أما من حيث روايتها: فقالوا: الرواية قطعية الثبوت وقد تكون ظنية الثبوت.
أما الدلالة فكذلك، قد تكون قطعية الدلالة وقد تكون ظنية الدلالة.
لا نناقش في هذا الاصطلاح، فإن الأمر كما قيل: لكل قوم أن يصطلحوا على ما شاءوا، لكننا نناقش فيما إذا رتبوا على هذا الاصطلاح مفارقات تخالف ما كان عليه المسلمون الأولون.
ومن هنا يظهر لكم أهمية سبيل المؤمنين، لأنها قيد من أن ينفلت العالم المسلم فضلا عن الجاهل المسلم أن ينفلت من نص الكتاب والسنة برجوعه إلى مثل هذا الاصطلاح الذي لا يجوز أن يكون له الثمرة التالية وهي: إنهم قد رتبوا من ذلك لاصطلاح بالقطعي والظني الذي يشمل الرواية والدراية رتبوا على ذلك ما يلي:
فقالوا: إذا جاء في القرآن الكريم وهو بلا شك في الاصطلاح السابق ذكره: قطعي الثبوت، إذا جاء نص ليس بقطعي الدلالة، فليس يجب على المسلم أن يأخذ بما فيه من المعنى، لأنه ظني الثبوت، فلا يجوز له أن يبنى عقيدة على نص قطعي الثبوت لكنه ظني الدلالة.
وكذلك العكس عندهم تماماً: إذا جاء الدليل قطعي الدلالة لكن ليس قطعي الثبوت فأيضاً لا يأخذون منه عقيدة.
ومن هنا جاءوا بعقيدة لا يعرفها السلف الصالح، ووضعوا اصطلاحا لهم وكتبهم معروفة وأعني الآن بكتبهم: القديمة؛ لأنهم قد أجروا فيها تعديلاً، وأنا من أعرف الناس بهذا التعديل، لكنه في الواقع تعديل شكلي، وهو لو سُلِّم به فإنما يدل أن القوم كانوا حتى في عقيدتهم مضطربين؛ حيث قالوا: العقيدة لا تثبت إلابدليل قطعي الثبوت قطعي الدلالة؛ فأقاموا عليها عقيدتهم وهي: أن الحديث الصحيح رواية والقطعي الدلالة لا يؤخذ منه العقيدة.
فقلنا لهم فيما ناقشناهم وجادلناهم: من أين لكم هذه القاعدة: وهي قاعدة تتضمن عقيدةً، فمن أين جئتم بهذه العقيدة؟ ما الدليل على أنه لا يجوز للمسلم أن يبني عقيدته على حديث صحيح لكن ليس بطريق التواتر الذي يقيد القطع قطعي الدلالة؟ من أين جئتم بهذا؟
فاضطربوا هنا في الجواب، والبحث هنا طويل، وطويل جدا، واستدلوا بمثل قوله تعالى: {إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا} (النجم:28).
هنا البحث الآن يخرجنا عما نحن في صدده من بيان ما نعرفه عن حزب التحرير، لأن مناقشة هذه القاعدة وبيان ما عليها من اعتراضات، وأنها أقيمت على دليل كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء.
ولذلك نكتفي الآن ببيان أن هذه العقيدة: أي أن المسلم لا يجوز له أن يتبنى عقيدة من حديث صحيح، من حديث صحيح لكن لم تصدق عليها فلسفة: قطعي الثبوت، فهو ليس قطعي الثبوت، لكنه قطعي الدلالة، من أين جاءوا بهذا؟. لا دليل عليه، لا من الكتاب ولا من السنة، ولاما كان عليه السلف، بل ما كان عليه السلف ينقض هذا الذي تبناه بعض الخلف، منهم المعتزلة قديماً، وأتباعهم اليوم في هذه العقيدة وهم حزب التحرير.
أقول الآن شيئاً ولعله نمر مرًّا سريعا حتى نتابع الحديث؛ كلنا يعلم أن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - حينما أرسله الله عز وجل بشيراً ونذيراً، وقال له: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} (المائدة:67) كان تبليغه عليه الصلاةوالسلام رسالته إلى الناس تارةً بشخصه حينما كان يحضر ندواتهم ومجتمعاتهم فيخاطبهم مباشرة، وتارة يرسل رسولا من طرفه يدعو المشركين إلى اتباع دعوة النبي الكريم، وتارة يرسل خطابا كما هو معلوم من السيرة إلى هرقل ملك الروم وإلى كسرى ملك فارس وإلى و .. و .. الخ أمراء العرب كما هو مشروح في كتب السيرة النبوية.
ومن ذلك أنه أرسل إلى اليمن معاذ بن جبل وأبا موسى الأشعري وعليًّا بن أبي طالب، وأرسل إلى الروم دحية الكلبي و ...وإلخ.
هؤلاء كانوا أفرادا لا يمثلون، أولا يمثل خبرهم الخبر القطعي؛ لأنهم أفراد فمعاذ في مكان، وأبو موسى في مكان وعلى في مكان، وقد يختلف أيضا الزمان، كما اختلف المكان.
وهناك حديث في الصحيحين ... بالسند الصحيح عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - لما أرسل معاذ على اليمن، قال له: «ليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله» (1).
فَمَنْ مِن المسلمين يشك بأن هذه الشهادة هي الأصل الأول من الإسلام؟ أي هو العقيدة الأولى الذي ينبني عليها الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله فإذا معاذ رضي الله عنه ذهب وحده مبلغاًّ وداعياً المسلمين - عفواً- وداعيا المشركين أن يؤمنوا بدين الإسلام.
ترى هل قامت الحجة بمعاذ بن جبل حينما دعاهم إلى الإسلام، ويقول لهم:أن الرسول يأمركم بأن تصلوا خمس صلوات في كل يوم وليلة، وهذه الصلاة ركعتان، وتلك ثلاث، والبقية أربع، إلى آخر ما هنالك من تفصيلات معروفة اليوم لدينا والحمد لله؟
ويأمرهم بالزكاة، وذكر لهم تفاصيل أحكام الزكاة: ما يتعلق بالفضة، ما يتعلق بالذهب، ما يتعلق بالثمار ما يتعلق بالخضار، ما يتعلق بالأبقار والجمال،
و .. والخ؟
هل قامت حجة الإسلام على أولئك المشركين بمعاذ وحده؟ علي مذهب حزب التحرير مع الأسف لا لم تقم الحجة؛ لأنه فرد يجوز عليه كما يقولون هم يجوز عليه الكذب وإذا قلنا: لا، الكذب بعيد عنهم، فلا أقل أن يقال: يجوز عليهم الخطأ والنسيان.
فإذن جاءوا بفلسفة: أن الحديث الصحيح لا يجوز أن نأخذ منه عقيدة إسلامية.
إذن اليمانيون حينما دعاهم معاذ إلى الإسلام، وبلا شك أول ما دعاهم دعاهم إلى العقيدة، إذن لم تقم حجة الله على اليمانيين الذين كان منهم الوثنيون وكان منهم صليبيون، وكان منهم من المجوس، لم تقم حجة الله عليهم في العقائد.
أما في الأحكام يقولون حزب التحرير كما يقول عامة المسلمين: نعم حديث الآحاد تثبت به الأحكام الشرعية، أما العقائد الإسلامية فلا تثبت بحديث الآحاد، هذا معاذ يمثل عقيدة الآحاد في الإسلام كله، أصولاً وفروعاً، عقائد وأحكاماً، فمن أين جاءوا بهذا التفصيل؟.{إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ} (النجم:23).
وأُنهي الكلمة المتعلقة بحديث الآحاد، التي ضرب بها حزب التحرير عشرات الأحاديث الصحيحة بحجة: أن هذا والله حديث آحاد لا تقوم به حجة في العقيدة فذكر بعضهم النكتة التالية: زعموا أن أحد الدعاة من حزب التحرير ذهب إلى اليابان وألقى عليهم بعض المحاضرات ومنها: طريق الإيمان وفي هذا الطريق: أن حديث الآحاد لا تثبت به عقيدة، وكان هناك في الحاضرين شاب عاقل حقا كيس فطن، قال له: يا أستاذ، أنت جئت داعية هنا في بلاد اليابان، بلاد الكفر والشرك كما تقول، تدعوهم إلى الإسلام وتقول: إن الإسلام يقول: إن العقيدة لا تثبت بخبر الآحاد، وأنت تقول لنا: أن من العقيدة ألا تأخذوا العقيدة من الفرد الواحد، أنت الآن تدعونا إلى الإسلام وأنت وحدك، فينبغي عليك بناءً على فلسفتك هذه: أن تعود أدراجك إلى بلدك، وأن تأتي بالعشرات من أمثالك من المسلمين الذين يقولون بقولك، فيصبح خبرك حينئذ خبراً متواتراً.
فأسقط في يد المحاضر، وهذا مثال من الأمثلة الكثيرة التي تدل على سوء عاقبة مخالفة منهج السلف الصالح.
من ذلك أن المسلمين يعلمون، وأعني منهم طلاب العلم، وأرجو أن تكون السامعات لهذا الكلام منهن، لقد جاء في صحيح البخاري (1) من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - قال: «إذا جلس أحدكم في التشهد الآخر فليستعذ بالله من أربع، يقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذابالقبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر فتنة المسيح الدجال».
هنا الحديث حديث آحاد، لكنه من الأحاديث العجيبة الغريبة بالنسبة لفلسفة حزب التحرير، إنه من جهة يتضمن حكماً شرعياً، والحكم الشرعي عندهم يثبت بحديث الآحاد، فإذن بالنظر إلى هذا الجانب من الحديث يجب الأخذ به، لأنه حكم شرعي، قال: عليه السلام: «فليستعذ بالله من أربع في التشهد الأخير».
ومن جهة أخرى يتضمن عقيدة وهي أن هناك في القبر عذاب، وأن هناك فتنة الدجال، فهم لا يؤمنون بعذاب القبر، ولا يؤمنون بفتنة الدجال الأكبر الذي حدث عنه الرسول عليه السلام بأحاديث كثيرة منها: قوله عليه السلام: «ما بين خلق آدم والساعة فتنة أضر على أمتي من فتنة المسيح الدجال» (1).
هم لا يؤمنون بهذا الدجال؛ لأنه بزعمهم حديث غير متواتر.
فنحن نقول لهم الآن: ماذا تفعلون بحديث أبي هريرة؟ إنه من جهة يتضمن حكماً شرعياً، فعليكم أن تقولوا في آخر الصلاة: وأعوذ بك من عذاب القبر، لكن هل تستعيذ من عذاب القبر وأنت لا تؤمن بعذاب القبر؟ نقيضان لا يجتمعان.
فجاءونا، بمخلص، حيلة من الحيل التي ينهى الله المسلمين عنها، ماذا؟ قالوا: نحن نصدق بعذاب القبر ولا نؤمن به، نصدق بعذاب القبر ولا نؤمن به.
فلسفة عجيبة غريبة، ما الذي يحملهم؟ جاءوا بفلسفة أولى فتسلسلت معهم إلى فلسفات أخيرة كثيرة، خرجوا بها عن الصراط السوي، الذي كان عليه أصحاب النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -.
الآن أمضى والحديث كما قلت: طويل الذيل؛ لأبين أن من دعوة حزب التحرير التي يدندنون حولها: أنهم يريدون أن يقيموا حكم الله في الأرض.
نحن أولا نلفت النظر إلى أنهم ليسوا منفردين بهذه الدعوة، فكل الجماعات الإسلامية والأحزاب الإسلامية تنتهي كلها إلى هذه الغاية: أي يريدون أن يقيموا حكم الله في الأرض، فهم ليسوا منفردين.
جاءني سؤال الآن وأنا كنت أن أؤجل الأسئلة إلى ما بعد، لأن هذا السؤال قد يقطع علي سلسلة أفكاري، ومع ذلك فأنا لا أخيب السائل؛ فأجيب عن السؤال هو: السؤال: يقولون: إن هناك رواية تقول: لما سئل الرسول عن الفرقة الناجية، أجاب الرسول بأنها الجماعة.
نعم هذه الرواية صحيحة ونؤمن بها، ولكن هذه الرواية: الجماعة، مفسرة بالرواية التي ذكرناها؛ لأننا لو ذكرنا لفظة الجماعة، أي هذه الروية التي جاء السؤال عنها أخيراً؛ لوجب علينا أن نشرحها بالشرح الذي سبق ذكره آنفاً.
نُنهي إذن هذه الجلسة بالإجابة عن السؤال الأخير.
وأقول: هنا روايتان اثنتان، لما سئل الرسول عليه السلام عن الفرقة الناجية, أجاب بروايتين اثنتين.
الأولى: هي التي ذكرتها آنفاً: «ما أنا عليه وأصحابي». والأخرى هي التي جاء السؤال عنها: قال: «هي الجماعة».
لكن أشعر بأن السائلة كأنها تتوهم بناء على ما قرأت من كتابات
حزب التحرير أن هذه الرواية: رواية الجماعة تخالف الروية التي أدرت
الحديث حولها.========فأقول لها ولتقريب هذا الجواب النافي: أنه لا اختلاف بين الروايتين، افترض الآن أن الرواية الأولى وهي: «ما أنا عليه وأصحابي».
لا أصل لها إطلاقاً، وإنما الرواية هي: الجماعة فسنقول: من هي الجماعة؟ من هي الجماعة اليوم يا أم المؤمنين؟ أهم حزب التحرير؟ أهم الإخوان المسلمين؟ أهم جماعة التبليغ؟.
الجواب:
وكل يدّعى وصلا بليلى ... وليلى لا تقر لهم بذاك
الجماعة كما صح عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: من كان الحق معه ولو كان فرداً واحداً.
حينما بعث الله عز وجل الرسل والأنبياء مبشرين ومنذرين، كانوا أفراداً، وكانوا هم الجماعة، كان إبراهيم أمة وحده، فمن اتبع هذا الأمة: أي الجماعة: وهو في الحقيقة واحد في ذاته لكن هو الجماعة في دعوته، من سار على وتيرته، وسار مثل مسيرته فهو الجماعة ولو كان فرداً واحداً.
فالآن على افتراض أن الرواية الأولى في وصف الفرقة الناجية لا وجود لها إطلاقاً، الجماعة هذه هي سبيل المؤمنين، الجماعة هذه هي جماعة الخلفاء الراشدين.
فحديث العرباض بن سارية ما فيها روايتان حتى يقال أو يشكك فيها كما قد يمكن أن يراد التشكيك في رواية: «ما أنا عليه وأصحابي»، الجماعة إذن هي سبيل المؤمنين التي شرحتها آنفا كتاباً وحديثاً، فماذا يضرنا إذا فسّرنا الجماعة هنا بالرواية الأولى: «ما أنا عليه وأصحابي»؟لأن أصحابه، أصحابه عليه السلام هم المؤمنون الذين أوعد المخالفون بأن لهم جهنم في الآية التي بدأت الاستدلال بها، أنه لا يجوز الاعتماد فقط على الكتاب والسنة؛ بل ولا بد من إضافة: سبيل المؤمنين المذكور في الآية الكريمة.
فمن فسر الجماعة في حديث الفرقة الناجية بأنه طائفته فقط دون أن يأتي بالأدلة من الكتاب والسنة على ذلك: أنه على ما كان عليه المؤمنون الأولون؛ فيكون قد حمل الحديث: حديث الجماعة على غير المحمل الصحيح، وحينئذ يكون تأول هذا الحديث غير صحيح.
وأختم كلمتي هذه بمناقشة جرت بين أحد السلفيين وآخر من الإسلاميين، ممن يدعو إلى الكتاب والسنة، ولكن لم يكن متنبها لهذه الضميمة التي لا تستقيم دعوة الأحزاب الإسلامية إلا بتبنيها فكرا أولا، وتطبيقها عمليا ثانيا، وهي: اتباع سبيل المؤمنين.
قلت له: هذا جواب قاصر.
قال: لمَ؟
قلت: لأن كل مسلم مهما كان منحرفا أو مستقيما يقول: أنا مسلم.
مثلا: نبدأ بالأهون فالأهون.
إذا سئل الحنفي: ما مذهبك ولا يريد أن يحشر نفسه في مناقشة، يقول: أنا مذهبي مسلم، والشافعي كمان يقول: أنا مسلم، و ... و ... الخ.
لكن الحنفي يقول: الإيمان لا يزيد ولا ينقص، الشافعي يقول: الإيمان يزيد وينقص ... إلخإذن جوابك: بأنك مسلم، وجواب ذاك بأنه مسلم، لا يحدد مذهبك تماماً، فَفَهِم فقال: أقول حينئذ أنا مسلم على الكتاب والسنة.
قلت له: كذلك كل مسلم حتى الأمثلة التي ضربتها لك آنفا هل هناك حنفي يقول: أنا مسلم لست على الكتاب والسنة؟.
هل هناك شافعي يقول: لست على الكتاب والسنة؟
سأقول لك: هل هناك إباضي من الخوارج الموجودين اليوم في الأرض الإسلامية يقول: أنا لست على الكتاب والسنة؟
بل هل هناك شيعي، هل هناك رافضي يقول: أنا لست على الكتاب والسنة؟
كلهم يقولون نحن على الكتاب والسنة؟
هذا ما سبق بيانه آنفا.
كل المسلمين مهما كان الخلاف بينهم شديداً وكثيراً، كلهم يقول: على الكتاب والسنة، ولكن لا أحد منهم يقول: وعلى منهج السلف الصالح إلا الذين ينتمون إلى منهج السلف الصالح، ونقول إذا ما سئلنا: أنا سلفي انتهى الأمر؛ لأنه معنى سلفي: على الكتاب والسنة وعلى منهج السلف الصالح.
فلما بينت له هذا، قلت له: لا يكفي أن تقول: أنا مسلم على الكتاب والسنة؛ لأن كل الطوائف والجماعات يقولون: على الكتاب والسنة.
قال: أقول إذن: أنا على الكتاب والسنة لأنه آمن معي بعد مثل هذه المحاضرة، بل محاضرات قال: إذن أنا أقول: أنا على الكتاب والسنة وعلى منهج السلف الصالح.=======وقلت وأنا أعرف أنه أديب من الأدباء وكاتب من الكُتاب ألا تجد في لغتك العربية التي تأدبت بها، وتكلمت بها، وتكتب بها، ألا تدلك لفظة تختصر جوابك هذا: أنا مسلم على الكتاب والسنة وعلى منهج السلف الصالح؟
فَصَمَت. قلت يعني إذا قلنا: أنا سلفي ألا يؤدي عبارتك الطويلة: أنا على الكتاب والسنة؟
فأجاب بالإيجاب. هذه هي حقيقة الدعوة السلفية، وتلك هي مخالفات حزب التحرير، وكل الجماعات القائمة وإنما نحن دائرتنا أوسع من أي دائرة يتبناها أي حزب على وجه الأرض.
أنا عارف من حزب التحرير أنه من نظامه: إذا تبنى فرد من أفراده رأيا يخالف رأيه: أي الرأي الذي يتبناه الحزب يُفْصَل، ويقال له: لست منا.
نحن لا نقول هكذا، أنا أعرف مثلا أن من أفكار حزب التحرير أن المرأة لها حق أن تَنتخِب وأن تُنتخب، فلن تجد تحريرياًّ منهم من الكُتاب: أن المرأة ليس لها مجال للتدخل في هذه الأمور التي تسمى اليوم: بالسياسة.
لها أن تتعلم ما يناسب أنوثتها، ما يناسب رقتها ولطفها إلى آخره.
أما أن تَنتخِب وتُنتخب لو تبنى شخص من حزب التحرير هذا الرأي يخالف فيه حزب التحرير فسوف يُفصَل، أما نحن فنقبل حزب التحرير، والإخوان المسلمين، وجماعة التبليغ، ولكن على أساس: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} (آل عمران:64).
فنحن ندعو كل مسلم إلى أن يتبنى هذا الأصل، ثم يتفرع عليه فروع كثيرة،وكثيرة جداً.
حينئذ يصبحون معنا، قد يختلفون معنا في التطبيق، لأن التطبيق يحتاج إلى علم، ونحن نقول: إن العلم بالكتاب والسنة مع الأسف الشديد لا يعتني الجماعات الإسلامية به، ومع ذلك فهم يريدون أن يقيموا دولة الإسلام على الجهل بالإسلام.
فنقول: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} (الأحزاب:21). فرسول الله -عز وجل- بدأُ بتعليم الناس، وبدعوتهم إلى العقيدة أولا، ثم إلى العبادات وتحسين السلوك ثانياً، وهكذا ينبغي أن يعيد التاريخ نفسه.
وبهذا القدر كفاية والحمد لله رب العالمين.
(1) (رقم2668) بلفظ مغاير، واللفظ المذكور في مسلم (رقم1352).
أما الدلالة فكذلك، قد تكون قطعية الدلالة وقد تكون ظنية الدلالة.
لا نناقش في هذا الاصطلاح، فإن الأمر كما قيل: لكل قوم أن يصطلحوا على ما شاءوا، لكننا نناقش فيما إذا رتبوا على هذا الاصطلاح مفارقات تخالف ما كان عليه المسلمون الأولون.
ومن هنا يظهر لكم أهمية سبيل المؤمنين، لأنها قيد من أن ينفلت العالم المسلم فضلا عن الجاهل المسلم أن ينفلت من نص الكتاب والسنة برجوعه إلى مثل هذا الاصطلاح الذي لا يجوز أن يكون له الثمرة التالية وهي: إنهم قد رتبوا من ذلك لاصطلاح بالقطعي والظني الذي يشمل الرواية والدراية رتبوا على ذلك ما يلي:
فقالوا: إذا جاء في القرآن الكريم وهو بلا شك في الاصطلاح السابق ذكره: قطعي الثبوت، إذا جاء نص ليس بقطعي الدلالة، فليس يجب على المسلم أن يأخذ بما فيه من المعنى، لأنه ظني الثبوت، فلا يجوز له أن يبنى عقيدة على نص قطعي الثبوت لكنه ظني الدلالة.
وكذلك العكس عندهم تماماً: إذا جاء الدليل قطعي الدلالة لكن ليس قطعي الثبوت فأيضاً لا يأخذون منه عقيدة.
ومن هنا جاءوا بعقيدة لا يعرفها السلف الصالح، ووضعوا اصطلاحا لهم وكتبهم معروفة وأعني الآن بكتبهم: القديمة؛ لأنهم قد أجروا فيها تعديلاً، وأنا من أعرف الناس بهذا التعديل، لكنه في الواقع تعديل شكلي، وهو لو سُلِّم به فإنما يدل أن القوم كانوا حتى في عقيدتهم مضطربين؛ حيث قالوا: العقيدة لا تثبت إلابدليل قطعي الثبوت قطعي الدلالة؛ فأقاموا عليها عقيدتهم وهي: أن الحديث الصحيح رواية والقطعي الدلالة لا يؤخذ منه العقيدة.
فقلنا لهم فيما ناقشناهم وجادلناهم: من أين لكم هذه القاعدة: وهي قاعدة تتضمن عقيدةً، فمن أين جئتم بهذه العقيدة؟ ما الدليل على أنه لا يجوز للمسلم أن يبني عقيدته على حديث صحيح لكن ليس بطريق التواتر الذي يقيد القطع قطعي الدلالة؟ من أين جئتم بهذا؟
فاضطربوا هنا في الجواب، والبحث هنا طويل، وطويل جدا، واستدلوا بمثل قوله تعالى: {إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا} (النجم:28).
هنا البحث الآن يخرجنا عما نحن في صدده من بيان ما نعرفه عن حزب التحرير، لأن مناقشة هذه القاعدة وبيان ما عليها من اعتراضات، وأنها أقيمت على دليل كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء.
ولذلك نكتفي الآن ببيان أن هذه العقيدة: أي أن المسلم لا يجوز له أن يتبنى عقيدة من حديث صحيح، من حديث صحيح لكن لم تصدق عليها فلسفة: قطعي الثبوت، فهو ليس قطعي الثبوت، لكنه قطعي الدلالة، من أين جاءوا بهذا؟. لا دليل عليه، لا من الكتاب ولا من السنة، ولاما كان عليه السلف، بل ما كان عليه السلف ينقض هذا الذي تبناه بعض الخلف، منهم المعتزلة قديماً، وأتباعهم اليوم في هذه العقيدة وهم حزب التحرير.
أقول الآن شيئاً ولعله نمر مرًّا سريعا حتى نتابع الحديث؛ كلنا يعلم أن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - حينما أرسله الله عز وجل بشيراً ونذيراً، وقال له: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} (المائدة:67) كان تبليغه عليه الصلاةوالسلام رسالته إلى الناس تارةً بشخصه حينما كان يحضر ندواتهم ومجتمعاتهم فيخاطبهم مباشرة، وتارة يرسل رسولا من طرفه يدعو المشركين إلى اتباع دعوة النبي الكريم، وتارة يرسل خطابا كما هو معلوم من السيرة إلى هرقل ملك الروم وإلى كسرى ملك فارس وإلى و .. و .. الخ أمراء العرب كما هو مشروح في كتب السيرة النبوية.
ومن ذلك أنه أرسل إلى اليمن معاذ بن جبل وأبا موسى الأشعري وعليًّا بن أبي طالب، وأرسل إلى الروم دحية الكلبي و ...وإلخ.
هؤلاء كانوا أفرادا لا يمثلون، أولا يمثل خبرهم الخبر القطعي؛ لأنهم أفراد فمعاذ في مكان، وأبو موسى في مكان وعلى في مكان، وقد يختلف أيضا الزمان، كما اختلف المكان.
وهناك حديث في الصحيحين ... بالسند الصحيح عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - لما أرسل معاذ على اليمن، قال له: «ليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله» (1).
فَمَنْ مِن المسلمين يشك بأن هذه الشهادة هي الأصل الأول من الإسلام؟ أي هو العقيدة الأولى الذي ينبني عليها الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله فإذا معاذ رضي الله عنه ذهب وحده مبلغاًّ وداعياً المسلمين - عفواً- وداعيا المشركين أن يؤمنوا بدين الإسلام.
ترى هل قامت الحجة بمعاذ بن جبل حينما دعاهم إلى الإسلام، ويقول لهم:أن الرسول يأمركم بأن تصلوا خمس صلوات في كل يوم وليلة، وهذه الصلاة ركعتان، وتلك ثلاث، والبقية أربع، إلى آخر ما هنالك من تفصيلات معروفة اليوم لدينا والحمد لله؟
ويأمرهم بالزكاة، وذكر لهم تفاصيل أحكام الزكاة: ما يتعلق بالفضة، ما يتعلق بالذهب، ما يتعلق بالثمار ما يتعلق بالخضار، ما يتعلق بالأبقار والجمال،
و .. والخ؟
هل قامت حجة الإسلام على أولئك المشركين بمعاذ وحده؟ علي مذهب حزب التحرير مع الأسف لا لم تقم الحجة؛ لأنه فرد يجوز عليه كما يقولون هم يجوز عليه الكذب وإذا قلنا: لا، الكذب بعيد عنهم، فلا أقل أن يقال: يجوز عليهم الخطأ والنسيان.
فإذن جاءوا بفلسفة: أن الحديث الصحيح لا يجوز أن نأخذ منه عقيدة إسلامية.
إذن اليمانيون حينما دعاهم معاذ إلى الإسلام، وبلا شك أول ما دعاهم دعاهم إلى العقيدة، إذن لم تقم حجة الله على اليمانيين الذين كان منهم الوثنيون وكان منهم صليبيون، وكان منهم من المجوس، لم تقم حجة الله عليهم في العقائد.
أما في الأحكام يقولون حزب التحرير كما يقول عامة المسلمين: نعم حديث الآحاد تثبت به الأحكام الشرعية، أما العقائد الإسلامية فلا تثبت بحديث الآحاد، هذا معاذ يمثل عقيدة الآحاد في الإسلام كله، أصولاً وفروعاً، عقائد وأحكاماً، فمن أين جاءوا بهذا التفصيل؟.{إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ} (النجم:23).
وأُنهي الكلمة المتعلقة بحديث الآحاد، التي ضرب بها حزب التحرير عشرات الأحاديث الصحيحة بحجة: أن هذا والله حديث آحاد لا تقوم به حجة في العقيدة فذكر بعضهم النكتة التالية: زعموا أن أحد الدعاة من حزب التحرير ذهب إلى اليابان وألقى عليهم بعض المحاضرات ومنها: طريق الإيمان وفي هذا الطريق: أن حديث الآحاد لا تثبت به عقيدة، وكان هناك في الحاضرين شاب عاقل حقا كيس فطن، قال له: يا أستاذ، أنت جئت داعية هنا في بلاد اليابان، بلاد الكفر والشرك كما تقول، تدعوهم إلى الإسلام وتقول: إن الإسلام يقول: إن العقيدة لا تثبت بخبر الآحاد، وأنت تقول لنا: أن من العقيدة ألا تأخذوا العقيدة من الفرد الواحد، أنت الآن تدعونا إلى الإسلام وأنت وحدك، فينبغي عليك بناءً على فلسفتك هذه: أن تعود أدراجك إلى بلدك، وأن تأتي بالعشرات من أمثالك من المسلمين الذين يقولون بقولك، فيصبح خبرك حينئذ خبراً متواتراً.
فأسقط في يد المحاضر، وهذا مثال من الأمثلة الكثيرة التي تدل على سوء عاقبة مخالفة منهج السلف الصالح.
من ذلك أن المسلمين يعلمون، وأعني منهم طلاب العلم، وأرجو أن تكون السامعات لهذا الكلام منهن، لقد جاء في صحيح البخاري (1) من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - قال: «إذا جلس أحدكم في التشهد الآخر فليستعذ بالله من أربع، يقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذابالقبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر فتنة المسيح الدجال».
هنا الحديث حديث آحاد، لكنه من الأحاديث العجيبة الغريبة بالنسبة لفلسفة حزب التحرير، إنه من جهة يتضمن حكماً شرعياً، والحكم الشرعي عندهم يثبت بحديث الآحاد، فإذن بالنظر إلى هذا الجانب من الحديث يجب الأخذ به، لأنه حكم شرعي، قال: عليه السلام: «فليستعذ بالله من أربع في التشهد الأخير».
ومن جهة أخرى يتضمن عقيدة وهي أن هناك في القبر عذاب، وأن هناك فتنة الدجال، فهم لا يؤمنون بعذاب القبر، ولا يؤمنون بفتنة الدجال الأكبر الذي حدث عنه الرسول عليه السلام بأحاديث كثيرة منها: قوله عليه السلام: «ما بين خلق آدم والساعة فتنة أضر على أمتي من فتنة المسيح الدجال» (1).
هم لا يؤمنون بهذا الدجال؛ لأنه بزعمهم حديث غير متواتر.
فنحن نقول لهم الآن: ماذا تفعلون بحديث أبي هريرة؟ إنه من جهة يتضمن حكماً شرعياً، فعليكم أن تقولوا في آخر الصلاة: وأعوذ بك من عذاب القبر، لكن هل تستعيذ من عذاب القبر وأنت لا تؤمن بعذاب القبر؟ نقيضان لا يجتمعان.
فجاءونا، بمخلص، حيلة من الحيل التي ينهى الله المسلمين عنها، ماذا؟ قالوا: نحن نصدق بعذاب القبر ولا نؤمن به، نصدق بعذاب القبر ولا نؤمن به.
فلسفة عجيبة غريبة، ما الذي يحملهم؟ جاءوا بفلسفة أولى فتسلسلت معهم إلى فلسفات أخيرة كثيرة، خرجوا بها عن الصراط السوي، الذي كان عليه أصحاب النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -.
الآن أمضى والحديث كما قلت: طويل الذيل؛ لأبين أن من دعوة حزب التحرير التي يدندنون حولها: أنهم يريدون أن يقيموا حكم الله في الأرض.
نحن أولا نلفت النظر إلى أنهم ليسوا منفردين بهذه الدعوة، فكل الجماعات الإسلامية والأحزاب الإسلامية تنتهي كلها إلى هذه الغاية: أي يريدون أن يقيموا حكم الله في الأرض، فهم ليسوا منفردين.
جاءني سؤال الآن وأنا كنت أن أؤجل الأسئلة إلى ما بعد، لأن هذا السؤال قد يقطع علي سلسلة أفكاري، ومع ذلك فأنا لا أخيب السائل؛ فأجيب عن السؤال هو: السؤال: يقولون: إن هناك رواية تقول: لما سئل الرسول عن الفرقة الناجية، أجاب الرسول بأنها الجماعة.
نعم هذه الرواية صحيحة ونؤمن بها، ولكن هذه الرواية: الجماعة، مفسرة بالرواية التي ذكرناها؛ لأننا لو ذكرنا لفظة الجماعة، أي هذه الروية التي جاء السؤال عنها أخيراً؛ لوجب علينا أن نشرحها بالشرح الذي سبق ذكره آنفاً.
نُنهي إذن هذه الجلسة بالإجابة عن السؤال الأخير.
وأقول: هنا روايتان اثنتان، لما سئل الرسول عليه السلام عن الفرقة الناجية, أجاب بروايتين اثنتين.
الأولى: هي التي ذكرتها آنفاً: «ما أنا عليه وأصحابي». والأخرى هي التي جاء السؤال عنها: قال: «هي الجماعة».
لكن أشعر بأن السائلة كأنها تتوهم بناء على ما قرأت من كتابات
حزب التحرير أن هذه الرواية: رواية الجماعة تخالف الروية التي أدرت
الحديث حولها.========فأقول لها ولتقريب هذا الجواب النافي: أنه لا اختلاف بين الروايتين، افترض الآن أن الرواية الأولى وهي: «ما أنا عليه وأصحابي».
لا أصل لها إطلاقاً، وإنما الرواية هي: الجماعة فسنقول: من هي الجماعة؟ من هي الجماعة اليوم يا أم المؤمنين؟ أهم حزب التحرير؟ أهم الإخوان المسلمين؟ أهم جماعة التبليغ؟.
الجواب:
وكل يدّعى وصلا بليلى ... وليلى لا تقر لهم بذاك
الجماعة كما صح عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: من كان الحق معه ولو كان فرداً واحداً.
حينما بعث الله عز وجل الرسل والأنبياء مبشرين ومنذرين، كانوا أفراداً، وكانوا هم الجماعة، كان إبراهيم أمة وحده، فمن اتبع هذا الأمة: أي الجماعة: وهو في الحقيقة واحد في ذاته لكن هو الجماعة في دعوته، من سار على وتيرته، وسار مثل مسيرته فهو الجماعة ولو كان فرداً واحداً.
فالآن على افتراض أن الرواية الأولى في وصف الفرقة الناجية لا وجود لها إطلاقاً، الجماعة هذه هي سبيل المؤمنين، الجماعة هذه هي جماعة الخلفاء الراشدين.
فحديث العرباض بن سارية ما فيها روايتان حتى يقال أو يشكك فيها كما قد يمكن أن يراد التشكيك في رواية: «ما أنا عليه وأصحابي»، الجماعة إذن هي سبيل المؤمنين التي شرحتها آنفا كتاباً وحديثاً، فماذا يضرنا إذا فسّرنا الجماعة هنا بالرواية الأولى: «ما أنا عليه وأصحابي»؟لأن أصحابه، أصحابه عليه السلام هم المؤمنون الذين أوعد المخالفون بأن لهم جهنم في الآية التي بدأت الاستدلال بها، أنه لا يجوز الاعتماد فقط على الكتاب والسنة؛ بل ولا بد من إضافة: سبيل المؤمنين المذكور في الآية الكريمة.
فمن فسر الجماعة في حديث الفرقة الناجية بأنه طائفته فقط دون أن يأتي بالأدلة من الكتاب والسنة على ذلك: أنه على ما كان عليه المؤمنون الأولون؛ فيكون قد حمل الحديث: حديث الجماعة على غير المحمل الصحيح، وحينئذ يكون تأول هذا الحديث غير صحيح.
وأختم كلمتي هذه بمناقشة جرت بين أحد السلفيين وآخر من الإسلاميين، ممن يدعو إلى الكتاب والسنة، ولكن لم يكن متنبها لهذه الضميمة التي لا تستقيم دعوة الأحزاب الإسلامية إلا بتبنيها فكرا أولا، وتطبيقها عمليا ثانيا، وهي: اتباع سبيل المؤمنين.
قلت له: هذا جواب قاصر.
قال: لمَ؟
قلت: لأن كل مسلم مهما كان منحرفا أو مستقيما يقول: أنا مسلم.
مثلا: نبدأ بالأهون فالأهون.
إذا سئل الحنفي: ما مذهبك ولا يريد أن يحشر نفسه في مناقشة، يقول: أنا مذهبي مسلم، والشافعي كمان يقول: أنا مسلم، و ... و ... الخ.
لكن الحنفي يقول: الإيمان لا يزيد ولا ينقص، الشافعي يقول: الإيمان يزيد وينقص ... إلخإذن جوابك: بأنك مسلم، وجواب ذاك بأنه مسلم، لا يحدد مذهبك تماماً، فَفَهِم فقال: أقول حينئذ أنا مسلم على الكتاب والسنة.
قلت له: كذلك كل مسلم حتى الأمثلة التي ضربتها لك آنفا هل هناك حنفي يقول: أنا مسلم لست على الكتاب والسنة؟.
هل هناك شافعي يقول: لست على الكتاب والسنة؟
سأقول لك: هل هناك إباضي من الخوارج الموجودين اليوم في الأرض الإسلامية يقول: أنا لست على الكتاب والسنة؟
بل هل هناك شيعي، هل هناك رافضي يقول: أنا لست على الكتاب والسنة؟
كلهم يقولون نحن على الكتاب والسنة؟
هذا ما سبق بيانه آنفا.
كل المسلمين مهما كان الخلاف بينهم شديداً وكثيراً، كلهم يقول: على الكتاب والسنة، ولكن لا أحد منهم يقول: وعلى منهج السلف الصالح إلا الذين ينتمون إلى منهج السلف الصالح، ونقول إذا ما سئلنا: أنا سلفي انتهى الأمر؛ لأنه معنى سلفي: على الكتاب والسنة وعلى منهج السلف الصالح.
فلما بينت له هذا، قلت له: لا يكفي أن تقول: أنا مسلم على الكتاب والسنة؛ لأن كل الطوائف والجماعات يقولون: على الكتاب والسنة.
قال: أقول إذن: أنا على الكتاب والسنة لأنه آمن معي بعد مثل هذه المحاضرة، بل محاضرات قال: إذن أنا أقول: أنا على الكتاب والسنة وعلى منهج السلف الصالح.=======وقلت وأنا أعرف أنه أديب من الأدباء وكاتب من الكُتاب ألا تجد في لغتك العربية التي تأدبت بها، وتكلمت بها، وتكتب بها، ألا تدلك لفظة تختصر جوابك هذا: أنا مسلم على الكتاب والسنة وعلى منهج السلف الصالح؟
فَصَمَت. قلت يعني إذا قلنا: أنا سلفي ألا يؤدي عبارتك الطويلة: أنا على الكتاب والسنة؟
فأجاب بالإيجاب. هذه هي حقيقة الدعوة السلفية، وتلك هي مخالفات حزب التحرير، وكل الجماعات القائمة وإنما نحن دائرتنا أوسع من أي دائرة يتبناها أي حزب على وجه الأرض.
أنا عارف من حزب التحرير أنه من نظامه: إذا تبنى فرد من أفراده رأيا يخالف رأيه: أي الرأي الذي يتبناه الحزب يُفْصَل، ويقال له: لست منا.
نحن لا نقول هكذا، أنا أعرف مثلا أن من أفكار حزب التحرير أن المرأة لها حق أن تَنتخِب وأن تُنتخب، فلن تجد تحريرياًّ منهم من الكُتاب: أن المرأة ليس لها مجال للتدخل في هذه الأمور التي تسمى اليوم: بالسياسة.
لها أن تتعلم ما يناسب أنوثتها، ما يناسب رقتها ولطفها إلى آخره.
أما أن تَنتخِب وتُنتخب لو تبنى شخص من حزب التحرير هذا الرأي يخالف فيه حزب التحرير فسوف يُفصَل، أما نحن فنقبل حزب التحرير، والإخوان المسلمين، وجماعة التبليغ، ولكن على أساس: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} (آل عمران:64).
فنحن ندعو كل مسلم إلى أن يتبنى هذا الأصل، ثم يتفرع عليه فروع كثيرة،وكثيرة جداً.
حينئذ يصبحون معنا، قد يختلفون معنا في التطبيق، لأن التطبيق يحتاج إلى علم، ونحن نقول: إن العلم بالكتاب والسنة مع الأسف الشديد لا يعتني الجماعات الإسلامية به، ومع ذلك فهم يريدون أن يقيموا دولة الإسلام على الجهل بالإسلام.
فنقول: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} (الأحزاب:21). فرسول الله -عز وجل- بدأُ بتعليم الناس، وبدعوتهم إلى العقيدة أولا، ثم إلى العبادات وتحسين السلوك ثانياً، وهكذا ينبغي أن يعيد التاريخ نفسه.
وبهذا القدر كفاية والحمد لله رب العالمين.
(1) (رقم2668) بلفظ مغاير، واللفظ المذكور في مسلم (رقم1352).
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق