن الاستعمار الفرنسي هو الذي فرضه على الكتانيين فرضاً، والذي حدثني
بذلك هو العالم الأديب النبيل الشيخ عبد الله بن سعيد السلوي فإنه كان حامل لواء
نصرة الشيخ محمد بن عبد الكبير الكتاني، وكان يعادي أخاه عبد الحي عداوة شديدة
ويرميه بالعظائم والكبائر التي لا يسوغ ذكرها هنا والاستطراد بذكر أسباب العداوة
بين الشيخين الكتانيين الأخوين يخرج بنا عن الموضوع، أقول مر بنا الشيخ عبد الحي
في (وجدة) وأنا عند العالم الأديب الشاعر المتفنن في علوم كثيرة الشيخ أحمد سكيرج،
قاضي القضاة بناحية (وجدة)، معلماً لولده الأديب السيد عبدالكريم وابن أخيه السيد
عبدالسلام، كنت أعلمهما الأدب العربي بدعوة من الشيخ أحمد سكيرج، فمدحت عبدالحي
بقصيدة ضاعت مني ولا أذكر شيئاً منها، ولكنه أعجب بها أيما إعجاب، حتى قال لي
عاهدني أنك إذا قدمت (فاساً) تنزل عندي ضيفاً فعاهدته على ذلك. ففي ربيع الأول من
سنة أربعين من هذا القرن الهجري سافرت إلى فاس ونزلت عنده. وولد له في تلك الأيام
سماه عبد الأحد فالتمس مني نظم أبيات في التهنئة وتاريخ مولده فنظمتها ولا أذكر
منها شيئاً، وفي اليوم السابع من مولده عمل مأدبة عظيمة دعا لها خلقاً كثيراً وبعد
ما أكلوا وشربوا قاموا (للعمارة) (ذكر بالرقص والتمايل) التي تقدم ذكرها ودعوني
أشاركهم في باطلهم فامتنعت لأن من شروط التجاني المخلص أن لا يذكر مع طريقة أخرى
ذكرهم وأن لا يرقص معهم. وفي كتاب البغية للشيخ العربي ابن السايح
(253/10)
وهو شرح المنية للتجاني ابن بابا الشنقيطي حكاية في وعيد
شديد لمن يشارك أصحاب الطرائق الأخرى في أورادهم وأذكارهم وحاصلها أن شخصاً
تجانياً ذهب إلى زاوية طريقة أخرى لغرض دنيوي فاستحى أن يبقى منفرداً عنه وهم
يذكرون وظيفتهم فشاركهم في الذكر فلما فتح فاه ليذكر معهم أصابه الشلل في فكيه
فبقي فاه مفغوراً ولم يستطع سده حتى مات. ولكن الجماعة ألحوا علي وجروني جراً حتى
أوقفوني في حلقتهم فرأيت أفواهاً مفغورة من وجوه بعضها فيه لحية سوداء، وبعضها فيه
لحية خطها الشيب، وبعضها أمرد ليس له لحية من الغلمان الذين لم يلتحوا بعد، أما
حلق اللحى فلم يكن موجوداً في ذلك الزمن إلا عند الفرنسيين المستعمرين وقليل جداً
من حواشيهم وسمعت أصواتاً تنبعث من تلك الأفواه ليس لها معنى في أي لغة بعضها (
آآآ ) وبعضها ( آه آه آه ) وبعضها ( أحن أح أح ) فاستنكرت تلك الهيئة وقلت في نفسي
إن الله لا يرضى بهذه الحالة أن تكون عبادة له لبشاعتها ثم ندمت على ذلك ندامة
الكسعي أو الفرزدق حين طلق نوار فقال:
ندمت ندامة الكسعي لما غدت مني مطلقة نوار
وكانت جنتي فخرجت منها كآدم حين أخرجه الضرار
ندمت ندامة الكسعي لما غدت مني مطلقة نوار
وكانت جنتي فخرجت منها كآدم حين أخرجه الضرار
(253/11)
وقلت في نفسي كيف يسوغ لي أن أنكر شيئاً حضر مثله خاتم
الأولياء القطب سيدي أحمد التجاني فتبت من ذلك الخاطر ولكن جاءني امتحان آخر وذلك
أن الشيخ عبد الحي الكتاني قال لي منتقداً: إن الطريقة التجانية مبنية على شفا
جرف، وأنه لا ينبغي لعاقل أن يتمسك بها فقلت له: (والطريقة الكتانية التي أنت
شيخها)؟ فقال لي كل الطرائق باطلة، وإنما هي صناعة للاحتيال على أكل أموال الناس
بالباطل وتسخيرهم واستعبادهم، فقلت إذن أنت تستحل أموال الناس بالباطل وتسخرهم
وتستعبدهم، قال: أنا لم أؤسس الطريقة وإنما أسسها غيري، وهذه الأموال التي آخذها
منهم أنفقتها في مصالح لا ينفقونها هم فيها. ثم قلت له: ومن الذي حملك على الطعن
في الطرائق وما دليلك على بطلانها؟ قال لي: ادعاء كل من الشيخين أن النبي صلى الله
عليه وسلم يحضر بذاته وظيفة أصحابه حين يذكرونها وهذه قلة حياء منهما، وعدم تعظيم
للنبي صلى الله عليه وسلم كيف تكلفونه أن يخرج من قبره ويقطع هذه المسافات من البر
والبحر ليجلس أمامكم فأنتم تبسطون له ثوباً أبيض ليجلس عليه وأصحابنا يقومون
ويذهبون إلى الباب ليتلقوه، فقلت: إذاً أنت لا تعتقد صحة طريقك؟ فقال: لا أعتقدها
أبداً وقد أخبرتك أنها صناعة لأكل أموال الناس بالباطل. و أزيدك على ذلك اعتماد
طريقتكم على كتاب (جواهر المعاني) الذي تزعمون أن شيخكم أحمد التجاني أملاه على
علي حرازم نصفه مسروق، فأحد المجلدين وهو الأول مسروق بالحرف وهو تأليف لمحمد عبد
الله المدفون بكذا وكذا بفاس، و سمى ناحية نسيتها الآن، قال وأنا قابلت الكتابين
من أولهما إلى آخرهما فوجدت المجلد الأول من (جواهر المعاني) مسروقاً كله من كلام
الشيخ المذكور ففارقته. وبعد أيام كنت جالساً عند الشيخ عمر بن الخياط بائع الكتب
بقرب القرويين فقال لي: هل اجتمعت بالأستاذ الشيخ محمد بن العربي العلوي، فقلت
:لا، فقال لي: هذا الرجل من أفضل علماء فاس وعنده خزانة كتب لا يوجد
(253/12)
مثلها في فاس وأثنى عليه بالعلم والأدب فقلت له أنا لا
أجالس هذا الرجل ولا أجتمع به لأنه يبغض الشيخ أحمد التجاني ويطعن في طريقته فقال
لي: إن طالب العلم يجب أن يتسع فكره وخلقه لمجالسة جميع الناس وبذلك يتسع علمه
وأدبه ولا يجب عليه أن يقلدهم في كل ما يدعون، يأخذ ما صفا ويدع ما كدر، وإن لم
تجتمع بهذا الرجل يفوتك علم وأدب كثير فذهبت إليه لأجتمع به، وكان قاضياً في محكمة
فاس الجديدة فنظمت أربعة أبيات لا أحفظ منها إلا شطر البيت الرابع وهو (وهذا مدى
قصدي وما أنا مستجد).. أعني أن غرضي بالاجتماع بك المذاكرة العلمية فهي غاية قصدي
وإن اعتبرنا ما موصولة يكون المعنى والذي أستجديه أي أطلبه وإن اعتبرناها نافية
تميمية يكون المعنى ولست مستجدياً أي طالباً مالاً، فلما خرج من المحكمة وأراد أن
يركب بغلته التي كانت على باب المحكمة ولجامها بيد خادمه تقدمت إليه وأعطيته
الصحيفة التي فيها الأبيات فلما قرأها رحب بي، وقال لطالب كان يرافقني وهو الحاج
محمد بن الشيخ الأراري: أنت تعرف بيتنا، فقال: نعم، قال: فأتى به على الساعة
التاسعة صباحاً، فخرجت مع الرفيق المذكور من مدرسة الشراطين، وكان يسكن فيها على
الساعة الثامنة والنصف، لنصل إلى الشيخ على الساعة التاسعة، وكان ذلك اليوم الثاني
عشر من ربيع الأول، وهو عيد عند المغاربة وكثير من البلدان الإسلامية وفي المغرب
طائفة يسمون (العيساويين) أتباع الشيخ بن عيسى المكناسي، وهؤلاء لهم موسم في كل
سنة يجتمعون فيه في اليوم الثاني عشر من ربيع الأول ويأتون من جميع أنحاء المغرب،
فيضربون طبولهم ومزاميرهم، ويترنمون بأناشيدهم إلى أن يظهر للناس أنهم أصيبوا
بالجنون وحينئذ يفترسون الغنم والدجاج بدون زكاة بل يقطعونه بأظافرهم ويأكلون لحمه
نيئاً والدم يسيل منه وقد ملأوا أزقة فاس وهي ضيقة في ذلك الزمن، وحتى في هذا
الزمن، فلم نستطع أن نصل إلى بيت الشيخ إلا بعد مضي ساعتين ونصف من شدة
(253/13)
الزحام فلما وصلنا وأخبرنا بوابه ذهب ثم رجع إلينا وقال:
إنكما لم تجيئا في الموعد المضروب والشيخ مشغول عنده حكام فرنسيون فارجعا إليه بعد
صلاة العصر فرجعنا وقلت لصاحبي: لا نرجع إليه فقد كفانا الله شر لقائه لأنه مبغض
لشيخنا وطريقته فالخير في ما اختاره الله تعالى. فقال لي ليس الشيخ بملوم وقد
اعتذر بعذر قائم والصواب أن نرجع إليه، فرجعنا إليه بعد العصر، ووجدت عنده من
الترحيب والبشاشة والإكرام والتواضع ما لم أجده عند الشيخ الكتاني ولا عند أحد من
علماء فاس.
(253/14)
وأخذنا في أحاديث أدبية وكان يقوم ويأتي بالكتب ويضعها
أمامي. ووجدته كما قال السيد عمر بن الخياط. ولما كادت الشمس تغرب استأذنته في
الانصراف فقال لي: أين تذهب، أنت غريب في هذا البلد وهذا المكان معد للضيوف لا
نحتاج إليه فامكث، وبت هنا؛ وقبلت دعوته، وبعد أن صلينا المغرب جاء أصحابه، أذكر
منهم الشيخ عبدالسلام الصرغيني، والشيخ المهدي العلوي، وهو لا يزال في قيد الحياة؛
أما الأول فقد مات فأخذ بعضهم يلعب الشطرنج وهو يراهم ولا ينكر عليهم فقلت في نفسي
هذا دليل على أنه من العلماء الذين لا يعملون بعلمهم فهو جدير أن ينكر على أولياء
الله ما خصهم الله به من كرامة. ثم تركوا الشطرنج وأخذوا ينتقدون الطريق الكتانية
ويستهزئون بها ويسخرون من أهلها وكل منهم يحكي حكاية. فقال الشيخ عندي حكاية هي
أعجب وأغرب مما عندكم؛ جاءني شاب كان متمسكاً بالطريقة الكتانية تمسكاً عظيماً
فقال لي: أريد أن أتوب على يدك من الطرائق كلها وتعلمني التمسك بالكتاب والسنة،
فقلت له: وما الذي دعاك إلى الخروج من طريقتك التي كنت مغتبطاً بها. فقال لي: إنه
أمس شرب الخمر وزنا وترك صلاة العصر والمغرب والعشاء فمر بالزاوية الكتانية وسمع
المريدين يرقصون ويصيحون بأصوات عالية والمنشد ينشدهم، وكانت بقية سكر لا تزال
مسيطرة عليه، فهم أن يدخل الزاوية، ويرقص معهم، ولكنه أحجم عن ذلك لأنه جنب ولم
يصل شيئاً من الصلوات في ذلك النهار، إلا أن سكره غلب على عقله فدخل الزاوية ووجد
الشيخ محمد بن عبد الكبير في صدر الحلقة، والمريدون يرقصون فاشتغل معهم في الرقص،
وكان أنشطهم فلما فرغوا من رقصهم دعاه الشيخ وقبله في فمه وقال (رأيت النبي صلى
الله عليه وسلم قبلك فاقتديت به)! قال ولما دعاني خفت خوفاً شديداً وظننت أنه
انكشف له حالي وهو يريد أن يوبخني على ذنوبي فلما قال لي أيقنت أنه كاذب في كل ما
يدعيه ويدعو إليه و إلا كيف يرضى عني النبي صلى الله عليه وسلم ويقبلني
(253/15)
في فمي مع تلك الكبائر التي ارتكبتها في ذلك اليوم. قال:
فهذا سبب مجيئي إليك لأتوب إلى الله من الطرائق كلها وأتبع طريقة الكتاب والسنة.
ولما رأيتهم أنا يعيبون الطريقة الكتانية ويستهزئون بها أصابني خوف شديد وندمت على زيارتي للشيخ فقلت لنفسي هذا الذي كنت أخافه وقد وقعت فيه فكيف الخلاص؟
وذكرت قول التجاني ابن بابا في منيته:
ومن يجالس مبغض الشيخ هلك وضل في مهامة وفي حلك
وشدد النهى لنا الرسول في ذاك فلتعمل بما أقول
والشيخ قال هو سم يسري يحل من فعله في خسر
ولما رأيتهم أنا يعيبون الطريقة الكتانية ويستهزئون بها أصابني خوف شديد وندمت على زيارتي للشيخ فقلت لنفسي هذا الذي كنت أخافه وقد وقعت فيه فكيف الخلاص؟
وذكرت قول التجاني ابن بابا في منيته:
ومن يجالس مبغض الشيخ هلك وضل في مهامة وفي حلك
وشدد النهى لنا الرسول في ذاك فلتعمل بما أقول
والشيخ قال هو سم يسري يحل من فعله في خسر
(253/16)
ومعنى ذلك أن الشيخ أحمد التجاني قال: قال لي سيد الوجود
صلى الله عليه وسلم يقظة لا مناماً قل لأصحابك لا يجالسوا المبغضين لك فإن ذلك
يؤذيني فصممت على أن أخرج من ذلك المجلس. فقمت فقال لي الشيخ إلى أين؟ فقلت: إلى
بيت الخلاء، كذبت عليه، فلما وصلت إلى الباب منعني البواب من الخروج، وقال لي: وهل
أذن لك الشيخ في الخروج، فقلت: نعم، فقال لي: هذا محال لأنك غريب والقانون الفرنسي
يقضي بأن التجول بعد الساعة العاشرة ليلاً فيه خطر، فإنك لا تمشي خطوات حتى يقبضوا
عليك وتؤخذ إلى السجن، وتبقى فيه إلى ضحى الغد وحينئذ ينظر في إطلاق سراحك. وقال
لي: أنا لا أفتح لك الباب إلا إذا سمعت الإذن من الشيخ، فقلت له: إذا أرجع. ورجعت
وجلست في مكاني، ولم تخفى حالي عن الشيخ فقال لي أراك منقبضاً؛ فما سبب انقباضك؟
فقلت سببه أنكم انتقلت من الطعن في الطريقة الكتانية إلى الطريقة التجانية، وأنا
تجاني لا يجوز لي أن أجلس في مجلس أسمع فيه طعن في شيخي وطريقته. فقال لي: لا بأس
عليك، أنا أيضاً كنت تجانياً وخرجت من الطريقة التجانية لما ظهر لي بطلانها، فإن
كنت تريد أن تتمسك بهذه الطريقة على جهل وتقليد فلك علي ألا تسمع بعد الآن في مجلس
انتقاداً لها أو طعناً فيها. وإن كنت تريد أن تسلك مسلك أهل العلم فهلم إلى
المناظرة، فإن ظهرت علي رجعت إلى الطريقة، وإن ظهرت عليك خرجت منها كما فعلت أنا.
فأخذتني النخوة ولم أرض أن أعترف أني أتمسك بها على جهل فقلت قبلت المناظرة.
مناظرة حول ادعاء الشيخ التجاني في أنه رأى النبي في اليقظة:
مناظرة حول ادعاء الشيخ التجاني في أنه رأى النبي في اليقظة:
(253/17)
قال الشيخ أريد أن أناظرك في مسألة واحدة إن ثبتت ثبتت
الطريقة كلها، وإن بطلت بطلت الطريقة كلها، قلت ما هي؟ قال: ادعاء التجاني أنه رأى
النبي صلى الله عليه وسلم يقظة لا مناماً، وأعطاه هذه الطريقة بما فيها من الفضائل
فإن ثبتت رؤيته للنبي صلى الله عليه وسلم يقظة وأخذه منه الطريقة فأنت على حق وأنا
على باطل والرجوع إلى الحق، وإن بطل ادعاؤه فأنا على حق وأنت على باطل فيجب عليك
أن تترك وتتمسك بالحق. ثم قال: تبدأ أنت أو أبدأ أنا؟ فقلت: ابدأ أنت، فقال: عندي
أدلة كل واحد منها كاف في إبطال دعوى التجاني. قلت: هات ما عندك وعلي الجواب،
فقال:
الأول: إن أول خلاف وقع بين الصحابة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم كان بسبب الخلافة؛ قالت الأنصار للمهاجرين منا أمير ومنكم أمير، وقال المهاجرون: إن العرب لا تذعن إلا لهذا الحي من قريش. ووقع نزاع شديد بين الفريقين حتى شغلهم عن دفن النبي صلى الله عليه وسلم فبقي ثلاثة أيام بلا دفن صلاة الله وسلامه عليه فكيف لم يظهر لأصحابه ويفصل النزاع بينهم ويقول الخليفة فلان فينهي النزاع؟ كيف يترك هذا الأمر العظيم لو كان يكلم أحداً يقظة بعد موته لكلم أصحابه وأصبح بينهم، وذلك أهم من ظهوره للشيخ التجاني بعد ألف ومائتي سنة، ولماذا ظهر؟ ليقول له أنت من الآمنين، ومن أحبك من الآمنين، ومن أخذ وردك يدخل الجنة بلا حساب ولا عقاب هو ووالده وأزواجه لا الحفدة، فكيف يترك النبي صلى الله عليه وسلم الظهور يقظة والكلام لأفضل الناس بعده في أهم الأمور ويظهر لرجل لا يساويهم في الفضل ولا يقاربهم لأمر غير مهم فقلت له:
الأول: إن أول خلاف وقع بين الصحابة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم كان بسبب الخلافة؛ قالت الأنصار للمهاجرين منا أمير ومنكم أمير، وقال المهاجرون: إن العرب لا تذعن إلا لهذا الحي من قريش. ووقع نزاع شديد بين الفريقين حتى شغلهم عن دفن النبي صلى الله عليه وسلم فبقي ثلاثة أيام بلا دفن صلاة الله وسلامه عليه فكيف لم يظهر لأصحابه ويفصل النزاع بينهم ويقول الخليفة فلان فينهي النزاع؟ كيف يترك هذا الأمر العظيم لو كان يكلم أحداً يقظة بعد موته لكلم أصحابه وأصبح بينهم، وذلك أهم من ظهوره للشيخ التجاني بعد ألف ومائتي سنة، ولماذا ظهر؟ ليقول له أنت من الآمنين، ومن أحبك من الآمنين، ومن أخذ وردك يدخل الجنة بلا حساب ولا عقاب هو ووالده وأزواجه لا الحفدة، فكيف يترك النبي صلى الله عليه وسلم الظهور يقظة والكلام لأفضل الناس بعده في أهم الأمور ويظهر لرجل لا يساويهم في الفضل ولا يقاربهم لأمر غير مهم فقلت له:
(253/18)
إن الشيخ رضي الله عنه قد أجاب عن هذا الاعتراض في حياته
فقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يلقى الخاص للخاص والعام للعام في حياته،
أما بعد وفاته فقد انقطع إلقاء العام للعام وبقي إلقاء الخاص للخاص لم ينقطع
بوفاته وهذا الذي ألقاه إلى شيخنا من إعطاء الورد والفضائل هو من الخاص للخاص.
فقال: أنا لا أسلم في أن الشريعة خاصاً وعاماً لأن أحكام الشرع خمسة وهذا الورد
وفضائله إن كان من الدين فلا بد أن يدخل في الأحكام الخمسة لأنه عمل أعد الله
لعامله ثواباً؛ فهو إما واجب أو مستحب ولم ينتقل النبي صلى الله عليه وسلم إلى
الرفيق الأعلى حتى بين لأمته جميع الواجبات والمستحبات. وفي صحيح البخاري عن علي
بن أبي طالب أنه قيل له هل خصكم رسول الله صلى الله عليه وسلم معشر أهل البيت بشيء
فقال: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما خصنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء إلا
فهماً يعطاه الرجل في كتاب الله، و إلا ما في هذه الصحيفة ففتحوها فإذا فيها العقل
وفكاك الأسير وألا يقتل مسلم بكافر فكيف لا يخص النبي صلى الله عليه وسلم أهل بيته
وخلفاءه بشيء ثم يخص رجلاً في آخر الزمان بما يتنافى مع أحكام الكتاب والسنة.
فقلت: إن الشيخ عالم بالكتاب والسنة وفي جوابه مقنع لمن أراد أن يقنع. قال احفظ
هذا.
(253/19)
ا المساجد 248 – 250 .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق