الأحد، 1 مارس 2015

29] باب من أصول الخلف التي تركت السنة بسببها
[قال الإمام]:
لقد خَلَفَ [سلفَ الأمة] خَلَفٌ أضاعوا السنة النبوية وأهملوها، بسبب أصول يتبناها بعض علماء الكلام، وقواعد زعمها بعض علماء الأصول والفقهاء المقلدين، كان من نتائجها الإهمال المذكور الذي أدى بدوره إلى الشك في قسم كبير منها، ورد قسم آخر منها لمخالفتها لتلك الأصول والقواعد، فتبدلت الآية عند هؤلاء، فبدل أن يرجعوا بها إلى السنة ويتحاكموا إليها، فقد قلبوا الأمر، ورجعوا بالسنة إلى قواعدهم وأصولهم، فما كان منها موافقاً لقواعدهم قبلوه، وإلا رفضوه، وبذلك انقطعت الصلة التامة بين المسلم وبين النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -، وخاصة عند المتأخرين منهم، فعادوا جاهلين بالنبي - صلى الله عليه وآله وسلم - وعقيدته وسيرته وعبادته، وصيامه وقيامه وحجة وأحكامه وفتاويه، فإذا سئلوا عن شيء من ذلك أجابوك إما بحديث ضعيف أو لا أصل له، أو بما في المذهب الفلاني، فإذا اتفق أنه مخالف للحديث الصحيح وذكروا به لا يذكرون، ولا يقبلون الرجوع إليه لشبهات لا مجال لذكرها الآن، وكل ذلك سببه تلك الأصول والقواعد المشار إليها، وسيأتي قريباً ذكر بعضها إن شاء الله تعالى.
ولقد عم هذا الوباء وطم كل البلاد الإسلامية، والمجلات العلمية والكتب الدينية إلا نادراً، فلا تجد من يفتي فيها على الكتاب والسنة إلا أفراداً قليلين غرباء، بل جماهيرهم يعتمدون فيها على مذهب من المذاهب الأربعة، وقد يتعدونها إلى غيرها إذا وجدوا في ذلك مصلحة - كما زعموا - وأما السنة فقد أصبحت عندهم نسياً منسياً، إلا إذا اقتضت المصلحة عندهم الأخذ بها، كما فعل بعضهم بالنسبة لحديث ابن عباس في الطلاق بلفظ ثلاث وأنه كان على عهد النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - طلقة واحدة، فقد أنزلوها منزلة بعض المذاهب المرجوحة! وكانوا قبل أن يتبنوه يحاربونه ويحاربون الداعي إليه!
وإن مما يدل على غربة السنة في هذا الزمان وجهل أهل العلم والفتوىبها، جواب إحدى المجلات الإسلامية السيارة عن سؤال: "هل تبعث الحيوانات ... " ونصه:
" قال الإمام الآلوسي في تفسيره: " ليس في هذا الباب - يعني بعث الحيوانات - نص من كتاب أو سنة يعول عليه يدل على حشر غير الثقلين من الوحوش والطيور ".
هذا كل ما أعتمده المجيب، وهو شيء عجيب يدلكم على مبلغ إهمال أهل العلم - فضلاً عن غيرهم- لعلم السنة، فقد ثبت فيها أكثر من حديث واحد يصرح بأن الحيوانات تحشر، ويقتص لبعضها من بعض، من ذلك حديث مسلم في "صحيحه": «لتؤدون الحقوق إلى أهلها حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء». وثبت عن ابن عمرو وغيره أن الكافر حين يرى هذا القصاص يقول: "ياليتني كنت ترابا".
فما هي تلك الأصول والقواعد التي أقامها الخلف، حتى صرفتهم عن السنة دراسة واتباعاً؟ وجواباً عن ذلك أقول:
يمكن حصرها في الأمور الآتية:
الأول: قول بعض علماء الكلام: إن حديث الآحاد لا تثبت به عقيدة، وصرح بعض الدعاة الإسلاميين اليوم بأنه لا يجوز أخذ العقيدة منه، بل يحرم.
الثاني: بعض القواعد التي تبنتها بعض المذاهب المتبعة في " أصولها " يحضرني الآن منها ما يلي:
أ- تقديم القياس على خبر الآحاد. (الإعلام 1/ 327و300 شرح المنارص623ب- رد خبر الآحاد إذا خالف الأصول. (الإعلام 1/ 329، شرح المنارص646).
ج - رد الحديث المتضمن حكماً زائداً على نص القرآن بدعوى أن ذلك نسخ له، والسنة لا تنسخ القرآن (شرح المنار ص647، الأحكام2/ 66).
د - تقديم العام على الخاص عند التعارض، أو عدم جواز تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد! (شرح المنار ص289 - 294، إرشاد الفحول 138 - 139 - 143 - 144).
هـ - تقديم عمل أهل المدينة على الحديث الصحيح.
الثالث: التقليد، واتخاذه مذهباً وديناً.
"الحديث حجة بنفسه" (ص35 - 38)

[30] باب ضعف حديث معاذ في الرأي وما يستنكر منه
[قال الإمام]:
[أود أن] أُلفت (الانتباه) إلى حديث مشهور قلَّما يخلو منه كتاب من كتب أصول الفقه لضعفه من حيث إسناده ولتعارضه مع ما انتهينا إليه .. من عدم جواز التفريق في التشريع بين الكتاب والسنة ووجوب الأخذ بهما معا ألا وهو حديث معاذ بن جبل - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - قال له حين أرسله إلى اليمن:
بم تحكم؟
قال: بكتاب الله قال: " فإن لم تجد؟ " قال: بسنة رسول الله قال: " فإن لم تجد؟ " قال: أجتهد رأيي ولا آلو. قال: " الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يحب رسول اللهما ضعف إسناده فلا مجال لبيانه الآن وقد بينت ذلك بياناً شافياً ربما لم أسبق إليه في السلسلة السابقة الذكر (1)، وحسبي الآن أن أذكِّر أن أمير المؤمنين في الحديث الإمام البخاري رحمه الله تعالى قال فيه: "حديث منكر ". وبعد هذا يجوز لي أن أشرع في بيان التعارض الذي أشرت إليه فأقول:
إن حديث معاذ هذا يضع للحاكم منهجاً في الحكم على ثلاث مراحل لا يجوز أن يبحث عن الحكم في الرأي إلا بعد أن لا يجده في السنة، ولا في السنة إلا بعد أن لا يجده في القرآن، وهو بالنسبة للرأي منهج صحيح لدى كافة العلماء وكذلك قالوا: «إذا ورد الأثر بطل النظر». ولكنه بالنسبة للسنة ليس صحيحاً؛ لأن السنة حاكمة على كتاب الله ومبينة له فيجب أن يبحث عن الحكم في السنة ولو ظن وجوده في الكتاب لما ذكرنا فليست السنة مع القرآن كالرأي مع السنة كلا ثم كلا، بل يجب اعتبار الكتاب والسنة مصدرِاً واحداً لا فصل بينهما أبداً كما أشار إلى ذلك قوله - صلى الله عليه وآله وسلم -: «ألا إني أُتيت القرآن ومثله معه» يعني السنة وقوله: «لن يتفرقا حتى يردا علي الحوض».
فالتصنيف المذكور بينهما غير صحيح؛ لأنه يقتضي التفريق بينهما وهذا باطل لما سبق بيانه
فهذا هو الذي أردت أن أنبه إليه فإن أصبت فمن الله. وإن أخطأت فمن نفسي والله تعالى أسأل أن يعصمنا وإياكم من الزلل ومن كل ما لا يرضيه. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
"منزلة السنة في القرآن" (ص17 - 18)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق