وقال أيضاً: ( والفرق
بين من يغلبه الحال لضعفه ومن يغلبه لقوة الوارد عليه أن الذي يغلبه لضعفه علامته
ألا يمد غيره، وقصاراه على نفسه، والذي يغلبه الحال لقوته علامته أن يمد غيره،
وأقوى من ذلك أن يسلبه ما أعطاه وذلك هو الكامل الذي يعطي ويسترد وكل شيء بقضاء
وقدر، وقد شاهدناه غير ما مرة فعل ذلك مع بعض الإخوان لسوء أدبهم ولموجب آخر ...)
الخ.
وهذا وإن ما اشتملت
عليه هذه الكلمات من الغلو الفاحش والشرك الفاضح لغني عن البيان وقد تجاوز به
قائله حداً لا يقبل معه تأويل، ولا ينفع معه اعتذار، اللهم إلا إذا قيل إنه صدر من
قائله في حال سلب فيها عقله، وصار إلى حال لا يحمد عليها، ولكن معظموه لا يرون ذلك
ولا يقبلونه بل يرونه محمدة له وكرامة.
ثم ذكر عن أحمد
التجاني أن كلامه يحول حول الفناء ووحدة الوجود وأن شعور الولي بوجود نفسه يعتبر
شركاً.
وقال في وصفه أحمد
التجاني وحديثه عنه: ( وكثير ما يقرر هذا المعنى ويدل عليه، ويرشد بحاله ومقاله
إليه، وينشد بحاله على سبيل التمثيل – أنا معي بدر الكمال حيث يميل قلبي يميل،
وذلك بأنه قد محا السوى، فلا يشاهد مع الله غيراً، ولا يرى لسواه نفعاً ولا ضراً،
بل يشاهد الفعل من الله وأنه هو المتصرف، والدال بفعله عليه والمتعرف، وأن أفعاله
كلها مصحوبة بالحكمة، محفوفة بالرحمة، ويرى الخلق كالأواني المسخرة في يد غيره
ويعد شهود الإنسان نفسه أثنينية ويتمثل بلسان حاله ويقول: إذا قلت ما أذنبت قالت
مجيبة: وجودك ذنب لا يقاس به ذنب).
وعلى هذا المعنى صارت
حالته فلا ترى أفعاله وأقواله وتصريحاته وتلويحاته تحوم إلا على الفناء في الله
والغيبة فيه عما سواه .. إلى أن قال في وصفه (ص63): (يحيي القلوب، ويبرئ من
العيوب، ويغني بنظرة، ويوصل إلى الحضرة، إذا توجه أغنى وأقنى، وبلغ المنى، يتصرف
في أطوار بالقلوب بإذن علام الغيوب .. الخ). أ.هـ
وهذا لون آخر من شدة
غلو الشيخ في نفسه وغلو أصحابه فيه انتهى به وبهم إلى دعوى الفناء الممقوت، والقول
بوحدة الوجود، إن ذلك لإلحاد في الدين وبهتان وكفر مبين.
ثم زعم أن شيخه يعلم
الغيب فقال: (ومن كماله رضي الله عنه نفوذ بصيرته الربانية وفراسته النورانية التي
ظهر مقتضاها في معرفة أحوال الأصحاب وفي غيرها من إظهار مضمرات وأخبار بمغيبات
وعلم بعواقب الحاجات، وما يترتب عليها من المصالح والآفات، وغير ذلك من الأمور
الواقعات، فيعرف أحوال قلوب الأصحاب وتحول حالهم، وإبدال أعراضهم وانتقال أغراضهم،
وحالة إقبالهم وإعراضهم، وسائر عللهم وأمراضهم، ويعرف ما هم عليه ظاهراً وباطناً
وما زاد وما نقص ويبين ذلك في بعض الأحيان وتارة يستره رفقاً بهم من الاختبار
والامتحان واتفقت لغير واحد معه في ذلك قضايا غير ما مرة).
وقال في حصول شيخه
على اسم الله الأعظم وفي تقدير ثوابه: ( وأما ثواب الاسم الأعظم فقد قال سيدنا رضي
الله عن أعطيت من اسم الله العظيم الأعظم صيغاً عديدة وعلمني كيفية أستخرج بها ما
أصيبت تراكيبه وأخبره r
بما
فيه من الفضل العظيم الذي لا حد له ولا حصر وأخبره r
بخواصه
العظام وكيفية الدعاء به وكيفية سلوكه وهذا الأمر لم يبلغ لنا أحد أنه بلغه غير
سيدنا رضي الله عنه؛ لأنه قال رضي الله عنه أعطاني سيد الوجود r
الاسم
الأعظم الخاص بسيدنا علي كرم الله وجهه بعد أن أعطاني الاسم الأعظم الخاص بمقامه
هو r، وقال الشيخ رضي الله عنه قال سيد الوجود r
هذا الاسم الخاص بسيدنا علي لا يعطى إلا لمن سبق عند الله في الأزل أنه يصير
قطباً، ثم قال رضي الله عنه: ثم قلت لسيد الوجود r:
ائذن لي في جمع أسراره وجمع ما احتوى عليه، ففعل r،
وأما ما أخبره به r
عن ثواب الاسم الأعظم الكبير الذي هو مقام قطب الأقطاب فقال الشيخ رضي الله عنه
حاكياً ما أخبره به سيد الوجود r:
فإنه يحصل لتاليه في كل مرة سبعون ألف مقام في الجنة في كل مقام سبعون ألفاً من كل
شيء في الجنة كائن من الحور والقصور والأنهار إلى غاية ما هو مخلوق في الجنة ما
عدا الحور وأنهار العسل فله في كل مقام سبعون حوارء. وسبعون نهراً من العسل، وكل
ما خرج من فيه هبطت عليه أربعة من الملائكة المقربين فكتبوه من فيه وصعدوا به إلى
الله تعالى وأروه له فيقول الجليل جل جلاله: اكتبوه من أهل السعادة واكتبوا مقامه
في عليين في جوار سيدنا محمد r،
وهذا في كل لفظة من ذكره، وله في كل مرة ثواب جميع ما ذكر الله به على ألسنة جميع
خلقه في سائر عوالمه وله في كل مرة ثواب ما سبح به ربنا على لسان كل مخلوق من أول
خلق آدم إلى آخره...).
إلى كثير من هذا
الخرص والتخمين والرجم بالغيب في تقدير الثواب بالآلاف المؤلفة... إلى أن قال علي
حرازم: ( ومما أملاه علينا رضي الله عنه قال: ولو اجتمع جميع ما تلته الأمة من
القرآن من بعثته r
إلى النفخ في الصور لفظاً لفظاً فرداً فرداً في القرآن ما بلغ لفظة واحدة من الاسم
الأعظم وهذا كله بالنسبة للاسم الأعظم كنقطة في البحر المحيط، وهذا مما لا علم
لأحد به، واستأثر الله به عن خلقه، وكشفه لمن شاء من عباد، وقال رضي الله عنه: إن
الاسم الأعظم هو الخاص بالذات لا غيره وهو اسم الإحاطة ولا يتحقق بجميع ما فيه إلا
واحد في الدهر وهو الفرد الجامع، هذا هو الاسم الباطن، أما الاسم الأعظم الظاهر
فهو اسم الرتبة الجامع لمرتبة الألوهية من أوصاف الإله ومألوهيته وتحته مرتبة
أسماء التشتيت، ومن هذه الأسماء فيوض الأولياء فمن تحقق بوصف كان فيضه بحسب ذلك
الاسم، ومن هذا كانت مقاماتهم مختلفة وأحوالهم كذلك وجميع فيوض المرتبة بعض من
فيوض اسم الذات الأكبر، وقال رضي الله عنه: إذا ذكر الذاكر الاسم الكبير يخلق الله
من ذكره ملائكة كثيرة لا يحصي عددهم إلا الله ولكل واحد من الألسنة بعدد جميع
الملائكة المخلوقين من ذكر الاسم ويستغفرون في كل طرفة عين للذاكر أي كل واحد
يستغفر في كل طرفة عين بعدد جميع ألسنته، وهكذا إلى يوم القيامة، ثم قال رضي الله
عنه: سألت سيد الوجود r
عن فضل المسبعات العشر وإن من ذكرها مرة لم تكتب عليه ذنوب سنة، فقال لي r:
فضل جميع الأذكار وسر جميع الأذكار في الاسم الكبير، فقال الشيخ رضي الله عنه:
علمت أنه أراد r
جميع خواص الأذكار وفضائلها منطوية في الاسم الكبير، ثم قال رضي الله عنه: يكتب
لذاكر الاسم بكل ملك خلق الله في العالم فضل عشرين من ليلة القدر ويكتب له بكل
دعاء كبير وصغير ستة وثلاثون ألف ألف مرة بكل مرة من ذكر هذا الاسم الشريف، وقال
رضي الله عنه: فمن قدر أن ذاكراً ذكر جميع أسماء الله في جميع اللغات تساوي نصف
مرة من ذكر الاسم من ذكر كل عارف ) أ.هـ
وذكر عمر بن سعيد
الفوتي في [كتاب الرماح]: (إن الأولياء يرون رسول الله r
يقظة وإنه يحضر كل مجلس أو مكان أراد بجسده وروحه وأنه يتصرف في أقطار الأرض في
الملكوت وهو بهيئته التي كان عليها قبل وفاته لم يتبدل عن شيء وأنه مغيب عن
الأبصار كما غيبت الملائكة مع كونهم أحياء بأجسادهم فإذا أراد الله أن يراه عبد
رفع عنه الحجاب فيراه على هيئته التي كان هو عليها )، ثم ذكر في هذا الفصل كثيراً
من النقول عن جماعة من الصوفية فيها حكايات عن رؤية الأولياء لرسول الله r
يقظة وذكر في هذا الفصل كثيراً من الغرائب والمنكرات حول مجالس الأنبياء والأقطاب
في المسجد الحرام عند الكعبة بأجسادهم وتصرفهم بأنفسهم ووكلائهم في الخلق وذكر فيه
أيضاً أن الأنبياء والأولياء لا يبقون في قبورهم بعد الوفاة إلا زماناً محدوداً
يتفاوت حسب تفاوت درجاتهم ومراتبهم ثم ختم الفصل بقوله: ( إذا نظرت وتحققت بجميع
ما تقدم من أول الفصل إلى هنا ظهر لك ظهوراً لا غبار عليه أن اجتماع القطب المكتوم
والبرزخ المختوم شيخنا أحمد بن محمد التجاني سقانا الله تعالى من بحره بأعظم
الأواني، ورزقنا جواره في دار التهاني رضي الله
تعالى عنه وأرضاه وعنا به بسيدنا رسول الله r
يقظة لا مناماً وأخذه رضي الله عنه وأرضاه وعنا به عن سيدنا جده رسول الله r
مشافهة منه إليه رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنا به وأعاد علينا من بركاته دنيا
وبرزخا وأخرى وحضور النبي r
ومعه الخلفاء الأربعة رضي الله عنهم بأجسادهم وأرواحهم قراءة جوهر الكمال وعند أي
مجلس خير أو أي مكان شاءوا ولا ينكره إلا الطلبة الجهلة الأغبياء والحسدة المردة
الأشيقاء لا مهدي إلا من هداه الله تعالى).
وقد غلا عمر بن سعيد
الفوتي في تعظيم شيخه أحمد بن محمد التجاني فزعم أنه خاتم الأولياء وسيد العارفين
وأنه لا يتلقن واحد من الأولياء فيضاً من نبي الله إلا عن طريقه من حيث لا يشعر به
ذلك الولي قال:
(الفصل السادس
والثلاثون في ذكر فضل شيخنا رضي الله عنه وأرضاه وعنا به وبيان أنه هو خاتم
الأولياء وسيد العارفين وإمام الصديقين وممد الأقطاب والأغواث وأنه هو القطب
المكتوم والبرزخ المختوم الذي هو الواسطة بين الأنبياء والأولياء بحيث لا يتلقن
واحد من الأولياء من كبر شأنه ومن صغر فيضاً من حضرة نبي إلا بواسطته رضي الله
تعالى عنه من حيث لا يشعر به ذلك الولي).
إن هذه الكلمات ناطقة
بالشرك الصريح، والكذب المكشوف، والغلو الممقوت، فقد جعل شيخه أعلى مرتبة من
الصحابة وسائر القرون الثلاثة من شهد لهم الرسول r
بأنهم خير القرون بل من سواهم من الصالحين ثم ذكر ما نصه: أن بعض من لم يكن له في
العلم ولا في نفحات أهل الله من خلاق قد يورد علينا إيرادين:
أولهما:
أنه يقول: إن الشيخ رضي الله عنه وأرضاه مدح نفسه وزكاها وذلك مذموم.
ثانيهما:
أنه يقول إن قول الشيخ رضي الله عنه وأرضاه وعنا به: أن الفيوض التي تفيض من ذات
سيد الوجود تتلقاها ذوات الأنبياء وكل ما فاض وبرز من ذوات الأنبياء تتلقاه ذاتي،
ومني يتفرق على جميع الخلائق من نشأة العالم إلى النفخ في الصور ويدخل فيه جميع
الصحابة رضوان الله تعالى عليهم فيكون أفضل من جميع الصحابة رضي الله تعالى عنهم
وذلك باطل، وكذا قوله رضي الله عنه وأرضاه وعنا به: ولا يشرب ولي ولا يسقى إلا من
بحرنا من نشأة العالم إلى النفخ في الصور، وكذلك قوله رضي الله عنه وأرضاه وعنا
به: إذا جمع الله تعالى خلقه في الموقف ينادي منادٍ بأعلى صوته يسمعه كل من
بالموقف: يا أهل المحشر، هذا إمامكم الذي كان ممدكم منه، وكذا قوله رضي الله عنه
وأرضاه وعنا به: روحه r
وروحي هكذا مشيراً بإصبعيه السبابة والوسطى روحه r
تمد
الرسول والأنبياء عليهم الصلاة والسلام وروحي تمد الأقطاب والعارفين والأولياء من
الأزل إلى الأبد، وكذا قوله رضي الله عنه وأرضاه وعنا به: قدماي هاتان على رقبة كل
ولي لله تعالى من لدن آدم إلى النفخ في الصور، وكذا قوله رضي الله تعالى عنه
وأرضاه وعنا به: إن مقامنا عند الله في الآخرة
لا يصله أحد من الأولياء ولا يقاربه من كبر شأنه ولا من صغر، وإن جميع
الأولياء من الصحابة إلى النفخ في الصور ليس فيهم من يصل مقامنا، وكذا قوله رضي
الله عنه وأرضاه وعنا به: أعمار الناس كلها ذهبت مجاناً إلا أعمار أصحاب الفاتح
لما أغلق فقد فازوا بالربح دنيا وأخرى ولا يشغل بها عمره إلا السعيد.
وذكر علي حرازم عن
أحمد بن محمد التجاني في سياق الكلام على المفاضلة بين تلاوة القرآن والصلاة على
النبي r: ( أن تلاوة القرآن أفضل
من حيث إنه كلام الله ومن حيث ما دل عليه من العلوم والمعارف والآداب.. ) ثم قال
ما نصه: إن هاتين الحيثيتين لا يبلغ فضل
القرآن فيهما إلا عارف بالله قد انكشفت له بحار الحقائق فهو أبداً يسبح في لججها،
فصاحب هذه المرتبة هو الذي يكون القرآن في حقه أفضل من جميع الأذكار والكلام لحوز
الفضيلتين؛ لكونه يسمعه من الذات المقدسة سماعاً صريحاً لا في كل وقت وإنما ذلك في
استغراقه وفنائه في الله تعالى.
والمرتبة الثانية في
القرآن دون هذه: وهي من عرف معاني القرآن ظاهراً وألقى سمعه عند تلاوته كأنه يسمعه
من الله يقصه عليه، ويتلوه عليه مع وفائه بالحدود فهذا أيضاً لاحق بالمرتبة الأولى
إلا أنه دونها.
والمرتبة الثالثة:
رجل لا يعلم شيئاً من معانية ليس إلا سرد حروفه ولا يعلم ما تدل عليه من العلوم
والمعارف، فهذا إن كان مهتدياً كسائر الأعاجم الذين لا يعلمون معاني العربية إلا
أنه يعتقد أنه كلام الله ويلقي سمعه عند تلاوته معتقداً أنه الله يتلو عليه تلاوة
لا يعلم معناها، فهذا لاحق في الفضل بالمرتبتين إلا أنه منحط عنهما بكثير كثير.
والمرتبة الرابعة:
رجل يتلو القرآن سواء علم معانيه أولم يعلم إلا أنه متجرئ على معصية الله غير متوقف
عن شيء منها فهذا لا يكون القرآن في حقه أفضل بل كلما ازداد تلاوة ازداد ذنباً
وتعاظم عليه الهلاك، يشهد له قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ
مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ﴾... إلى قوله: ﴿ فَلَن
يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً ﴾ [الكهف:57]، وقوله: ﴿ وَيْلٌ
لِّكُلِّ
أَفَّاكٍ أَثِيمٍ ﴾ ...إلى
قوله: ﴿
لَهُمْ
عَذَابٌ مُّهِينٌ ﴾ [الجاثية:7-9] ... ثم
قال ما نصه: ( فمثل هذا لا يكون القرآن في حقه أفضل من الصلاة على النبي r وصاحب المرتبة الرابعة
الصلاة على النبي r في حقه أفضل من القرآن )،
وبعد أن بين ذلك قال ما نصه: ( فإذا عرف ذلك بأن للعارف به أن ما في طريق العامة
غطاء غطى الله به أسرار القرآن وتركت أسرار القرآن ومذاقات أهل الخصوص من وراء
أطوار الحس والعقل المدركان في أمر العامة فيجب كتمه على كل من علمه إذ لم يرد
سبحانه وتعالى إظهاره إلا للخاصة العليا من خلقه. يا عبد السوء، لو أخبرت الناس
بمساويك لرجموك بالحجارة، فقال له: وعزتك لو أخبرت الناس بما كشفت لي من سعة رحمتك
لما عبدك أحد، فقال له: لا تفعل. فسكت، انتهى ما أملاه علينا شيخنا أبو العباس
التيجاني ). ثم ذكر علي حرازم ما زعمه أحمد التجاني من مباسطة الرب لأبي يزيد مرة
أخرى في [الجواهر] (ص183).
وقال علي
حرازم: وسألته رضي الله عنه عن قوله تعالى: ﴿ مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ
يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ ﴾ الآية، فأجاب رضي الله عنه بقول: معنى البحرين: بحر الألوهية وبحر
الوجود المطلق وبحر الخليقة وهو الذي وقع عليه كن وهو البرزخ بينهما r لولا برزخيته r لاحترق بحر الخليقة كله من هيبة جلال الذات، قال سيدنا رضي الله عنه
بحر الخليقة بحر الأسماء والصفات فما ترى ذرة في الكون إلا وعليها اسم أو صفة من
صفات الله وبحر الألوهية هو بحر الذات المطلقة التي لا تكيف ولا تقع العبارة عنها،
يلتقيان لشدة القرب الواقع بينهما، قال سبحانه وتعالى : ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ
وَلَكِن لا تُبْصِرُونَ ﴾ [الواقعة:85]، ولا يختلطان ولا تختلط الألوهية بالخليقة ولا
الخليقة بالألوهية فكل منهما لا يبغي على الآخر للحاجز الذي بينهما وهي البرزخية
العظمى التي هي مقامه r فالوجود كله عائش بدوام بقائه تحت حجابيته r استتاراً به عن سبحات الجلال التي لو تبدت بلا حجاب لاحترق الوجود
كله وصار محض العد في أسرع من طرفة عين، فالألوهية قائمة في حدودها والخليقة قائمة
في حدودها كل منهما يلتقيان ولا يختلطان للبرزخية التي بينهما لا يبغيان أعني لا
يختلط أحدهما على الآخر. انتهى ما أملاه علينا رضي الله عنه من حفظه ولفظه.
وسألته
رضي الله عنه عن دائرته r، فأجاب رضي الله عنه بقوله: هي دائرة السعادة التي وقع عليها قوله
تعالى: ﴿ أَلا
إِنَّ
أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾، قال البوصيري رضي الله
عنه:
ولن ترى
من ولي غير منتصر ... البيت، كل من لم ينتصر بالنبي r لا حظ له في ولاية الله، وهو معنى قول الشيخ رضي الله عنه: لن ترى
من ولي .. الخ. أ.هـ
هذه طامة
أخرى طامة التلاعب بآيات القرآن وتحريفها عن مواضعها وتأويل لها بما لا تدل عليه
في لغة العرب، بل بما تمجه العقول السليمة ويسخر منه أولوا الألباب.
ذكر عمر
بن سعيد الفوتي أن الشيخ أحمد التجاني قال ذات ليلة في مجلسه: أين السيد محمد
الغالي؟
فجعل
أصحابه ينادون أين السيد محمد الغالي؟ على عادة الناس مع الكبير إذا نادى أحداً،
فلما حضر بين يدي الشيخ قال رضي الله عنه وأرضاه وعنا به: قدماي هاتان على رقبة كل
ولي لله تعالى، وقال سيدي محمد الغالي – وكان لا يخافه لأنه من أكابر أحبابه
وأمرائهم – يا سيدي: أنت في الصحو والبقاء أو في السكر والفناء؟
فقال رضي
الله عنه وأرضاه وعنا به: أنا في الصحو والبقاء وكمال العقل ولله الحمد، وقال:
قلت: ما تقول بقول سيدي عبد القادر رضي الله عنه: قدمي هذه على رقبة كل ولي لله
تعالى؟
فقال:
صدق رضي الله عنه، يعني: أهل عصره، وأما أنا فأقول: قدماي هاتان على رقبة كل ولي
لله تعالى من لدن آدم إلى النفخ في الصور، قال: فقلت له: يا سيدي، فكيف تقول إذا
قال أحد بعدك مثل ما قلت؟
فقال رضي
الله عنه وأرضاه وعنا به: لا يقوله أحد بعدي، قال: فقلت: يا سيدي، قد حجرت على
الله تعالى واسعاً ألم يكن الله تعالى قادراً على أن يفتح على ولي فيعطيه من
الفيوضات والتجليات والمنح والمقامات والمعارف والعلوم والأسرار والترقيات
والأحوال أكثر مما أعطاك!
فقال رضي
الله عنه وأرضاه وعنا به: بلى قادر على ذلك وأكثر منه لكن لا يفعله؛ لأنه لم يرده،
ألم يكن قادراً على أن ينبئ أحداً ويرسله إلى الخلق ويعطيه أكثر مما أعطى محمـد r، قال: قلت: بلى، ولكنه تعالى
لا يفعله؛ لأنه ما أراده في الأزل، فقال رضي الله عنه وأرضاه وعنا به: هذا مثل ذلك
ما أراده في الأزل، ولم يسبق به علمه تعالى، فإن قلت ما صورة برزخية القطب المكتوب
المعبر عنه عند العارفين والصديقين وأفراد الأحباب وجواهر الأقطاب، بجواهر
الجواهر، وبرزخ البرازخ والأكابر؟
فالجواب
والله تعالى الموفق بمنه للصواب: اعلم وفقني الله وإياك لما يحبه ويرضاه أن
الحضرات المستفيضة سبع:
الأولى: حضرة الحقيقة الأحمدية وهي في [جواهر المعاني] غيب من غيوب الله
تعالى فلم يطلع أحد على ما فيها من المعارف والعلوم والأسرار والفيوضات والتجليات
والأحوال العلية والأخلاق الزكية فما ذاق منها أحد شيئاً ولا جميع الرسل والنبيين
اختص r وحده بمقامه ... إلى أن قال: فما نال أحد منها شيئاً اختص بها r لكمال عزها وغاية علوها.
والثانية:
حضرة الحقيقة المحمدية فمنها كما في جواهر المعاني كل مدارك النبيين
والمرسلين وجميع الملائكة والمقربين وجميع الأقطاب والصديقين وجميع الأولياء
والعارفين إلى أن قال وكل ما أدركه جميع الموجودات من العلوم والمعارف والفيوضات
والتجليات والترقيات والأحوال والمقامات والأخلاق إنما هو كل من فيض حقيقته
المحمدية.
والثالثة:
الحضرة التي فيها حضرات سادتنا الأنبياء على اختلاف أذواقهم ومراتبهم
وأهل هذه الحضرة هم الذين يتلقون كل ما فاض وبرز من حضرة الحقيقة المحمدية كما قال
شيخنا رضي الله عنه وأرضاه وعنا به مشيراً إلى أهل هذه الحضرة بقوله: إن الفيوض
التي تفيض من ذات الوجود r تتلقاها ذوات الأنبياء، وبقوله رضي الله عنه وأرضاه وعنا به روحه r تمد الرسل والأنبياء إلا
أن لخاتم الأولياء مشرباً من النبي r مع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ولا اطلاع له عليه كما سيأتي
الآن قريباً إن شاء الله تعالى.
والرابعة:
حضرة خاتم الأولياء الذي يتلقى جميع ما فاض به من ذوات الأنبياء لأنه
رضي الله عنه وأرضاه وعنا به هو برزخ البرازخ كما قال رضي الله عنه وأرضاه وعنا به
مشيراً إلى هذه الحضرة بقوله: إن الفيوض التي تفيض من ذات سيد الوجود r تتلقاها ذوات الأنبياء
وكل ما فاض وبرز من ذوات الأنبياء تتلقاه ذاتي، ومني يتفرق على جميع الخلائق من
نشأة العالم إلى النفخ في الصور وخصصت بعلوم بيني وبينه منه إلى مشافهة لا يعلمها
إلا الله عز وجل بلا واسطة، وبقوله: أنا سيد الأولياء كما كان r سيد الأنبياء، وبقوله رضي الله عنه وأرضاه وعنا به: لا يشرب ولي ولا
يسقى إلا من بحرنا من نشأة العالم إلى نفخ في الصور، وبقوله رضي الله عنه وأرضاه
وعنا به: إذا جمع الله تعالى خلقه في الموقف ينادي منادٍ بأعلى صوته حتى يسمع كل
من في الموقف: يا أهل المحشر، هذا إمامكم الذي كان ممدكم منه، وبقوله رضي الله عنه
وأرضاه وعنا به مشيراً بإصبعيه السبابة والوسطى روحي وروحه r هكذا، روحه r تمد الرسل والأنبياء وروحي تمد الأقطاب والعارفين والأولياء من
الأزل إلى الأبد، وبقوله رضي الله عنه وأرضاه وعنا به إن القطب المكتوم هو الواسطة
بين الأنبياء والأولياء فكل ولي لله تعالى من كبر شأنه ومن صغر لا يتلقى فيضاً من
حضرة نبي إلا بواسطته رضي الله عنه وأرضاه وعنا به من حيث لا يشعر به. وممده الخاص
به إنما يتلقاه منه r ولا اطلاع لأحد من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام على فيضه الخاص
به لأن له مشرباً معهم منه r.
والخامسة:
حضرة أهل طريقته الخاصة بهم إلى هذه الحضرة، أشار الشيخ رضي الله
تعالى عنه وأرضاه وعنا به بقوله: لو اطلع أكابر الأقطاب على ما أعد الله لأهل هذه
الطريقة لبكوا وقالوا: يا ربنا، ما أعطيتنا شيئاً، وبقوله رضي الله عنه وأرضاه
وعنا به: لا مطمع لأحد من الأولياء في مراتب أصحابنا حتى الأقطاب الكبار ما عدا
أصحاب رسول اللـه r، وبقوله رضي الله عنه وأرضاه وعنا به: كل الطرائق تدخل عليها
طريقتنا فتبطلها، وطابعنا يركب على كل طابع لا يحمل طابعنا غيره، وبقوله رضي الله
عنه وأرضاه وعنا به: من ترك ورداً من أوراد الشيخ لأجل الدخول في طريقتنا هذه
المحمدية التي شرفها الله تعالى على جميع الطرق آمنه الله تعالى في الدنيا
والآخرة، فلا يخاف من شيء يصيبه لا من الله ولا من رسوله ولا من شيخه أياً كان من
الأحياء أو الأموات، وأما من دخل زمرتنا وتأخر عنها ودخل غيرها تحل به المصائب
دنيا وأخرى ولا يفلح أبداً، قلت: وهذه لأنه قد ثبت في أول هذا الفصل أن صاحبها رضي
الله عنه وأرضاه وعنا به هو الختم الممد الذي يستمد منه من سواه من الأولياء
والعارفين .. والصديقين والأغواث، ومن ترك المستمد ورجع إلى الممد فلا لوم عليه
ولا خوف، بخلاف من ترك الممد ورجع إلى المستمد، وبقوله رضي الله عنه وأرضاه وعنا
به: وليس لأحد من الرجال أن يدخل كافة أصحابه الجنة بغير حساب ولا عقاب ولو عملوا
من الذنوب ما عملوا وبلغوا من المعاصي ما بلغوا إلا أنا وحدي ووراء ذلك مما ذكر لي
فيهم وضمنه r أمر لا يحل لي ذكره ولا يرى ولا يعرف إلا في الآخرة.
قلت: ووجه تقديم حضرة أهل طريقته على الحضرة التي فيها حضرات الشيوخ الذين
هم أهل الطرق من سادتنا الأولياء رضي الله عنهم ظاهر؛ لأن أهل طريقته هم أول من
يفيض عليهم ما يستمده من الحضرة المحمدية ومن حضرات سادتنا الأنبياء عليهم من الله
أفضل الصلاة وأتم السلام ومن هنا صار جميع أهل طريقته أعلى مرتبة عند الله تعالى
في الآخرة من أكابر الأقطاب وإن كان بعضهم في الظاهر من جملة العوام المحجوبين.
والسادسة: الحضرة التي فيها حضرات سادتنا الأولياء رضي الله تعالى عن جميعهم
وهي مستمدة من حضرة خاتمهم الأكبر جميع ما نالوا وإليها يشير قول شيخنا أحمد رضي
الله عنه وأرضاه وعنا به كما في جواهر المعاني بقوله: فلكل شيخ من أهل الله تعالى
حضرة لا يشاركه فيه أحد.
والسابعة: الحضرة التي فيها حضرات تلاميذهم. أ.هـ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق